نزار بولحية ‘ خلال الساعات القليلة التي تلت عملية الهروب المباغتة للرئيس السابق بن علي وفيما كانت البلاد تعيش حالة من النشوة والذهول وبعضا من القلق حول المآل الذي ستعرفه الأحداث، لم تهدأ الحركة في مطار المنستير الدولي حيث حطت عشرات الطائرات بصفة متواترة، وذلك لإعادة مئات السياح الأجانب الى الوجهات التي قدموا منها.
وضمن واحدة من تلك الرحلات وصل مساعد وزير الخارجية الصربي ليجد في استقباله سفيرة بلاده في تونس. وقبل أن يهم بالمغادرة على متن نفس الطائرة التي أقلته لم يفته أن يقدم لها الهدية التي جلبها معه من بلغراد وكانت عبارة عن كمية من قوارير المياه المعدنية المعلبة. لقد كان التقدير ‘الدبلوماسي’ لأهمية تلك الهدية في ذلك الوقت يرجع وفي جانب كبير منه إلى سريان إشاعة قوية حول عمليات ‘تسميم’ واسعة لشبكات توزيع مياه الشرب يقوم أو يعتزم القيام بها موالون للنظام المتهاوي لبن علي.
أما الآن وقد مضت أزيد من سنة ونصف السنة على تلك الأيام فلم تعد الطائرات تحط في نفس المطار لإجلاء السياح بل لجلبهم يوميا وبالآلاف. ولم يعد الأمر عطفا على الهدية الصربية- مقتصرا على بث ‘إشاعة’ فقط إذ تم المرور إلى التنفيذ لكن وفق سيناريو آخر وهو قطع إمدادات مياه الشرب عن قسم واسع من السكان في جهات متفرقة من البلاد وفي ظرف تشهد فيه درجات الحرارة ارتفاعا قياسيا.
هل يعود الأمر إلى مجرد خلل تقني وارد الحدوث أم إنه يدخل في سياق ‘حرب الاستنزاف’ المتواصلة والتي اشتدت ضراوتها مع وصول الإسلاميين إلى الصف الأول في قيادة البلاد عقب انتخابات أكتوبر الماضي؟ وهل ان الهدف الحقيقي من وراء كل ذلك هو اشعال فتيل ‘ثورة ثانية’ بدأت تبشّر بها بعض الوجوه السياسية في الآونة الأخيرة بصفة واضحة أو مواربة؟
قد يكشف التحقيق الذي أذنت النيابة العمومية مؤخرا بفتحه القليل إن لم يكن الكثير من الغموض الذي يلف هذه العملية. غير أنه وبقطع النظر عن النتائج التي ستظهر الطرف أو الأطراف المتورطة، فإن هنالك أمران لابد من الوقوف عندهما: الأول: أننا على الصعيد السياسي بصدد عملية ‘تجميلية’ اصطناعية تستخدم فيها عدة مناهج ومهارات في علم النفس والاجتماع وتشارك فيها عدة وسائط ووسائل إعلام سواء عن قصد ودراية أو بصفة غير مدروسة تحت الشعار البراق لحرية التعبير والإعلام والهدف من كل ذلك هو إعادة إنتاج النظام السابق وآلته التعبوية أي الحزب (التجمع المنحل) وذلك بشكل جديد مغاير وبمسميات عصرية مواكبة للمرحلة الحالية. إن هذه العملية الدقيقة والشاقة والتي من غير المستبعد أن توظف فيها إلي جانب الخبرات المحلية بعض الجهات الأجنبية، ذات التجارب الواسعة والمتمرسة على مثل هذه الوضعيات تبني استراتيجياتها وفق ما أثبتته الأحداث على ثلاثة محاور: يقوم الأول: على العمل على إيجاد، ثم تعميق الشرخ بين المؤسسات السياسية القائمة أي الرئاسات الثلاث وبين الأطراف السياسية ممثلة في باقي الأحزاب وحتى الجمعيات وأيضا بين الرئاسات الثلاث وطرفين مهمين وهما رجال الأعمال والنقابات ونخص بالذكر هنا المنظمة العمالية إتحاد الشغل.
إن هذا الفصل أو الشرخ هدفه الإيحاء بوجود أزمة مؤسسات وبأن المنظومة الحالية فاشلة وغير منسجمة بل هي مثلما صرح به أحد نواب المجلس التأسيسي منذ أيام شبيهة بأنظمة ‘جمهورية الموز’. أما المحور الثاني فيرتكز على ما يمكن أن نسميه في لغة ‘البرمجيات الإعلامية’ بتنزيل ثم إلصاق برنامج على آخر والمراد هنا هو الإرث الثقيل من الاستبداد والتغوّل الذي كان يمارسه حزب التجمع المنحل والممارسات التي، أدى إليها عدم الفصل بين الحزب والدولة من كوارث، إن كل ذلك الإرث وكل تلك الممارسات يتم يوما بعد آخر تنزيلها، ثم إلصاقها بحزب حركة النهضة وهذا تقريبا ما عبرت عنه صحيفتان يوميتان تونيسيتان نزّلتا نفس العنوان في نفس اليوم:’النهضة على خطى التجمع’. وأخيرا فان ثالث المحاور، هو استغلال بعض الأحداث والصعوبات العادية التي تواجه العمل الحكومي وليس آخرها مشكلة انقطاع مياه الشرب عن بعض الجهات، لا لمجرد التشكيك في قيمة أو مردودية الحكومة فحسب بل وأيضا وهذا الأخطر لتسريب مقارنات مغلوطة من قبيل ‘الأمن والأمان’ الذي كان موجودا في السابق وفقد الآن والخدمات والمرافق التي كانت متوفرة، وأصبحت اليوم منعدمة. أما الأمر الثاني الذي لابد لنا من الوقوف عليه فيتعلّق بالأسلوب الذي أدار ويدير به الفريق الحكومي هــــذه الأزمة وأزمــــات عديدة مشــــابهة. إن نسق الإصلاح البطيء وبقاء عدّة ملفات على الرّف كمسألة العدالة الانتقالية يعطي إشارات سلبية لأكثر من طرف. ولم يعد خافيا إن مثل هذه المسائل وغيرها بل حتّــــى الهفوات’وزلاّت اللسان’ العابرة باتت تستغل وقودا لحملات غير مسبوقة على آداء حكومة ‘الترويكا’. وقد يكون افتقاد سياسة اتصالية واضحة المعالم أحد التفسيرات التي تقدّم لتبرير الخلل الحاصل حاليا في مضامين وطرق إيصال الخطاب الحكومي وهو ما يجعل منه في غالب الأحيان خطابا مشوشا و’تبريريا’ لوقائع وأحداث سابقة أكثر منه استشرافيا واستباقيا لكسب العقول والقلوب معا.
كما أن هناك إشكالا كبيرا وتحدّيا مهما يواجه الخطوات الإصلاحية للحكومة إذ أن الاقتصار على عزل أو تغيير الإداريين الفاسدين ليس كافيا ما دامت هيئات الرّقابة الإدارية والمالية مشتّتة بين عدّة مصالح ولا تتمتّع بالنجاعة والقدرة المطلوبة على آداء دورها وهو الأمر الذي تفطّن له وربّما بصفة متأخّرة وزير الإصلاح الإداري المستقيل ‘محمد عبّو’. ومهما يكن من أمر فالثابت أن أزمة ‘قطع’ مياه الشرب أو انقطاعها حسب ما ستبينه الأبحاث لاحقا قد تكون فرصة جديدة لكلا الطرفين حكومة ومعارضة وطنية، للتأكّد من أن مخاطر النكوص والردّة هي الآن جدّية وخطيرة وأكثر من أي وقت مضى.’ كاتب صحافي من تونس