الأردن وسياسة أكشط وأربح

حجم الخط
0

بسام البدارينهاجم قطيع من السيارات المنفعلة جامعة العلوم والتكنولوجيا شمال الأردن فحطم خلال دقائق مركزا للبحث النووي داخل حرم الجامعة وسرقوا بعض محتوياته وبلغت الكلفة نحو نصف مليون دينار في بلد فقير يدوخ السبع دوخات عمليا بحثا عن الدعم لموازنته.

تحقيقات أمنية وصورية برزت في التعامل مع هذا الهجوم قبل أن تولد المكافاة لمقترفي هذه الجريمة بإزالة وشطب التعميم الأمني الصادر بحق من عرف منهم.

عمليا قيدت هذه الجريمة ضد مجهول رغم أن كلفتها الحقيقية بلغت 70 مليون دولار هي قيمة مساعدة علمية كورية كانت ستكمل مشروعا لمفاعل نووي صغير لأغراض البحث العلمي.

واليوم لا أحد يدري لماذا يغطي البعض في السلطة على هذه الجريمة ولا تتعامل معها التحقيقات؟ .. والأغرب لا أحد يعلم لماذا كوفىء من حطموا محتويات الجامعة وسرقوها بازالة التعميم الأمني عنهم.

لاحقا قطع مواطنون عطشى شوارع عامة في أكثر من مكان فتاهت بوصلة القرار الرسمي ما بين الفعل ورد الفعل وأمر الجيش بايصال المياه عبر صهاريجه لمن عطشوا رغم أن الواجب هنا يخص مسؤولين متكلسين في وزارة المياه تم إتفاق على تأهيلهم وتدريبهم ملايين الدنانير لكن دون فائدة. تبادل وزيرا المياه والداخلية في الحكومة التلاوم حول الجهة المسؤولة عن وقف عملية سرقة المياه حيث لا يعاقب إطلاقا من يسرق المياه جهارا نهارا حتى أن صنبور المياه الرئيسي الذي يزود الحي الذي أقطن به مع عائلتي كلف برعايته أحد المواطنين من قبل سلطة المياه وسلم الرجل المفاتيح التي تؤهله تشغيل وتجميد خدمات المياه متى شاء ولا يرسل هذا الشخص المؤتمن المياه لحي كامل إلا بعدما يرتوي ويستحم وتخرج المياه من أذنيه.

صديق خبير يؤكد لي بأن الوزير الحالي للمياه في الواقع كان موظفا صغيرا في أحد أقسام الوزارة عندما واتاه الحظ السعيد لأسباب لا يعلمها أحد فقفز فوق الجميع حتى أن مدراءه في الماضي يصطفون اليوم على باب مكتبه حتى يسمح لهم بالدخول مما يؤشر على أن إستراتيجية المياه عمليا بين الأيادي الأمينة تماما.

المياه تسرق جهارا نهارا في الأردن ولا أحد يملك الجرأة في السلطة للتصرف فيما تسرق أيضا الكهرباء حتى باتت وزارة الداخلية تشتكي من أنها مطالبة بوضع شرطي عند كل عامود كهرباء أو صنبور مياه.

رئيس بلدية سابق في منطقة الأغوار أكد لي شخصيا بأن وزير البلديات في إحدى الحكومات السابقة طالبه بعدم التصدي لسرقة الكهرباء بعدما اغتاظ الرجل حرصا على المال العام.

وفي إحدى الجامعات انتهى عراك عشائري بحرق حدائق الجامعة ومرافقها وحتى اللحظة لم تقدم الحكومة للرأي العام أي معلومة تتعلق بهوية من إرتكب هذه الجريمة أو حتى بالتحقيق معهم.

أحدهم كتب مقالا ضد ولي العهد الأمير الشاب الحسين بن عبد الله الحفيد وبعد أسابيع قليلة قدم له رئيس الوزراء فايز الطراونة هدية من طراز خاص هي عبارة عن منصب رفيع على رأس مؤسسة تحمل إسم الحسين بن طلال الجد… هل هو ذكاء لا تدركه العقول في ثقافة العطايا؟. المسألة أشبه بلعبة أكشط وأربح التي نرصدها في ملصقات ملونة صغيرة تباع مع حبات العلكة او الشوكولاته حيث تشتري العلكة فتكشط الورقة المصقولة وإذا بك تربح خرطوم مياه مثلا.. في السياسة الأردنية أيضا يمكن لأي متملق أو منافق أن يكشط النظام فيرفع الصوت ويشتم ويهدد ويتوعد فيربح في نهاية المطاف.

