شروط حماية الثورات العربية

حجم الخط
0

د. سميرة شمعاوي يعيش العالم العربي الآن حالة من التغيير شبيهة بما عاشه في النصف الأول من القرن العشرين، عندما سخر المواطنون كل ما يمتلكونه من قوة وإرادة وعتاد لإخراج المستعمرمن بلدانهم. وأبانت حركات التحرر العربي – رغم إمكانياتها العسكرية المتواضعة- عن قدرة كبيرة على تنظيم وتأطير المواطنين وتجنيدهم لخدمة القضايا الكبرى للوطن وللأمة العربية، ولن تنسى ذاكرة التاريخ أشكال التفاعل والتضامن المثاليين بين أبناء المنطقة العربية: فإذا سقط شهيد في بلد، فإنه يتحول إلى رمز في كل البلدان العربية الأخرى.

وفي بداية القرن الواحد والعشرين، تعيش الشعوب العربية غليانا ثوريا يشبه في زخمه ما عرفته تلك الشعوب في محاربتها للمستعمر، ولا يختلف المشهد كثيرا إلا من حيث التطور العسكري وطبيعة المستعمر الجديد المتمثل في فئة الحكام الذين حولوا الدول إلى مزارع خاصة بهم، إذ كيف نفســــر ما يحدث الآن في سوريا من تقتيل وتدمير بأعتى الأسلحة؟ ألا يعتبر الرئيس السوري بأن هذا البلد هو ملك له وأن الأفراد هم عبيد عليهم الاستسلام والخضوع؟

نعرف بالتأكيد أن دماء شهدائنا في سوريا لن تذهب سدى، ولا شك أن الطاغية آيل للسقوط على غرار السقوط المخجل لأمثاله في ليبيا، تونس، مصر…. ولم يكن ثمن الحرية الذي دفعته هذه الشعوب بأقل مما يدفعه السوريون الآن، فقد سقط الآلاف الشهداء وخربت المدن والقرى لكن الشعوب لازالت صامدة ومتيقظة في حماية ثوراتها.

أملنا أن يحمي المسيرون الجدد الثورات العربـــية، وهم ينتمون في معظمهم للتيارات الإسلامية، لقد حظــــوا بثقة الشعوب العربية وهي تعلق عليهم كل آمالها وطمــــوحاتها وأفراحنا التي حرمت منها عقود من الزمن – لكم أن تستعيدوا صور الشعب المصري وهو في حالة فرح هائل بعد فوز الإسلاميين بالسلطة-، ومهمة المسؤولون الجدد هي حماية هذا الفرح، الذي نعرف أن فئات أخرى لاتستسيغه – فعندما يفرح المستضعفون، يحزن الطغاة- وهو فرح يمكن أن يستمر إذا توفرت الشروط التالية:

ـ إذا تحمل المسؤولون الجدد مسؤولية الدفاع عن كرامة المواطن بشكل حقيقي وفعال، وليس خدمة لمؤسسات أجنبية تدعي حماية حقوق الإنسان.

ـ إذا أعاد هؤلاء المسؤولون لقضية فلسطين قوتها ووزنها العالميين، بالدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي، وإن عاش نكبات لا تعد ولا تحصى، فإن له الفضل في تأجيج الثورات العربية. وأعتقد أن المواطن العربي الذي جعل من قضية فلسطين قضيته الخاصة، وتقاسم الإحساس بالظلم مع كل مواطن فلسطيني، كان في عمق دفاعه عن كرامته يدافع عن فلسطين وأهلها، ودليلنا في ذلك أن شعارات تحرير فلسطين كانت القاسم المشترك بين جميع ساحات التحرير العربية.

ـ مطلوب من المسؤولين الجدد التحلي بالجرأة السياسية والأخلاقية حتى يساهموا في بناء أوطان تستعيد أمجادها الحضارية، ليس بتحنيط الموروث الثقافي والحضاري، ولكن بالعمل على إحيائه وفق منظور جديد يحافظ على الهوية العربية الإسلامية لشعوب المنطقة. وهذه الخطوة هي غاية في الأهمية بالنظر إلى مشكلة العولمة الراغبة في تذويب الهويات الثقافية، إذ يعتمد المدافعون عنها على كافة الأساليب المساعدة على ذلك من سرقة للمتاحف (ما حدث ويحدث في العراق هو أبزر دليل)، إلى القضاء على المنتوجات المحلية وتبخيس قيمتها بدعوى التصنيع والتحديث… إلى تعميم التكنولوجيا الرقمية التي تستهدف تدمير الذاكرة الإنسانية التي تمثل جوهر البشرية.

ـ أن يتحلى المسؤولون الجدد بالانفتاح على مختلف فئات المجتمع: مثقفون، سياسيون، شباب، رجال الدين، نساء، علماء لفتح النقاش حول مختلف القضايا، والتمتع بالمرونة الكافية لاستيعاب كل التنوع الثقافي والفكري والديني… لأن المواطن العربي أصبح بحكم تجربته الغنية في الحياة أدرى بمصلحة الوطن، وهكذا نبني ديمقراطية حقيقية بكفاءات محلية تعفينا من الديمقراطية المزيفة التي حملتها أمريكا إلى العراق على ظهر الدبابات والمدرعات وتجنيد فرق الموت… إذ لازال الشعب العراقي الشقيق يعاني تبعات أكبر خدعة ‘ديمقراطية’ في التاريخ المعاصر.’ كاتبة من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية