غمكين مرادما من شيء يبدو معقولا سوى النهايات.
بهذه العبارة يُغلـِّقُ سلمان رشدي جميع الحيوات لشخوصه الصاعدة إلى مقامات السادة على سلالمٍ من جثث ومن ثم الحفاوة بنبيذ فاخر من دمها المُعتق في أقنية النهاية لكن بعد حين.
رشدي في روايته ‘العار’ يروي القصص التي لا تنتهي، في العالم الذي ينتهي، بيوم حساب. قصص جنرالات وسياسيين وحتى ممقوتين، قصص نساء في بيئة هنّ في هامشها، لكنهن حقيقة يُخيطن أرواح رجالاتهم بحقيقة مخفية تتنافى مع ظواهر أجسادهم. في هذه الرواية يسردُ رشدي التاريخ ويُهمشه، يعتنق حبّ الوطن ويُلبسه المقت، يلعب غربة الحنين بقلبٍ ضاعت أوردة دمه:’جميع المهاجرين يتركون ماضيهم خلفهم رغم أن البعض يحاول أن يحزمه ضمن علب وصرر’ص77. يأخذ من اسم الشاعر الفارسي عمر الخيام اسما لشاكيل، الشطر الأساسي من عاره والهامشي الذي يصبو إلى العلا، الخارج من لدن سرير غير شرعي لأمهات أخوات ثلاث يجهل من هي الطارحة الحقـّة في قصر نيسابور’من بلدة العار’ ك’، يخترق شاكيل قلوع القصر بلهفة الخروج إلى الحرية رغم الرفض الذي يعرفه في عدم تقبله في الخارج، فهو يؤمن: ‘بأن نطير وأن نفر كلاهما من سبيل البحث عن حرية’ ص106. يتجاوز تزمت الأخوات الثلاث أمهاته بالتمسك بالجذور وبميراث الجد الأول وما خلفه في هذا المنعزل الذي لا يرتبط بالخارج إلا بجسر قابل للوصل والقطع مع العالم بين العامة (الأصليون) والسادة (المستعمرون) وذلك فقط بمدّ القصر بمستلزمات البقاء:’الجذور أسطورة من أساطير القدماء صممت بهدف واحد هو إبقاؤنا في أماكننا’ ص106. وهكذا يخرج إلى فضاء العالم الخارجي، عمر الخيام شاكيل، ويبدأ بإفراغ نزواته اللا موضوعية وبجموح طموحٍ غير متناسق مع هيئته المقززة في اللهاث وراء الصعود كيفما كان وبأي ثمن بدءاً من نفخهِ لبطن فرح زهر عشتار وليس انتهاءً بخيانة زوجته صفية زنوبيا المستقبلية، فيكون القاسم المشترك لأهم رجلي دولة مستقبليين إسكندر حربا والجنرال رضا حيدر، يجمعهم الصعود إلى القمة لا يهم إن كان ما يتركونه خلفهم بحر دم أو أرض جثث، مثل ذلك الصاروخ في صعوده فاقداً أجزاءً منه ليصل إلى هدفه على حد قول بلقيس زوجة رضا في صعوده للرئاسة:’إن الكائنات البشرية الأخرى هي الوقود الذي كان يحرقه أثناء طيرانه نحو نجوم الأكتاف’ ص 266. أو على حد قول إسكندر حربا للصحفي الإنكليزي حين كان رئيسا للوزراء:’ليس باستطاعة أحد أن يطيح بي…. لا القطط السمينة ولا الأمريكيون ولا حتى أنت فمن أنا؟ أنا تجسيد الشعب’ ص235. يُحاكي رشدي عبر هذه الشخصيات الرئيسية الاستبداد كأورويل في باكستان الـمُسـَّلمةِ لأتباع الله شريحة قضمتها الحشرات من البلاد القديمة بعد التقسيم.’هي رواية عن أصل ٍ يجتـّر الدم ليصل، وعن مُهاجرٍ يُعتـِّق الدم ليصل، لكن أيّ وصول هذا ما دامت النهاية هي المعقول الوحيد فيها.
إسكندر حربا العربيد، السكير، النزق…. مع شريكه شاكيل والمنقلبِ فيما بعد إلى ما يشبه السياسي الحاذق، الأمين، الوطني الخالص، حين زرعت فيه بذرة أن يكون شخصا يخرج من ذاته:.’بعض الرجال عظماء إلى درجة لا يمكن أن تصنعهم إلا أنفسهم ‘ص230لكن أين يختفي ذلك الماضي الملـّوث ما دامت الروح نفسها:’فالناس الذين ينكرون ماضيهم يصبحون عاجزين عن التفكير بأنه حقيقي’ ص 184يبقى هذا الماضي مترجماً على الشالات الثماني عشر لراني حربا، الزوجة المعبِّرة عن سيرة إسكندر الحقيقية في باطنها والنافية لظاهرها أمام الشعب، فالكائنات البشرية لديها موهبة خارقة في إقناع نفسها بصحة ونبالة جوانب من ذاتها هي بالحقيقة زائفة، وخسيسة، وضيعة. قد يصبر عليك الزمن مدة لكن لا يدعك بدون نهاية لمقدمات عملك وينتهي إسكندر حربا مُعلقاً على حبل مشنقة.
الوجه العسكري لرواية العار رضا حيدر (غوتزر العجوز) صاحب البطولات في معارك عدة، قاهر قطاع الطرق والمهربين في الجبال المستحيلة، اللابس عباءة الدين الحرباوية، يخوض حرباً لا يهم مع من، ما يهم ما يحلم بالوصول إليه:’الباكستان تلك التي تخوض الحرب المرّة تلو المرّة مع نفسها يمكن وصفها بأنها فشل العقول الحالمة’ ص108. يصل إلى رئاسة الجمهورية وتنخر في شجرة طموحه ابنته صفية زنوبيا زوجة شاكيل الحاملة لحبٍّ كبير، وفي غيابه تغرق في غضب مدمر يصل إلى حد تدمير رضا لينتهي به الهروب في باصٍ عتيق من الدرجة الثالثة مع الدجاج والحيوانات في طريقه إلى بلدة ‘ك’ لابساً ثياب نساءٍ مع شاكيل وبلقيس الأمر الذي أهان شاكيل ‘لم يمسك بهم أحد فلا أحد يتوقع أن يجد رئيس جمهورية فاراً في ثياب امرأة في باص عتيق من الدرجة الثالثة لكن ثمة أيام وليال تمرّ بلا رقاد، ثمة خوف ويأس’ ص 340. هذه كانت حالة رضا في فراره بعد أن كان فيما سبق قد مرّ في نفس السكة في عربة من طراز جديد في مهمته إلى الجبال المستحيلة.
يبقى الوجه المرتزق بعد السياسي حربا والعسكري رضا، عمر الخيام شاكيل صديق حربا في عربدته وزوج ابنة رضا صفية زنوبيا هو من يعتبره رشدي بطلاً هامشياً لكنه البطل المؤطر لتفاصيل الصعود ومن ثم النهاية لنفسه أولاً ومن ثم الآخرين حين يصبح الخزيُّ جزءا أساسيا من شخصيته، عش مع الخزي فترة كافية يصبح جزءًا من الأثاث…. ناسياً ما هي الحقيقة التي جاء بها لهذه الدنيا وما أستقبل به في العالم الخارجي عن قصر أمهاته الثلاث: ‘صورنا القديمة (الحقائب الكرتونية) ربّما تحوي عدد كببر منها بضعة تذكارات فقدت معناها فقد انفصلنا عما هو أكثر من الأرض لقد انفصلنا، ونحن نطير عالياً عن التاريخ، عن الذاكرة، عن الزمان’ ص107. ما يجمع بين شخصيات رشدي في روايته ‘العار’ هي الفردانية المغسولة من إنسانيتها، والأنانية المفرطة في سبيل غايتها، والقداسة المهيبة في عبادة ذاتها:’فنحن من أولئك الرجال الذين يضحون بأعز ما يحبونه على مذبح كبريائهم الذي لا يقبل التلوث… ففي الشرف والعار جذور العنف’ ص146على لسان رضا.’إننا نقضم أنفسنا نلتهم أطفالنا، نشدّ إلى الأسفل كل من تسلق إلى الأعلى، لكنني أصرُّ على أننا سنبقى وسنستمر’ ص235 على لسان حربا.
في المقابل يدرك رشدي بأن’طبيعة الطغيان هي ذاتها التي تنهيه’ ص330لأن الناس مهما مرّ بها الزمن لا بدّ أن تدرك وتتدارك ما فاتها، وما مرّت بها من حياة أقل ما يقال عنها أنها ليست حياة، حتى تتضخم في صدورها، حينئذ يكون الوقت المناسب لاستشفاف النهاية’مارس الإذلال على الناس زمناً كافياً تجد أنه ينفجر من صدورهم وحشية وعنفاً ‘ ص148لن تكسر إرادة الشعوب، نهبُ الجسد كما نهبُ البيوت، أو حتى تعليقهم من خصيهم كما فعل إسكندر ورضا، فالنهاية المنتظرة دوماً تكون بما يناسب شرور الطغاة ولا يفيد الفرار لأنه ليس هناك بلاد أفقر من بلاد الفرار.’القامشلي/ سوريةرواية ‘العار’: سلمان رشدي منشورات الجمل ودار التكوين ط1 2009