عناية جابر إمّحت الحدود المتخيلة لعالمي. غادرت شارع الحمراء في بيروت، ورمحي يسافر الآن في العالم الواسع، ماوراء الأنهار والمحيطات، ماوراء مدينة بوسطن نفسها، وفي الحقيقة ما وراء امريكا برّمتها. أجوب الشوارع بلهفة، بحثاً عن مثيلاتها التي تعوّدتها والتي تسكنني.
آثار أقدامي مطموسة، مُلغاة بالإسفلت الجديد والأخير يغدو من يوم الى يوم، رحماً لجسدي الخفيف المنهمك في نسيج الحياة هنا، ولا يترك لي آخر الأمر غير فجوة صغيرة.
ما ينهض من مشاعر عندي يُشبه القديم. الرجل نفسهُ سوى أنه يوغل فيّ أكثر. الحب خصب للتربة كما للروح. في امريكا على كل حال، دمارك الذاتي يمّحي تماما حيث ما من مذلة شخصية لكن أيضاً نماء للوحدة سرطاني ويتراكم طبقات كل واحدة أكثر لؤماً من سابقتها.
نهارات غير حارّة.. غير باردة، صافية، متلألئة، مُحيّرة لا أعرف كيف أباشرها ولا كيف أنهيها. في الحقيقة أعامل النهارات والليالي هنا على أنها غريبة، سوى حين أكون قرب الماء، في الماء، حيث تحدث التحولات فيجسدي وأطمئن، كما لو في حلم طيّب. الفضاء في الماء منفرش مثل سجادة ويبتلعني ومعي أفكاري الرطبة التي لم أنجح أبداً في عزلها عن البلل.
نزلنا بالأمس بالسيارة الى نيويورك واستغرق الأمر ما يقرب من ساعات ثلاث.. إنه أمتع حلم عرفتهُ الى قلب الأشياء الخضراء. شعرت أنني إمرأة بلا عمر محدّد، تقف على غيمة تراقب تحولاتها الخاصة في الداخل والخارج.
ثمة أوقات يتوجب على المرء أن يكون فيها وحيداً، أن يفصم علاقتهُ مع من يُحبّ، مع أصدقائه، ليفهم معنى الحب والصداقة.
قد يبدو هذا القول غريباً، إذ ماذا في ســـــفر في الســــــيارة من بوسطن الى نيويورك ليستدعي هذا القـــــول؟ الســـفر ملاكك الحارس يُعلمّـــــك أنه لاحاجة للآخرين، ويمنحــك الشجاعة على الوقوف وحيداً، وعلى إستحسان وتمجيد الوحدة.
لم أفهم نيويورك ابداً ولم أفهم إصابتها في الصدغ مباشرة. أحياناً في ا هارلم ا وعلى ضفاف الهدسون، ظننت أني على وشك فهمها، لكن هذا الأمر لم يحدث حقاً. مع ذلك من المهّم أحياناً بالنسبة لي أن يفوتني فهم بعض الأمور، وأن يكون سجلي نظيفاً لإستقبال الأشياء، المارّة، ناطحات السحاب، أقراط الأنف والأذن، الخطوات العجلى، بقلب أقوى من مسألة االفهمب الصغير الذي يحفرهُ البعض لأنفسهم ويغوصون فيه. أحياناً أشتاق بيروت، أفقد أعصابي تماماً.
، اضيع، أكتئب، وسط أكثر أنواع الألم تسلطاً. بيروت.. بيروت أنا متأكدة أن اللغز كله يكمن في إدراك معنى هذه المدينة.
الآن في السيارة في الطريق الى نيويورك أنا بحاجة إليك أيها الأحمق!! بحاجة إليك للحظة واحدة، لحظة صغيرة واحدة فقط لكي لا أنهار كإنهيار البرجين. بحاجة إليك لأني مستعدة تماماً لأفعل ما أودّ فعلهُ وما أراه ليس حقيقياً من جماله.. والرب وحده يعلم كم أحتاجك. ساعات من المشي في نيويورك كما لو في شقوق حلم، ونرى الى الحياة ثانية تحاول الى النشوء في قلبك، لكن منطق هذه المدينة المجنونة لايفيد كدعامة، وهي بالأحرى خالية من اللحم والدم.
لكي أرفع مشهد المدينة كان يلزمني الكثير من الإيمان والحكمة والصبر. أخيراً، إستعملت جسدي الذي هو شعاع دائماً من النور، وتركته يتحرّك بين الأبنية الضخمة ويُرسل ظله الصغير عليها.. نيويورك تختنق أعمق فأعمق وسأكون الحديقة البرية وسط كابوس الكمال لناطحات السحاب.
لن أبذل أي مجهود لأصون براءتي، سوف أشهد الإغواء والغرابة وكل هذا الألق، وسوف تكون لقلبي شهقته، ولعيني لعبتها ومرتعها.. وسوف أبلغ الكتابة عالياً، أبلغها وأقول.. أنيّ شهدت.