وقد أصبحت مكافأة من يرفع الصوت ضد النظام او يبالغ في التجريح والصخب والشتم أحيانا نمطا بالنسبة لمؤسسة الحكومة البيروقراطية المرتجفة التي تظهر يوميا أدلة على انها لا حول لها ولا قوة ازاء مواجهة نمط معين من الانفلاتات والاعتداءات الأمنية في الشارع.

وهذا في الواقع وهم فخلال أيام قليلة برهن الأمن الأردني على قدراته الحقيقية عندما حظي بقرار وغطاء سياسي فعالج بكفاءة مشكلات الغذاء والدواء وإستهدف حيتان المطاعم قبل ان يواجه نخبة من المجرمين الخطرين الذين يرهبون المجتمع.

يقال في أروقة المؤسسة السياسية بأن الدولة تتواطؤ مع هذه الانفلاتات حرصا على عدم مواجهة أهالي المنفلتين وعائلاتهم وعشائرهم في سلوك غريب وغير مألوف يكافىء الآثم والمعتدي ويظهر مؤشرات ضعف يشكك الخبراء أصلا في وجودها فعلا لأن السلطة مستيقظة تماما عندما تريد وتغمض وتتغاضى متى أرادت.

هذا النمط بدأ يفرض إيقاعه على المشهد الداخلي في البلاد وعندما نلتقي مسؤولين ونستفسر منهم يقال لنا بأن هيبة الدولة والقانون فوق كل إعتبار وبأن التصرف مع هذه الانفلاتات ممكن وببساطة لكن الوضع الاقتصادي والاقليمي حساس ويتطلب بعض المرونة أحيانا. أخشى شخصيا أن تقيم هذه المرونة الوهمية مطولا بين المواطنين الأردنيين بحيث تصبح هي نفسها الأساس وما دونها مثل هيبة القانون مجرد تفاصيل يمكن الإختلاف والإتفاق عليها.

كثيرون وطوال عام ونصف من الحراك الشارعي زرعوا في الواقع الإعلامي كميات هائلة من الضجيج والصخب واختراق الخطوط الحمراء ثم غابوا فجأة ولم يعد أحد يسمع بهم، الأمر الذي يوحي بأن امتيازات ومكافآت قد تكون منحت لهم خلف الكواليس على حساب الحق والحقيقة والقانون.

وليس سرا أن الأنظمة لا تصمد بهذه الطريقة والأوطان لا يمكنها التعايش وضمان مستقبل آمن عبر اعتماد لعبة قذف الشجرة للحصول على ثمرة وهي اللعبة التي تمثل اليوم سرا من أسرار العلاقة بين السلطة وطيف واسع من الإنتهازيين والمستوزرين والمناكفين والمعارضين الطارئين الذين يصيحون في الشارع ضد المملكة والنظام وعيونهم على أثمان يقبضونها خلف الستار اما على شكل مال او وظائف او بعثات أو أدوار فكل من استغل الربيع العربي من السياسيين ورجال الأعمال والإعلام الفصحاء في الأردن فقصف النظام أو كشطه بمعنى هاجمه بقسوة أو أنتج قواعد جديدة للعبة الخطوط الحمراء حظي بمنصب أو وزارة أو امتياز لا يعلمه الا الله.

الفارق هنا أن هذه العملية تجري في غفلة من المواطنين البسطاء ودعاة الإصلاح الجذريين والحالمون السذج بوطن أجمل ومستقبل أفضل.. هؤلاء هم الحطب الذي يتم احراقه في إطار تكريس لعبة المكافأة الدائرة بصمت بين السلطة وبعض أدعياء المعارضة والمناكفة أو بعض من يرفعون السقف ليقبضوا الثمن فورا تحت الطاولة… غنها لعبة أكشط وأربح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية