في رواية إلياس فركوح الجديدة: من يغرق في ‘غريق المرايا’ وكيف؟ أحمد المديني1ـ في جميع أعماله يذهب إلياس فركوح إلى مادته ليلتقطها وهي شظايا، أو يعمد إلى تشظيتُها، إن هو أمسك بها للوهلة الأولى كتلة مصمتة متضافرة، معتبرا الاجتماع والكمال والتوافق زلة لا تغتفر للكاتب، إن هو اقترفها لم تعد للكتابة غاية، ولا هي بأي حال شأن مطلوب. الجوهري عند أن يتقدم سؤالُ الكتابة، نوعُها، وهويتُها، وكيفيتُها، ومراميها، فعلَ إنجازها، الذي ما ينفك كسؤال يعاد تفكيكه، وسلّ خيوطه إثر تكونها في نسيج، يُظن عبثا أنه مكتمل، وهكذا دواليك، إلى ما لا نهاية. 2 ـ لا يشذ عن هذا المذهب في روايته الجديدة’غريق المرايا'(دار أزمنة، عمّان، 2012)، إن نحن توافقنا على هذا التجنيس، أحسبه يقبل بوضعه على الغلاف إجرائيا، وإلا فهو تعدٍّ على نيته، فضلا عن ‘استراتيجيته’ في مفهوم هذا الجنس الأدبي، وكيفية/ كيفيات تدبيره وضبط إوالياته السردية، التي مهما شطّ المتمرد عليها مشاكسة وتجريبا، لن يكون طلاقه الفني منها بائنا أبدا. 3 ـ عندما تتكرر هذه الممارسة، وتتفرّع، وتنزع نحو التعدد والتنوع، لا يبقى التجريب، وهو اختيار فركوح الأدبي وبطاقة تعريفه في كوكب الأدب، طريقة تعبير من بين طرق شتى، ولا نزوة تعتري مجترحها عابرة، بل عنوان كتابة وعلامة عليها. دوّننا هذه الملاحظات وما في ضربها في قراءة سابقة لنا خصّت بالذات رواية ‘أرض اليمبوس’، ونعود الآن لتثبيتها كي تندرج في إطار وسياق تقويم نقدي جديد، لاحق بمواصلة التجربة من لدن كاتب أصبح عنده مراكمة النصوص التخييلية والاسترسال في النهج التجريبي يمثل مشروعا بمحطات وحلقات وتنضيدات يعيّنها متنٌ أضحى يسائلنا، وفي كل مرة يستنفر قدرات وجهاز تلقٍّ محدد. 4 ـ ظهر الأمر في البداية بمثابة اختبارات، وشبه تمارين متقطعة، بما أن مؤلف النص السردي، ارتأى المزاوجة بين شكلين وطريقتين، ربما أكثر، وأسلوبين، واضح من تلك التمارين أنها تقوم ب’قصف’ التراث الكلاسيكي للرواية، فيما تسعى، يا للمفارقة، بإعادة بناء شكلها، شكل ما، على أنقاض ما تحطمه وتتركه حطاما في طريقها. من الطبيعي أن أي مجرب بالمعنى التجديدي المتقدم، وليس الناشئ، رقيق الحال فنا، وهو يغامر في ميدانه، يعي أن للمغامرة ثمنا وفي الآن يحترز من الخسارة، ما يجعله يساوم فنه داخل النص الواحد، فيضطر عندئذ للمزاوجة، قل المصالحة بين القديم، (النمطي، القواعد، التوافقي، عموما حصيلة الموروث لفن معين..) والجديد، على الأقل افتراضا، فلا جديد بالمطلق أبدا وهو نسبي دوما، لذلك وجدنا نحن قراء هذا الكاتب الذي ارتأى المغايرة نهجا لقصصه ورواياته، تمتح من أكثر من معين، وتتلون بغير صبغة، تطمع بذا في التمدد في أفق مختلف، ولا تضيع، ما أمكن، الأفق القِرائي المتاح.5 ـ ليصل أخيرا، وفي المحطة/ العمل السردي الأخير له إلى وضع أطروحة صريحة، يضمنها سياقا حكائيا، ولا يحفل بفجاجة الطرح في مكان ليس لها، ما دام هذا قصده، ويحب أن ينهي الافتراض، ويجزم مع قرائه المحترفين خاصة، وأنا واحد منهم، بأن يكفوا عن التردد/ التراوح بين منظورين، واستعمال مقاربتين، لدى عملية التلقي، والتي لا يمكن أن تكون بتاتا واحدة معه. منطوق الأطروحة، كما ورد في ‘غريق..’ هو: ‘إن الحدود ما رُسمت إلا لخرقها واجتيازها، بصرف النظر عن من رسمها’ (142) هي الأطروحة ذاتها تُعرض بتحليل ضافٍ لمن يحتاج إلى إقناع، فتكون قاعدة مذهبية موجهة للحياة الفكرية والنفسية، وتعلن صراحة مفهوم الفنان لما ينبغي أن يكون عليه الوجود، وبالطبع ما ينتجه هو فيه(=الرواية): ‘الأنظمة جميعها شبكة قوانين وحدود وشروط وفروض ونواه. وجميعُها إنما تولد قبلنا، وما نحن سوى الذين يسيرون، بلا توقف أو مساءلة، على خطى من ماتوا منذ أزمان سحيقة. ماتوا وهم لا يعرفون أزمانا سوف تتغير بغير ما يتخيلون. لست متيقنا [هذا ما يقول سارد وبطل الرواية] من أي شيء بخصوص تلك الأسئلة الآن، وما زلت أراوح. وها أنا أراني أشكك بمقولة الأمر الواحد الصالح لكل زمان ومكان!
الكون يتغير، والكائن يتحرك، فهل يصح أن يبقى القانون جامدا!'(153).6 ـ ذا دستور إلياس فركوح الذي بوسع القارئ الاطلاع عليه مُنزّلا على وتيرة السرد، ومدثرا ببُرد الحكي، وفي خط/خُطى رسم شخصيات متعددة المصائر، متقاطعة العلاقات نسبا ونزوعا، ومتباعدة أيضا، في إطار وضع تاريخي تمارس فيه وضعها الاجتماعي، وتعيش حيواتها الفردية ذات الأبعاد الإنسانية. لا يبدو أن فركوح ينأى كثيرا عن المحكيات والعوالم الكبرى والدُّنى الصغرى المألوفة في أعماله السابقة، فقد استقرت عنده، متشكلة بتواتر، تغرف من الطفولة والفتوة ومرابعهما، ومن صنوف المعيش الفلسطيني الأردني، في قلبه عوالم عمان القديمة، طبعا، وسيرتها عبر وفي خلفية أحداث ووقائع تاريخية معلومةـ تعطي للسردي ثقله، وهي تعينه في الزمن الواقعي، الذي يلتبس بالتخييل حينا، والاستيهامات دائما.
لقد وجد فركوح نفسه يستخدم سيرته الذاتية روائيا في بدايته، ويذوِّت الرواية سيرةً، ليُمَخيِل هذه الأخيرة ثالثا، معلنا ضمنا انسلاخه عن نسق المحاكاة، وانتصاره التدريجي للكتابة الحديثة، قد طلقت الأقانيم التقليدية، واندرجت في المنظور الحداثي للسرد التخييلي وباستخدام أدواته، جريا على خطى أسلافه الكبار في المدرسة الغربية الواسعة، والعربية، أيضا، لم لا؟! 7 ـ وقد أتيح لهذا النهج أن يتطور لأنه ليس معزولا، بل أصبح عنوانا على جيل من الكتاب العرب، في أقطار مختلفة، وبتعبيرات متنوعة، أي أن السرد العربي الحديث صار له بدوره تراثه الواقعي، ويتجه صُعُداً تخترقه أصوات الذات النافرة والمجروحة، ضاق بها قالب قديم، واتسع في كتابتها الخرق على الراتق، وما التحديث في الرواية إلا أحد الأجوبة والأدوات الممكنة على كيفية إعادة الارتباط وإمكان العيش وتخيل عالم، وذات ما انفكا ينفصلان عنا وقد تشوشت الرؤية وسقط اليقين وكل بدهيات الماضي، فكيف بعُسف الحاضر واستبداده الشنيع. هنا، ولو اكتفينا بإدوار الخراط الذي يعد إ. فركوح من مريديه الأوائل، يكون النهج المعلوم قد أصبح النص البديل، وقد تعددت فيه الأنسجة والواجهات والاجتهادات، وتناوبت كذلك في هذا المسار سلسلة القطائع. يمكن اعتبار الكتابة السردية لفركوح إحداها الأجلى. بدأت محتشمة، مترددة، واتصلت مقتحمة، مخترقة، سواء متعثرة أو مغامرة أحيانا كيفما اتفق، لكنها انتظمت، وهو الأهم، بوثوق انتظمت معه في مشروع له نظام يكون له، وله أسلوب، ورؤية، وها صاحبه يضع له دستورا عرضنا سلفا بعض بنوده، وهناك أخرى غيرها، وفي كل دستور، يبقى الأهم هو كيفية تنزيله، وهذا لعمري رهان ‘غريق المرايا’، فكيف؟ 8 ـ لا نصّ ينوب عن آخر، خاصة إن كان من غير معدنه وعلى خلاف طرزه، تراه يفسده، مبنىً ومعنى. الأول إنشائي (=إبداعي) والثاني تقريري، تقويمي (خطابنا)، هما في ضوء هذه الكتابة يتعالقان، وينفصلان في آن، وبهذا الوضع لا يقبل أحدهما التعدي على حقوقه، من قبيل التلخيص والابتسار، مثلا، لكن لا حيلة، لا مناص لتبليغ القارئ والتواصل معه منهما، حتى ولو بدا هذا متعذرا، ومعوقا طالما أن المحكي ليس مُهما في ذاته، بقدر أهمية بنيته وخطابه. ولو شئنا الاختصار عُسفا، نروي أن هذه ‘الرواية’ تسرد حياة شخصية مركزية تحمل اسم (اليتيم) يتيم أبيه الذي استشهد فرضا في فلسطين، ورعته أمه (نوفة) العاملة في مستشفى، ومطمح رجال كثيرين في محيطها يطلبن قربها. حياةُ وشجون الأم إحدى بؤر القصة، معها حكاية خليل بائع الشاي المتجول وابنه كريم، من زوجته المتوفاة (مليحة) الذي سيلقى حتفه وهو طالب في المعترك اللبناني، يعيش أبوه قطعة من عذاب بسبب رحيله، ثم موت لا يصدقه، وعمره يذهب مثل أعمار شخصيات تتحرك في حي ‘المصدار’ بوسط عمان القديمة (في قلبها شاكر أفندي والخواجة والسائق أبو العز). يرصد ويتابع (اليتيم) بين طفولته وشبابه أحداثا تقع في مدينته، مثل أوراق يتصفحها، ويعيد كتابتها، أو احتلاب ما تبقّى منها، ضمن لوحة مكسوة بالمأساوية والانقراض، بأن كل شيء آيل إلى زوال، والكتابة محاولة لدرء الفناء ومداراة النفس عنه. إن أحداثا جساما تنعكس في هذه اللوحة ـ المرايا، لصيقة بالتاريخ السياسي للأردن، الستينات خصوص (اغتيال هزاع المجالي، المعارضة الشيوعية، النضال الوطني وضحاياه، الكفاح الفلسطيني ورموزه، الخ) وبالمحيط القومي القريب والمؤثر (فلسطين، لبنان ومصر)، هي بمثابة مفاصل كبرى تخترقها المفاصل/ المصائر الصغرى أو تُخترق بها، وبهذا الاختراق المتبادل يأخذ الشجن الشخصي بُعده الموضوعي، وبالمقابل يتم تذويت هذا الأخير، بإصباغ هالة إنسانية شفيفة عليه، بمقتضيات التأويل والتحويل والتخييل.9 ـ يتابع اليتيم مراحل أساس من حياة أمه، مذ ترّملت، عودا إلى طفولتها، ثم ترّملها، ثم شغفها بالراهب اليوناني نيكولاس، وعشق هذا لها، انتهاء باختفائها الغامض. يقرأ صفحات من حياة رهبنة قسرية، أو شكلية لنيكولاس، وهمه الأكبر: الرسم، رسم الأم أولا، وافتتانه بالأيقونات، بما يدخلنا في غمرة ثقافة وروحانية دينية مسيحية، بعض وجدان هذه الشخصية، وبُعدٌ من ذاتية وثقافة السارد (المركّب). وقبل الأم والراهب يستهل بعلاقة (سحرية) مع شيخ يدعى الحاج خير الدين شهاب الوراق البخاري، يستلهم منه اليتيم حكايات ومرويات حلمية وصوفية، بناء على محصول خزانته، وهو شخصية هلامية، لا تحددها ملامح وتخطيطات، ويسبح وجهها وهويتها في بحر الاستعارات، يتناسب مع كونها مرجعية روحية، صوفية (إسلامية بحسب الإحالات الواردة، كثيرة، دلالية قليلا، ومجازية موحية على الأغلب). ولا نكاد نصدق أن هذا الشيخ من لحم ودم، قد أوصى لمريده بداره ومنفعة مالية، ويبقى في تأويلنا بمثابة أنا أعلى، والاتصال بها اعتلاء لمرقى المطلق، للانعتاق من حضيض الواقع ومعوقاته، لذلك لا عجب أن ينقطع هنا حبل السرب، وتجنح اللغة إلى التحليق شعريا، والتعبير مجازيا لا تعيينا، وهو ما ينسحب على فصل (التخطيط الرابع،) مثلا، مع عديد فصول، يفتر فيها السرد، إن لم ينعدم، ويتعذر معها التقاط خيوط الحكي، ومعرفة تطور حدث بعينه، وتتبع مسار شخصية بعينها، بما يكره القارئ، الحريص طبعا، على تكرار الذهاب والإياب ليعرف ويفهم ويعي ويتفاعل، ويستقر أخيرا في قلب رؤية كاتب وكتابة، تتمنّع قد تمعن في الغموض.
مع الشيخ البخاري، والأم نوفة، وعشيقها نيكولاس الرسام، والجار خليل وابنه أكرم، وحواري عمان، يخط اليتيم السارد صورته الشخصية، ممهورة ببصمة المؤلف نفسه، ومصير الترحّل الذي اختار لحياته ينقله بحّارا من ميناء إلى آخر، دون أي تدقيق عن هذا الترحل، فهي إشارات مبعثرة، إلى أن يقرر العودة من جديد إلى مدينته، ويستأنف النظر موزعا في مراياه.10 ـ هكذا نلاحظ أنها ليست قصة تُحكى، بالمعنى التقليدي للقصة ذات التسلسل الخطي، والأحداث، بنموها وتطورها، وما تفضي إليه، ولا هي كذلك رواية تكتفي بالانقلاب على الهيكلة الكلاسيكية للنوع، رغم حرص المؤلف على تجنب القطيعة النهائية معه، فهي أحدثت الانزياحات المجددة فيه، قد استبدلت الحدث بالشعور، والبطل بفعل مضاد نابع من بطولة مغايرة، تتعدد أسماؤها، واستعاضت بالحكاية بحثا في مسارب النفس والوجود عن مصير وجوهُه تنعكس بين ال’هنا’ وال’هناك’، بصيغة الكاتب، واستخدمت لغة استبطانية، وعبارة شعرية، وظلالا مجازية. نقول، إنه فضلا عن هذه المحددات نرى إلياس فركوح قد قرر أن يذهب في هذا العمل الأخير من مشروعه الروائي، الذي انطلق من’ قامات الزبد’ (1987)، مرورا ب’أعمدة الغبار’ (1996) ف’أرض اليمبوس'(2007)؛ أن يذهب إلى أقصى نقطة في تصوره الانقلاب على مبدأ المحاكاة (الأرسطي)، وتجاوز المصالحات بين التمثيلات المختلفة للواقعية الروائية، ببطاناتها وأبعادها المتعددة، وخصوصا بسجلاتها المخصوصة في المعمار والتمثيل والتشخيص والخطاب والبيان، باختصار في ما يختص به جنس أدبي، نعم تتسع دائرته، ويكبر مجال سيادته الترابية، إنما بما يبقيه ويعزز شرعيته بين الأجناس.11 ـ إذا كنا عهدنا أن لكل رواية حكايتها بطريقة ما (عنصرها الخبر) فالمؤلف يخترق سارده ليطرح أمامنا بلا مواربة قاعدة لعبه هنا، قائلا: ‘فالحكايات بحسب فهمه لها، وبالكيفية التي تحضر إليه، منقوصة كأنها بلا بدايات، وعشوائية فاقدة لأي انتظام، ومبتورة كأنما لا نهايات ولا مصائر لشخصياتها، أو خواتيم لأحداثها؟ (48). وأنت تنظر إلى بداية ‘غرقه’ تلاحظ أنه فعلا: ‘يحار من أين يبدأ، أو كيف يستهل سرده'(49) لا افتراضا أو تساؤلا فقط. وهو: ‘بسبب ذلك [فعلا] يعيد تقليب حكاياته مرات ومرات، قبل أن يكتبها'(49). ما يعطينا كتابة تراقب فعلها، تعيها، تستأنفها، تعلق عليها متجاوزة لها، باختصار تنسخها لتصير أخرى.12 ـ على امتداد هذا العمل، وفي ثناياه، من أفواه شخصياته، التي تكاد تجتمع في صوت اليتيم السارد وحده، لا يني المؤلف يطرح على نفسه سؤال الكتابة (سؤال كيفية تنشئة الرواية، الذي لم يبرحه منذ بداياته فيها) وهو ما ينتهي به في آخر الكتاب إلى طرح السؤال بالصيغة التالية: ‘إذن: كيف تُكتب الحكاية وكاتبها واحد من أهلها وساكنيها؟ أيسكن الحكاية محبوسا بين جدرانها المتداعية كلما نمت، أم تسكنه الحكاية أينما تحرك.. فتتحرك معه ظلا يلازمه تارة، ثم تتحول لتصبح هي الأصل ساحبة إياه أينما شاءت كأي ظل يحاكيه؟'(212). عادة الكاتب أن يجيب عن هذا السؤال الكامن في عقله بإنجازه، بما يتحقق قولا وتمثيلا، أما فركوح فيصر على ضرب الوتد الثاني لخيمة قواعده، متحدثا عنها على نحو مخاتل، متفلت بقوله: ‘تنقلب الحكاية أو تتمرد(…) لتصبح كاتبة نفسها! تتخلق من تلقائها مرايا تتواجه فتعكس بعضها بعضا إلى درجة انذهالها بلعبة توالدها بكينونتها المتعددة، وافتتانها بلعبة توالدها اللانهائي'(212) ومثله مما يمكن اقتفاء أثره في حوارات وشهادات لصاحبه، نخص منها ‘النهر ليس هو النهر: عبور في أسئلة الكتابة والرواية والشعر'(2007)، وينبغي أن يُعدّ إما تسويغا، أو تبريرا، أو طموحا، ولم لا أيضا اعتذرا مسبقا عن إخفاق محتمل(!). لهذه الأسئلة، وهي تعبير جهير عن تفكير الكاتب في كتابته داخل إنشائه، وحِدّة درجة الوعي بها، نظائر في تاريخ الرواية وعديد أمثلة ليس مجالها، وقد ناقشنا بعضها في كتابنا: ‘النحلة العاملة: صناعة الكاتب العربي’ (أزمنة،2011)، لا تعفي المتلفظ بها بتاتا من البرهنة عليها، ومَصْدقَتِها في النص، أولا وأخيرا، هو مرجع القراءة وإليه الاحتكام والباقي للاستئناس.13 ـ ما ينقلتا، أولا، إلى تشخيص المعمار الذي بنيت عليه الرواية، وبنظرة شاملة تتعدى الفهرسة المهيكلة لها تسمية على الأقل، إلى وصف المتن كله، يظهر مركبا من تخطيطات وهياكل متفرقة، متجاورة ومتنافرة في آن، شأن غُرف في مبنى واحد لكن بهندسة متباينة، مما لا يسهل الانتقال فيها وبينها، وإذا تمّ بعد جهد فهو يحتاج كل مرة إلى دليل سير وتذوق. تخطيط على هذا المنوال له مقتضيات تتصل بالشكل، أي طريقة البناء وأدواته، وأخرى متصلة بمادته، محتوى ومعنى، ورؤية ككل، والإثنان ولا شك متضافران، مشترطان ببعضهما. إن إلغاء السرد الخطي، مثلا، هو نتيجة طبيعية لغياب الحكاية بمعناها التقليدي، أو تغييبها المتعمد، بتذريرها، والعودة إلى جمع أشلائها، وهكذا. وهذا اختيار فني، قل، هو نهج تمليه رؤية عامة تحكم عالم شخصيات الرواية وتصدر عن أوضاعهم اجتماعية ووجودية. 14ـ يعمد إلياس فركوح، وهو الكاتب التجريبي بامتياز، إلى استثمار أكثر من طريقة فنية، وسجل لغوي، ومنظور، أيضا، بخطة لعبية منظمة، لا اعتباطية بتاتا، ففن الرواية لعبة جمالية قبل كل شيء، ومن هنا أهمية الحبك والحبكة فيها، وإلا فالأخبار’ مبذولة في الطريق’ بعبارة الجاحظ. يظهر فركوح وهو في سبيل بناء ونسج روايته يمارس تلك اللعبة بالمكعب المشتهر في ‘Rubiks Cube’وهو عبارة عن مجسم من ثلاثة أبعاد مكون من 26 قطعة مكعبة ( دون وجود مكعب مركزي)، يبدو كأنها يمكن أن تأخذ كل الوجوه، وحرة من أي ارتباط، من غير أن تسقط في الآن. والرهان حسب مخترع اللعبة الهنغاري إرنو روبيك(1974) هو جعل طلابه يكتشفون آليته الداخلية، كيف للمكعبات الصغيرة أن تدور حول ثلاثة محاور وتبقى مترابطة، وإذن بالتفكير في ثلاثة أبعاد، أما فكرة تلوين كل جزء على حدة فهي متأخرة. يتوفر الكاتب على المجسم بأبعاده (سنسميها: الذات؛ الواقع؛ التاريخ) ثلاثتها تتكون من عدد القطع المطلوب ويربو، حسب كل بُعد، وهي التي نتبينها في النص (غريق) بين مكونات ال’هنا’ وال ‘هناك’، تجتمع في عناصر نسميها خبرية، حدَثية، تشخيصية، سيكولوجية، الحلمية، التخييلية، الخ.. المحاور الثلاثة ترسم في فضاء الهُناكين (2) والمحور الثالث جزء منهما وفي الوقت متراوح بينهما، وطبعا فالرهان هو كيف تستطيع جملة العناصر المكعبات الصغيرة أن تدور كما يجب حول المحاور إياها وهي في تشكيل متضامن، ثم وقد اكتسى كل محور لونه المائز. يعرف ممارسو هذه اللعبة أن من شروطها الصبر، ودراية حسابية قوية، المفضيان إلى الإتقان، فهل إن فركوح في هذه المرحلة من مشروعه بصدد تدوير المكعبات الصغيرة، ولمّا يصل بعد إلى في الربط المحكم للمحاور كما تتطلبها لعبة حاذقة؟15ـ لندع هذه اللعبة المفترض خوضها مع هذه الرواية من عدمه، فالمؤكد أن ثمة تجميعا لمتعدد، يقترح له الرواية تجنيسا، افتراضا أو تحققا. هكذا يستعمل الكاتب ضمنها طرائق أو نويعات: السرد التقليدي، المذكرات، اليوميات، الانطباعات، التداعيات، التعليق، التقطيع الشعري، التضمينات نصية من التراث، أو تشكيلية اللوحة، الصورة الفوتوغرافية بوصفها متعالقة مع النص، مفسرة أو مكملة. ليس هذا التنويع جديدا على الكتاب السردية العربية، بل تكاثر حد أنه (وهو مشروع تماما، فلا خلاف) أضحى حذلقة عند المتعلمين، وتعبيرا عن الفاقة الفنية عند المذقعين الذين يرطنون، مثلا، بانفتاح الأنواع والتعبيرات، وما شاكل، مما ملأ السوق بفقاقيع كلام. وإذن، المراد تنويعٌ يكون مصدَّقا، منتِجا حين يُسخَّر لما بعده، لمرمى إعادة بناء تتجلى في معمار وبناء وتمثيل وتعبير تختص كلها بإقامة معمور فني وتأهيله حسب بحث معين، فلا قصة تكتب بدون وجود مرمى هذا البحث. نظنه بعض ما يبغي إ. فركوح، في بحثه المتواصل بدأب وتمرين دقيق على الوصفات الكتابية المتنوعة، أجل، إنما كي تجيب عن شواغل ذات تخترقها هواجس النفس والتاريخ كالسهام من كل جهة، وترى في الكتابة (عبر تنفيذها وتجريبها ومساءلتها، دائما) شفاء لحرقتها، شأن ما علمنا تاريخ الأدب عند رواد مجددين سافروا إلى أبعد نقطة في الليل، كما هو الحال مع فردناند سيلين في روايته الشهيرة.16ـ يبقى من الضروري في خاتمة هذه القراءة، التي أردناها مخصوصة أكثر بكيفية تخلُّق النوع وطرائق ذلك؛ ضروريٌّ التنبيه إلى أن الاستعمال المفرط لتنويع السجلات والترسيمات والتعابير، وخلط الأوراق (المكعبات الصغيرة) وتعدد الخطابات وتناسلها المتكاثر، طرسا على طرس، من شأنه مع مناورات شكلية أخرى، تعويق عملية التلقي، وإرباكها، ليس في سننها اللصيقة بنص سردي ذي مواضعات كلاسيكية حسب، بل وحداثية كذلك. نقول هذا ونحن على بيّنة بأن هذا الضرب الأخير بالذات يستوجب فاعلية مشاركة خلاّ قة من القارئ، إذ على متلقي هذه الرواية البحثية والمجربة، أن يصطبر، أن يقوم في كل مرة بعملية التركيب ونظم العقد (الروائي)، أو سيترنح بين شتاته وتذرّره، وكلما همّ بالقبض على محور (من اللعبة إياها) عاد المؤلف للتفكيك والإرباك، حد التلغيز والإبهام، ولا خلاف طبعا حول السحر الفاتن. كما لا خلاف على أن بُعد المقروئية جزء أساس من استراتيجية أي كتابة، أو عبثا.17 ـ نرى مناسبا أيضا في خاتمة هذه القراءة، ونحن نعنى بتطور النوع في الرواية العربية (عنوان كتابنا الأخير، دار الأمان، الرباط،2012)، أن نتساءل عن مساحة امتداد خارطة التجريب والتجديد عموما، فإن كانت تُعد بلا حدود فهي كذلك محكومة بما يعرف راسمُها واللاعب في مضمارها قياسه، وهو ما نرتئيه، بوعي نظري، ومراس شخصي، رهنا باستقرارها على نحو تصبح به مرجعا، وتمسي جدولا يصب في نهر التحديث الكبير للرواية. وما الاستقرار بالجمود بل هو بلوغ درجة من النضج يبذخ فيها الشكل مع عمق المضمون، قد امتص تراكمه، فيما يرسخ ويحيد عن التكرار والاستنساخ بلا طائل. أحسب أن رواية ‘غريق المرايا’ علامة على هذه الدلالة الجمالية، تضاهي أعمالا عربية من هذا القبيل حتى وهي نادرة في روايتنا العربية، وترهص بما يشي باقتراب كسب رهان مكعب روبيك. يقينا سينقلنا إلياس فركوح الذي لا يكف عن الترحال إلى محطة تالية من كتابته السردية، مُبرهنا عن أنه صاحب مشروع روائي قائم بذاته، يغتني بالتراث الأدبي، والزمن التاريخي، ويغنيه إبداعا، لا كاتب روايات عابرة، في زمن عابر.