مورسكيو القرن الواحد والعشرون

حجم الخط
0

مآسي أمتنا متكررة متكاثرة، ومعاناتنا كبيرة بكبر الجراح الموغلة الغائرة، فاليوم جرح وغدا ملح، وبعد غد جرح بمذاق الملح. والمصطلحات من قبيل النكبة والنكسة والطامة وقاصمة الدهر ما تزال تتوالد من رحم لغتنا المقبلة على الفناء مما علق بلسان ابن منظور، ومما أبدعه لسان حالنا من مفاهيم تصف أحوالنا وواقع أمة تتعذب دونما ذنب ولا جريرة إلا أنها صاحبة اعتقاد مخالف، وتصور آخر للوجود ولنمط العبادة ولصفات المعبود ولأسمائه. تصور يرسم هوية الآخر المغاير الذي يجب دحره ورميه لمقبرة التاريخ ولجحيم العالم الآخر، ولأجل سيادة نمط واحد في التفكير والحياة وإيمان متفرد ومتميز عن الآخر الذي يردنا أن نكون على شاكلته أولا نكون مطلقا.

من هذا المنطلق ولذات النتيجة تتجدد المأساة اليوم، وينفتح الجرح بشكل تراجيدي مروع على طوله وعرضه في أقصى مناطق العالم الإسلامي الذي لا نكاد نعرف عنه شيئا. حملة إبادة جديدة وحملة تفتيش ومحاكم قرسطوية تعود من جديد إلى حاضرة القرن الحادي والعشرين، ليس في أقصى غربنا الإسلامي (الأندلس)، ولكن في أقصى مشرقه في بورما حيث تتعرض نسبة مهمة من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لأشكال وأنواع من التعذيب والقتل والتصفية المعنوية والجسدية على يد غالبية بوذية في توزيع رائع ومروع للمهام، وتبادل ذكي للأدوار بينهم وبين الحكومة الديمقراطية والجيش المينماري الشجاع كذا.

لقد أصبح دم المسلمين الأرخص على الإطلاق، بل ربما أرخص من بيترولهم لا لعلة وسبب، إلا لصمتهم المطبق عنه وتعاميهم أو لربما لعدم معرفتهم الكلية بقيمته ودوره التاريخي في التاريخ والجغرافيا العالمية، فالبارحة البوسنة وقبلها وما تزال فلسطين، واليوم وغدا كشمير والأقلية المسلمة في تركستان الشرقية وفي الصين والقائمة أطول مما نعرف عن أبناء جلدتنا العقدية.

تراجيديا مسلمي بورما ليست وليدة اليوم بل إنها التوأمة التاريخية لمحنة مسلمي الأندلس (الموركسيين) فقط كانت بداية مأساتهم مع سقوط آخر ملوكهم سليم شاه في عام 1784 واحتلال البوذيين لمدينة أركان ومن ثم بداية حلقات مسلسل التشريد والترهيب والتهجير إلى اليوم. وبالتالي استحقاق هذا المسلسل بجدارة اعتباره أقدم قلاع القتل واللاإنسانية البوذية بامتداده من قرون إلى حدود الساعة في قرننا هذا، حيث تتفنن الأغلبية البوذية في حرمان الأقلية المسلمة من أبجديات المعيش اليومي المتمثل في الغداء والسفر والعمل وأداء الشعائر الدينية زيادة على الإبادة الجماعية التي تتعرض لها ساكنة هذا الإقليم التي تبلغ حد التلذذ بالتقتيل والتباهي بسلخ ونحر الأرواح المسلمة من طرف شرذمة مصاصي الدماء، الشيء الذي يظهر من خلال الصور المهربة من هناك والتي تبين أن أرواح المسلمين أصبحت تمثل في هذه المنطقة قربانا لآلهة البعض لينالوا بها عند بوذا الكبير زلفى ومكانا عليا.

حكمة هذه الأيام إذا أن دم خير أمة أخرجت لنا أمسى لا يختلف في شيء عن باقي السوائل إلا بحمرته القانية. لهذا فلا باكي ولا بواكي له ولأصحابه. ما دام الحق لأي أرعن ووحش على هذه الأرض في أن يسفكه كما يشاء وبحسب المقصد الذي يشاء على وقع آخر مبتكرات الأسلحة وآخر العقد النفسية من المازوخية الأخلاقية إلى السادية البشعة فمن الأورانيوم المخفف بالعراق الذي قتل وشوه ويشوه وسيشوه ملايين الصغار العراقيين إلى صبيب النار والقنابل العنقودية على غزة المسكينة والصواريخ الذكية على قرى تورابورا الجبلية وبالطبع زد على هذا آخر صيحات التعذيب في سجون ومعتقلات سجون نفحة وريمون ومجدو وعوفر الإسرائيلية وأبو غريب والمنطقة الخضراء ببغداد أيام تدخل قوات التسرع الدخيل الأمريكي.

هي حرب مسعورة على أناس منسيين وشعب معزول عن العالمين لا يمتلكون إلا أكفهم المرفوعة إلى السماء في انتظار قائد لن يكون أبدا من عالم المسلمين فما يملكه المسلمون الآن هو إنشاء مجموعات افتراضية على عوالم افتراضية على توتير والفيس بوك لمساندة القضية البورمية ووضع تعاليق الوعيد والترهيب لإفزاع القتلة وتوجيه أبدء الشتائم لعصابات الماغ البوذية أو إقامة وقفات احتجاجية بعدد أسنان ابن الثلاثة أشهر فيما سلاح الحكومات المسلمة يصدأ لوحده مع الزمن في أقبية ودهاليز لا أحد غير رب العالمين يعلم عمقها وعرضها وفيما القادة وزوجاتهم وبناؤهم منشغلون بصفقات شراء الأندية العريقة واليخوت الغريقة.

إنها الانتقائية المقيتة لشعوب وحكومات منافقة، فأن يصاب إطار حافلة إسرائيلية برصاصة طائشة يستحق اجتماعا طارئا من مجلس الأمن بقده وقديده وأن يذبح الآلاف والأطفال لا يعرفون آباءهم فهذا لا يستحق حتى بيانا تنديديا من حكومات شعوب يحملون نفس الهوية الحضارية والاعتقادية لهم بشكل يظهر لا أخلاقية العالم المتحضر تجاه قضايا دون قضايا دون أخرى ونفاقنا وتعامينا عن قضايا دون أخرى دون باقي القضايا بشكل يضعنا أمام أسئلة كبيرة حول حياة وشلل أجهزة من قبيل دور الأزهر الشريف ومنظمة المؤتمر الإسلامي والهيئة الخيرية العالمية ورابطة العالم الإسلامي أما السؤال عن دور الأنظمة فأكيد أنه لا يحتاج لجواب لأن لا دور يذكر لها. محمد صلاح بوشتلة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية