مرسي رجل الدولة أم الجماعة؟

حجم الخط
0

تقادم الخطيب التطهير واستقلال القرار الوطني هما الاستحقاقان الأساسيان الآن للثورة المصرية، أحدهما داخلي متعلق بمؤسسات الدولة وتطهيرها من الفساد المتجذر، في أركانها وتفكيك ولاءاتها وإعادة بنائها مرة أخرى لتصبح مؤسسات تابعة للدولة وليس للفرد، تقوم على المجتمع وتحقيق مطالبه، والآخر خارجي يتعلق بالدور المصري وحضوره بعد تراجع وغياب إقليمي في الثلاثين عاماً الأخيرة، ولعب دورا فعالا في إعادة رسم المنطقة وتحديد مساراتها خاصة في ظل الظروف الحالية التي تمر بها، يتزامن هذان الاستحقاقان مع صعود رئيس له خلفية تنظيمية إلى سدة الحكم، فهل سيتعامل من منطلق رجل الدول أم سيظل أسير التنظيم وأفكاره؟

تتصارع داخل جماعة الإخوان المسلمين تيارات وأفكار مختلفة، فهناك تداخل بين التيار القطبي ‘نسبة الى سيد قطب’ الذي لازال اسير مقولات العزلة الشعورية وبناء جيل قرآني فريد في تكوينه وتربيته بإزاء المجتمع الذي ينظر إليه باعتباره جاهلياً أو فيه من الجهالة، وبين الأفكار التنظيمية التي تولي أهمية بالغة للتماسك التنظيمي والإمساك بمفاصل التنظيم، وبين توجهات سلفية صاعدة تسير نحو مزيد من المحافظة، والناظر إلى سياسة الرئيس مرسي يرى أنها متأرجحة بين هذه الأفكار والتيارات.

فعلى الصعيد الداخلي فإن القرار الذي تم اتخاذه بعودة البرلمان وإن كان ظاهرة سياسياً إلا أن باطنه يعكس أمراً واحداً وهو أن مصلحة التنظيم هي الأولى والأهم، فبدلاً من الاشتباك في قضايا مجتمعية ذات بعد اقتصادي وتعليمي وصحي، إلخ، تكون نواة لبناء قاعدة مجتمعية عريضة حول شخص الرئيس المنتخب تؤيده في صراعه ضد العسكر والدولة العميقة تم الدخول في معركة خاسرة أبرزت ضعف الرئيس وزادت من الفجوة بينه وبين الناس.

كما أن قراره بالتصديق على تشكيل اللجنة التأسيسية كان بمثابة العزف المنفرد بعيدا عن القوى الوطنية والاتفاقات التي ابرمت معه قبل إعلان النتيجة فيما عرف ‘بالجبهة الوطنية’، وهنا تتجلى محاولات إصباغ الدستور بالصبغة الأيدلوجية لصالح تيار بعينه وإغفال قيمة الدستور من كونه عقد اجتماعي تتشارك فيه جميع مكونات المجتمع وطوائفه والانصياع التام لأفكار التيار القطبي الذي يسعى لبناء جيل قرآني جديد يختلف عن المجتمع الذي يتسم بالجهالة.

وتأتي عملية إنشاء ديوان للمظالم للتأكيد على ان التنظيم لازال منكفئا على ذاته ولا يرى إلا افكاره الخاصة والتعامل بمنطق الوالي والرعية والعيش على أحلام الدولة والخلافة والتحول من رجل الدولة إلى رجل الأمة بمفهومها الواسع، وليس التعامل بمفهوم الدولة الحديثة وأنها دولة مؤسسات تسعى إلى الحرية والديمقراطية وإعلاء قيمة الفرد والاتكاء على حق الاختلاف والعيش المشترك، وقد تجلى هذا الأمر بصورة أكبر حين تم إطلاق حملة النظافة فبدلا من الاعتماد على مؤسسات الدولة وإعادة تقويمها وايجاد حلول بديلة لمشاكل عمال النظافة تم الاعتماد على أعضاء التنظيم لتمرير تلك الحملة وهذا يبرز العجز عن التعاطي مع مفهوم المؤسسية.

أما على المستوى الخارجي فقد كشفت زيارته الخارجية الأولى الى المملكة العربية السعودية الى صراع عقائدي وسياسي في نفس الوقت، فعلى الصعيد السياسي بدا واضحا من الزيارة أنها تأكيد على ان السياسة المصرية الخارجية لن تتغير وعلى التبعية والدوران في فلك السياسة الأمريكية وتقسيم الدول إلى دولة معتدلة ودول متطرفة، وعدم إعطاء أولوية للأمن القومي المصري خاصة فيما يتعلق بقضية حوض النيل ووقف التغلغل الصهيوني في تلك المنطقة.

أما الجانب العقائدي فقد وضح من خلال التصريح الذي أدلى به الرئيس مرسي: من كون مصر والسعودية هما الراعيتان للسنية في العالم العربي وهذا يكشف لنا كيفية تعامل الإخوان عند مواجهة قضايا خلافية متجددة ذات علاقة بالآخر الإسلامي ‘الشيعة’ فقد اشتبكت من قبل قيادات إخوانية في مكتب الإرشاد في النقاش الذي طال وجهة نظر عقدية حين فجر يوسف ندا القيادي بالجماعة مسألة الخلاف بين الإخوان والشيعة على خلفية مسألة العلاقة مع إيران ومشروعها، وقد توافق في ذلك رؤية سلفية يمثلها محمود غزلان’ وأخرى قطبية يمثلها ‘جمعة أمين’ والأخير هذا هو من كتب رسالة داخلية بعنوان ‘عليك بالفقه واحذر من الشرك’ حول الإخوان والشيعة.

بدا جلياً مما سبق أن الرئيس في كل قراراته يتعامل بمنطلق رجل الجماعة، وأسير التنظيم وأفكاره وصراعاته الداخلية وليس لديه القدرة أن يتجاوز تلك الأفكار وأن يتعامل بمبدأ رجل الدولة وأنه رئيس لكل المصريين على اختلاف أشكالهم ومشاربهم الفكرية والعقدية.’ أكاديمي مصري وناشط سياسي عضو الجمعية الوطنية للتغيير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية