مثل انقطاع الكهرباء غير المسبوق الذي طال نصف الهند يوم الثلاثاء تذكيرا قاسيا بضعف البنى التحتية الكهربائية وبالحاجة الماسة لمصادر جديدة للتزود بالطاقة في بلد ناشيء يحلم بان يصبح قوة عظمى.
والعطل الهائل الذي وقع الثلاثاء عند الساعة الواحدة بعد ظهر الثلاثاء (بالتوقيت المحلي) تم اصلاحه صباح الاربعاء. وقد طال منطقة تمتد من الحدود مع باكستان الى مشارف مناطق الشمال الشرقي القريبة من الصين بما فيها العاصمة نيودلهي وميدنتي كالكتا ولوكنوي. وكان عطل سابق يوم الاثنين طال 300 مليون ساكن. وبحسب السلطات فان العطلين اللذين سجلا في ذروة موسم الصيف، نجما عن تجاوز عدة ولايات حصص الطاقة المسموح بها للتزود على شبكاتها ما سبب انقطاع التيار بالتتابع. وتسبب انقطاع التيار الكهربائي الذي استمر في الحالتين لساعات عدة وشمل مناطق كثيرة في حالة فوضى سادت وسائل النقل وخاصة عربات المترو والقطارات وفي احتجاز 200 عامل منجم تحت الارض لعدة ساعات، وفي معاناة الملايين من الحر الشديد مع توقف اجهزة تكييف الهواء. واعلنت الحكومة فتح تحقيق لمعرفة اسباب انقطاع التيار هذا الذي سبب احراجا شديدا لهذه الدولة الناشئة التي حققت تطورا كبيرا ومعدلات نمو مرتفعة منذ عشر سنوات. وقال وزير الطاقة الجديد فيرابا مولي الذي عين الثلاثاء في مداخلات تلفزيونية كثيرة توقف احدها بسبب انقطاع التيار ان ‘الوضع صعب للغاية ويتعين ايجاد حلول سريعة’. ومصدر الكهرباء في الهند اساسا الفحم الحجري في انتظار تنفيذ مشاريع ضخمة لمحطات نووية.
ويشهد هذا البلد حالات انقطاع كهرباء عديدة وبالذات عند فترات ذروة الاستهلاك بسبب ان العرض يقل بنسبة 12 بالمئة عن الطلب، بحسب ارقام للجنة التخطيط. ولا تتمكن مجموعة كول انديا العامة للفحم من تلبية كافة الطلب بسبب نقص المحروقات والتكنولوجيا المتقادمة في انتظار التراخيص البيئية لبناء محطات جديدة. وتريد الهند ان ترفع مساهمة الطاقة النووية في انتاج الكهرباء من 3 بالمئة حاليا الى 25 بالمئة بحلول 2050 لكن في انتظار ذلك من الضروري اجراء اصلاحات عاجلة بحسب محللين ومستثمرين. وقال شاندراجيت بانيرجي المدير العام للكنفدرالية الهندية للصناعة انه في بلد مثل الهند احد اكثر الاقتصادات الناشئة حيوية، ‘من المحتم على بنيتنا التحتية الاساسية’ ان تستجيب لطموحات القطاعات الاقتصادية. وبحسب المحللين فان على الهند ان تفرض على اللجان المحلية للكهرباء احترام الحصص المخصصة لكل ولاية وتحسين شبكة التوزيع لتفادي الازمات. وينص القانون على غرامات مالية في حال تجاوز حصص الطاقة المسموح بها، لكن هذه الغرامات اضحت اليوم اقل كلفة من شراء الطاقة من السوق الحرة. ويتعين على الدولة، بحسب المحللين، زيادة اسعار الطاقة في السوق النظامي المقنن. ويستفيد الكثيرون من تقادم شبكات توزيع الكهرباء لسرقة الطاقة عبر عمليات ربط عشوائية كثيرة جدا يتطلب التخلص منها استثمارات مكلفة. لكن هذه الاجراءات ستؤدي الى ارتفاع كبير في فاتورة استهلاك المواطن وهو خيار يحتاج ارادة سياسية في وقت تجد فيه الحكومة نفسها موضع غضب شعبي بسبب الارتفاع الكبير للتضخم. وبحسب سيما داساي المحللة ضمن فريق ‘اوروباسيا’ فان فاتورة الاستهلاك يمكن ان تزيد بنسبة 40 بالمئة في بعض الولايات. وانضمت المعارضة ورجال الأعمال إلى عامة الناس في الشوارع للاحتجاج على الساسة الحاكمين. وانتقد حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي، أكبر أحزاب المعارضة، بشدة الحكومة لـ ‘الفشل الكبير في إدارة قطاع الكهرباء’. وقال المتحدث باسم الحزب براكاش جافاديكار إن هناك ‘إخفاقا ثنائيا’ في الإدارة والسياسة. وقالت مجموعات استثمارية إنها تكبدت خسائر فادحة وطالبت الحكومة في نهاية المطاف بفعل شيء ما بشأن قطاع الطاقة. وقال رجل أعمال أجنبي ينشط في الهند منذ عدة أعوام ورفض الإفصاح عن اسمه ‘هذا الأمر كان متوقعا’. وأضاف ‘هذا نتيجة لأعوام من نقص مزمن ومنهجي للاستثمار في البنية التحتية’، مشيرا إلى أن الطلب على الطاقة الكهربائية في اقتصاد يشهد نموا تزيد سرعته على محطات الطاقة التي يتم بناؤها. وبينما هناك عدد من محطات الطاقة تحت الإنشاء، فإن إتمامها تأجل بسبب الروتين وحتى لو تم تشغيل تلك المحطات جميعها غدا، فإن الشبكة على أي من الأحوال لن تستطيع تحمل الضغط. واشتكى رجل الأعمال الأجنبي من نقص التخطيط من جانب الحكومة إلى جانب الإفراط في البيروقراطية. كما انتقد أيضا السياسات الشعبوية التي يركز فيها الساسة على تقديم إعانات إلى أنصارهم بدلا من الاستثمار في البنية التحتية. ويرى أن الانقطاع الحالي هو ببساطة نتيجة لهذا النقص في السياسة. وقال ‘التساؤل المثير هو ما إذا كان ذلك سيكون بمثابة دعوة إيقاظ للهند. فهل يتغير شيء ما؟’. من جهتها ركزت الصحف الهندية امس الاربعاء في صفحاتها الاولى على الجهود الكبيرة المطلوبة لحل المشكلة وانتقدت بشكل لاذع السلطات معتبرة ان يومي انقطاع الكهرباء جعلا البلد اضحوكة في العالم. وفي بلد لا مجال فيه للمزاح عندما يتعلق الامر بالاعتزاز الوطني فقد اظهرت الصفحات الاولى للصحف حجم الشعور بالاهانة. ومضت صحيفة (ذي اكونوميك تايمز) في عنوانها الى حد دفن حلم الهند بان تصبح قوة عظمى وعنونت ‘رحم الله الهند القوة العظمى’. وبحسب الصحيفة فان صورة الهند كمركز هام للتكنولوجيات الحديثة تلقى ‘صفعة’. وعنونت (ذي تايمز اوف انديا) بشكل مقتضب ‘بلا تيار وبلا افكار’ قبل ان تعرض خمس نقاط للتفكير بينها توظيف مشرفين اكفاء بدلا من الموظفين المتقاعدين الحاليين. وسخرت الصحيفة من القيام بنقل وزير الطاقة الى الداخلية بموجب تعديل وزاري جزئي اعلن في اوج ازمة انقطاع الكهرباء، وكتبت ‘هذا يشبه تغيير قبطان سفينة تايتانيك بعد صدمها جبل الجليد’.