أليستر بيرتفي أحدث مقالاتها الافتتاحية المضللة نوعا ما حول موضوع الولاية القضائية العالمية فيما يتعلق بالمسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب، تهاجم صحيفة ‘القدس العربي’ ‘الرضوخ البريطاني المؤسف للابتزاز الإسرائيلي’. أود أن أنتهز هذه الفرصة لتصحيح الكثير من الظنون التي وردت في هذا المقال. اسمحوا لي أن أؤكد دون أي غموض أو لبس بأنه ليس هناك أي تغيير في التزام بريطانيا بتقديم أي شخص ارتكب جرائم حرب للعدالة. والتعديلات المقترحة التي حددناها تتماشى تماما مع مبدأ أنه في حال وجود دليل كافٍ لمتابعة قضية ضد أي شخص متواجد على أراضي بريطانيا – بغض النظر عما إذا كان إسرائيليا أو أفريقيا أو من يوغسلافيا السابقة أو من أي مكان آخر في العالم – فلا بد من إحلال العدالة. تجزم صحيفة ‘القدس العربي’، على نحو مخالف للحقيقة، بأن ‘الابتزاز’ الإسرائيلي خلال زيارة وزير الخارجية خلال الأسبوع الماضي أدى إلى تغيير في موقف المملكة المتحدة وبعث على تعديل هذه القوانين وتعجيل معالجتنا لهذا الموضوع. هذا عارٍ تماما عن الصحة. يتعلق هذا ‘الابتزاز’ المزعوم ببيان – سرعان ما صححته وزارة الخارجية الإسرائيلية – يوحي خطأً باحتمال تأجيل اجتماع رفيع المستوى بين بريطانيا وإسرائيل. وقد أوضحت الحكومة الإسرائيلية لاحقا لوزير الخارجية البريطاني ووسائل الإعلام بأن هذا الحوار سوف يُستأنف في المستقبل القريب. وعلاوة على ذلك فإن مسألة مذكرات الاعتقال بخصوص جرائم تنطبق عليها الولاية القضائية العالمية هي مسألة قيد المراجعة منذ وقت طويل – وقد أوضحت الحكومة البريطانية مرارا وتكرارا بأن لديها أسبابها التي تستدعي التزامها بمعالجة أوضاع استثنائية قائمة. وكان قاضي القضاة ووزير العدل قد أدلى بتصريح في 22 تموز/يوليو أمام البرلمان شرح فيه موقف الحكومة وحدد فيه التغييرات التشريعية المخطط إجراؤها. كان إعلانه ذلك نتيجة تدارس دقيق لكافة المسائل المعنية، وبعد إجراء مشاورات واسعة. وعندما كان وزير الخارجية في زيارته إلى إسرائيل، كان واضحا بأن الحكومة البريطانية سوف تجري تغييرات على طريقتها وتبعا لجدولها الزمني. وبينما اثارت إسرائيل هذا الموضوع في عدة مناسبات، فإن بريطانيا لن تقوم أبدا بإجراء أي من هذه التعديلات لو أنها كانت تخالف التزاماتنا بموجب القانون الدولي، وبالتالي فإن مخاوف إسرائيل ليست حتما هي العامل الوحيد هنا. إن الموضوع الذي أمامنا هو إساءة استغلال الترتيبات الحالية لإصدار مذكرات اعتقال تتعلق بجرائم تنطبق عليها الولاية القضائية العالمية. حيث يمكن، بموجب الوضــــع الحــــالي، إصدار مذكرة لاعتقال أي شخص موجه ضده أي اتهام، حتى في حال عدم وجود أي دليل على الاتهام يمكن أن يؤدي للنجاح في محاكمته. وقد تمت إساءة استغلال هذه الترتيبات في عدة مناسبات من قبل – على سبيل المثال، ضد هنري كيسنجر ووزير صيني زائر. وبينما قد يرى أولئك الأكثر تعصُّبا بأن تلك هي وسيلة جذابة لتسوية الحسابات أو إهانة شخصيات رفيعة المستوى – فإن إساءة استغلال الترتيبات الحالية على هذا النحو قد يكون له تأثير ضار جدا على الدور الذي يمكن أن تلعبه بريطانيا لتسوية الصراعات في أنحاء العالم. تتطلب التعديلات المقترحة السعي للحصول على موافقة المدعي العام على إصدار مذكرة اعتقال. حيث سيعمل على تقييم ما إذا توافرت المعايير الضرورية الدنيا من الأدلة الكافية لإمكانية المضي في محاكمة ناجحة. وباعتباره شخصية مستقلة، فليس باستطاعته أخذ الاعتبارات السياسية في الحسبان لدى اتخاذه قراره.
تفتخر بريطانيا أيما فخر بجهودها المستمرة دعما لتسوية الصراعات في بعض من أكثر الخلافات الإقليمية تصلبا وتعقيدا في عصرنا الحديث: في وسط أفريقيا، وفي الشرق الأوسط، وفي أفغانستان وغيرها. والكثير من الأطراف في هذه الصراعات تعرضوا ظلما لاتهامات لا أساس لها من الصحة. وفي مثل هذه الحالات فإن من شأن عدم قدرة أي منهم على الحضور إلى المملكة المتحدة لخشيته أن يتم اعتقاله – على الرغم من كون هذا الشخص برأينا مفاوضا بنّاء في مفاوضاته – أن يؤدي ربما للإضرار بقدرتنا على أن نلعب دورا فعالا وإيجابيا في التوصل إلى السلام. وفيما يتعلق بإسرائيل وعملية السلام في الشرق الأوسط، فإن بعضا ممن ينتقدونا لاتخاذنا قرار اقتراح هذه التعديلات هم أنفسهم من ينتقدوننا لعدم بذل ما يكفي للضغط على إسرائيل فيما يتعلق بالنشاطات الاستيطانية وغزة والتزامات إسرائيل الأخرى. لكي نتمكن من ممارسة نفوذنا فإننا بحاجة لعقد اجتماعات دورية رفيعة المستوى مع مجموعة كبيرة من الشخصيات الإسرائيلية. لا يمكنهم الفوز بالأمرين معا. فنحن نسعى إلى تكون علاقاتنا بإسرائيل علاقات إيجابية وبناءة، وليس لديّ أي تحفظات على الدفاع عن ذلك أمام قرّاء صحيفة ‘القدس العربي’ وغيرهم من الجماهير العربية والفلسطينية. خصوصا وأن المواضيع التي تحـتل قمة أولوياتنا تقريبا في كافة اتصالاتنا رفيعة المستوى مع إسرائيل هي مواضيع السلام مع الفلسطينيين والمستوطنات الإسرائيلية وقطاع غزة. ترغب المملكة المتحدة بأن تكون واقعية وعملية في جهودها الرامية لتشجيع السلام والاستقرار والتقدم في الشرق الأوسط وغيره من مناطق العالم. لكن هذا لا يعني أبدا تقديم تنازلات في مقابل أولوية إحلال العدالة. لقد لعبت بريطانيا دورا فعالا وناشطا دعما للعدالة الدولية في البوسنة وسيراليون وكمبوديا. كما أننا حثثنا إسرائيل مرارا وتكرارا على الإيفاء بالتزاماتها في سياق مزاعم محددة تتعلق بالعنف الذي وقع في غزة عام 2008. لقد انتظر المواطنون الفلسطينيون والإسرائيليون أجيالا ليشهدوا التوصل إلى حل عادل وحاسم لواحدة من أكثر مناطق الصراع صعوبة وعسرا في العالم. ونحن ندين لهم ببذل كل ما في وسعنا لنشهد إحلال السلام وتحقيق العدالة. ‘ وزير شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية البريطانية