ناصر صالحكم من الدموع عليَّ أن أكفكفها لأكتب إليك؟! أي أغنية أهدهد بها روحي كي تكف عن النحيب؟! وكيف أتحايل على شلال الدموع الهادر في روحي؟! عليَّ أن أتحايل على الكتابة لأتجنب موجة عاتية من الدموع تغرق الكلمات، وتوقف البوح، وتصبح هي الكلمة الوحيدة الطاغية على كل معنى!صباح الخير يا محمودصباح الحبصباح الوطنصباح الحريةصباح كل الورود التي أينعت وتفتحت في روحك. صباح الحب الذي يجري عذباً صافياً بين حناياك. صباح الجمال الذي روضته بتأملك وأسكنته قلبك. صباح الأسئلة التي غربتك بعيداً عن من حولك، وأرجعتك إلى فطرتك الأولى.صباح الينبوع الجبلي الصافي الذي يتدفق من صوتك رقراقاً عذباً.. لاسجن يستطيع أن يحد معناك، ولاجدار يقف أمام اتساعك.. لك في كل صباح حبيبة، ورسائل غرام، وأشواق، وذكريات، وحكايات لا تنتهي.. لك في كل صباح أسئلة ومعان جديدة تتفتح كورود في روحك.. لاسجن بإمكانه أن يقيدك، لأنك تعلم أن السجن فصل بسيط مزعج، ولكنه عابر، ضمن حلم كبير وجميل اسمه الوطن!أي وطن هو وطنك يا محمود الجامودي؟! يا ابن الجبل الأخضر. يا ابن الأرض. يا ابن التراب الخصب. يا ابن التاريخ الضارب بجذوره في نواة الجبل الأخضر! وطنك يا محمود قصيدة شعرية لا تنتهي أبداً، وأنت في كل يوم تبدع فيها أبياتاً جديدة.رغم أني لم ألتق بك قبل السجن أبداً، إلا أن 17 يوماً في السجن كانت كافية لأعرف روحك. كنت واضحاً مثل النهار، وبسيطاً وشفافاً مثل جدول، وكان ضميرك ينساب بهدوء وجمال وانسجام أثناء حديثك. لا يحتاج المرء لكثير عناء حتى يعرفك. قد يتلاقى الكثيرون لسنوات طويلة لكنهم لا يتعارفون حقاً، وقد يلتقي أناس مثلنا في السجن أياماً معدودات فيشعرون وكأنهم تعارفوا منذ أزمنة بعيد موغلة في القِدَمْ! لم أزر الجبل الأخضر أبداً، ولكنني جئت مراراً في طفولتي إلى مدينتي إزكي ونزوى، والتقيت بالكثيرين في حياتي من هناك، ولكن المدينتين ظلتا غامضتين، متواريتين في تقيةٍ لا يُسبر غورها! أعترف الآن أنني رأيت، عبر روحك، نزوى، وإزكي، والجبل الأخضر واضحة بإتساع صفوف من مزارع النخيل، وبصفاء فلج دارس، وبعذوبة ورقة الينابيع الجبلية العالية.. رأيتهما في روحك واضحتين، وصافيتين.. وبالحوار معك، والحديث إليك أصبحت هذه الأمكنة أليفة، حميمة، وقريبة من القلب!كل حوار معك يقودنا حتماً إلى الأرض، والطبيعة! ودائماً ما تضرب الأمثلة بالجدول، والحقل، والمطر، والتربة، والغيم، والطيور، والأعشاب، والصخور، والوعول، والغيول، والطمي، والنبت، والنخل، والجبال، والمنحدرات، والأودية، والشعاب، والقمم العالية.. وفي كل مرة أتأمل في أمثلتك وشواهدك وحكمتك، وفي تواصلك العميق مع قلب الأرض، وروح الأمكنة، يا أيها الفلاح الحكيم!في لقاءنا الأخير في قفص الاتهام بالمحكمة لم أكن أسألك عن أحوالك بل كنت أريد الإطمئنان على روحك، ولأنك العميق العميق لم تكتف بظاهر السؤال، بل كنت تريد أن تطمئن روحي بكلمتين من أعمق أعماق روحك، قلت لي: إنه الوطن يا ناصر، إنه الوطن!تقدَّس الوطن الذي أينع في قلبك، تبارك الوطن الذي أزهر في روحك! كان مقدراً لك أن تخوض رحلة السجن الشاقة بآلامها وعذاباتها كي تُجَلي وجه الوطن في باطنك، وكي تصل إلى جذوره الضاربة في أعماق روحك، وحتى يصبح الوطن جزءا من تنفسك، وتنهدك، وشكواك، وآمالك!هذه يا عزيزي مأساة من يعرف، إذ عليه أن يدفع دائماً ضريبة المعرفة، وعليه أن يمشي أحياناً في الدروب وحيداً، وعليه أن يتدرب على الاهتداء في العتمة الشديدة بضوء نجمة شحيح في أعالي الروح! مأساة من يعرف أنه يرث أكثر من غيره! يحمل التاريخ معه كصليبٍ على ظهره، ولا يُسلِّمُ أبداً بالتواريخ المجتزأة والمبتسرة في الكتب المدرسية!الجبل الأخضر يقف شامخاً في روحك كمعقلٍ للإباء، فعلى سفوحه العالية تساقطت قنابل الإنجليز، وحوله وحواليه حَوَّمَتْ طائراتهم بدوِّيها المزعج في خمسينيات القرن الماضي. ولكن الجبل الأخضر ظل شامخاً، وأبياً، يتلقى القنابل والصواريخ على كتفيه بابتسامة هازئة وساخرة.. قد تستطيع أن تصل إلى قمة الجبل الأخضر بآلاف الحيل، لكن هذا لا يعني أنك أدركت روحه، وعرفت معناه!أعترف يا محمود أني لم أزر الجبل الأخضر، ولكنني أثناء أحاديثنا وحواراتنا العميقة في السجن وصلت إلى قمم الجبل الأخضر عشرات المرات، واستمتعت بوروده، وخوخه، ورمانه، وتظللت بأشجاره، وارتويت من ينابيعه، حتى أصبح قريباً من الروح، بل الوطن يا محمود بكامله أتضح معناه أكثر بالحديث معك. كم هو الوطن يا محمود واضحاً وعميقاً في قلبك وروحك!أي أسئلة يا محمود تستفتح بها هذا الصباح؟ كم اشتقت للأسئلة الكثيرة التي كانت ‘تسدح’ نفسها أمامنا في زنزانة السجن! كنا نستيقظ على أسئلة وننام على أسئلة! وكم كنا نتعجب من التناقض بين حدود الزنزانة الضيقة، وأسوارها العالية، وبين فضاءات الحرية الواسعة التي لا تحدها حدود! كل صباح كنا نفتتحه بأسئلة لا تنتهي: ما الوطن؟ ما الحرية؟ ما العدل؟ ما الحب؟ ما الجمال؟ ما الإيمان؟…إلخ. كنا نتمشى في ساحة السجن في تأملٍ، وتفكُّرٍ عميق بحثاً عن أجوبة لأسئلتنا.. كم كنا نبدو حالمين مشغولين بالبحث عن حلول لقضايا الكون الواسعة! وفي كل مرة كنا نختلف نعاود الإتفاق، لأننا خرجنا من الأطر الضيقة، غادرنا ثقافة الأجوبة، وارتضينا بالسؤال طريقاً وغاية! كان كل منا قد هدّم منذ زمن بعيد أوثان التدين الكاذب، والعقد المذهبية، والتقاليد البالية، وشرقنا وغربنا، وشمالنا وجونبنا مع سؤال الإنسانية! لذا أصبح العالم كله وطناً، والإنسان أينما كان أخ لنا في المحبة الإنسانية. كم هو الحوار معك رحلة ممتعة لا ضفاف لها من الإكتشافات الجديدة، والفهم المبدع للأشياء! كنت يا محمود أكثرنا تفاؤلاً بنوايا السجان، وكنت دائماً تعتقد أنه سيطلق سراحنا قريباً، وكم كنت أحذرك يا محمود بأن الأمل عدو السجين! ولكنك لا تكف عن حسن الظن، وتقول: ‘دعونا نحسبها بالمنطق، نحن لم نفعل شيئاً سوى حب الوطن، وليس لدينا ما نخفيه أو نخاف عليه، لأن قلوبنا، ونوايانا، وأفعالنا كلها بيضاء، ولاشك أنهم مخطئون بسجننا، وسيكتشفون خطأهم قريباً، لذا سيطلقون سراحنا غداً أو بعد غدٍ بالكثير!’ خرجنا ذلك الصباح من الزنزانة إلى المحكمة، وأنت أكثرنا تفاؤلاً بالحرية، ولكن النوايا السيئة كانت تتربص بك!كيف لي أن أنسى يا محمود مرآك ممدداً، فاقداً للوعي، بين أيدي سجانيك؟! أخذوك من قاعة المحكمة إلى سجونهم السرية، وأحضروك من جديد بعد يومين إلى المحكمة فاقداً للوعي! كنت ممدداً على الأرض، وكانوا يتحلقون حولك، يريدون أن يخفوك، أن يجعلوك تستيقظ، أن يواروا ما ألحقوه بك من أذى وعذاب. أدخلوك معنا في قفص الاتهام بقاعة المحكمة على كرسي متحرك، وحين لم تفق من غيبوبتك أخرجوك بسرعة من قفص الاتهام، وأخذوك من جديد إلى سجونهم السرية! آه يا محمود الجاموديليست روحي وحدها تبكي لمرآك ممدداً على الأرضفاقداً للوعي بين أيدي السجانين في قاعة المحكمةبل كان وطنٌ بأكمله يتمدد على الأرض إلى جانبك وكان يبكي بنشيج حاروهو يمسح بيديه الحانيتين على رأسك ووجهكويهدهد أحلامك الهائمة دوماً في سهول الجبل الأخضر!لكن روحك الجميلة سرعان ما تستيقظ بصباحاتها المسرفة في الحب، والأمل، والتفاؤل، ومعها يستيقظ الوطن جميلاً، بهياً، مشرقاً، وفياضاً بالحب والجمال الذي لا تحده حدود أبداً.صباح الحب صباح الجمالصباح الحريةصباح الوطن الرائع يا محمود الجامودي!*كاتب من عُمان