د. نادية سعد الدين يتسابق مرشحا الرئاسة الأمريكية، في لحظة الربع الأخير من موعد الاستحقاق الانتخابي المرتقب في الخريف المقبل، لكسب الصوت الإسرائيلي، عبر ولوج معركة ‘المزاد الانتخابي’ لتثبيت دعائم الولاء الصهيوني المضادّ للحقوق الفلسطينية، وتأكيد متلازمة الأمن الثنائي في مواجهة المتغيرات المعتملة في المنطقة.
ولم يحدْ المرشحان، في ذلك، عن الخط التقليدي الأمريكي المنحاز للاحتلال، إلا أن اقتراب موعد الحسم الانتخابي المنتظر في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم أكسب موقفيهما صبغة ‘ليكودية’ متطرفة تلبست بلغة الانتصار ‘للحليف الاستراتيجي’، عبر تقديم الرئيس باراك أوباما صكّ براءته بالوفاء بكافة التزاماته تجاه الاحتلال طيلة السنوات الثلاث الماضية، مقابل وعدّ المرشح الجمهوري ميت رومني بغدٍ إسرائيلي أكثر أمناً واستقراراً، احتكاماً إلى قاعدة ‘ترشيحية’ مشتركة من الدعم المفتوح ‘غير القابل للنقاش’ والالتزام القطعي ‘بحق الكيان المحتل في الدفاع عن نفسه’، التماساً لأصوات تقف خلف صناديق التمويل الصهيوني للحملة الانتخابية النصفية ولنتائج الاقتراع النهائي، فيما غابت القضية الفلسطينية عن مفاعيل الحراك الانتخابي.
فما أن وطأت أقدام المرشح رومني أرض الكيان المحتل، حتى سارع لبثّ مشاعره الروحانية تجاه ‘الشعب اليهودي العظيم’ الذي أنجز ‘شيئاً عظيماً’، محاكاة لضروب الأيديولوجية الصهيونية الأسطورية في توظيف عبارات نصيّة توراتية تلمودية مقتطعة لصياغة مزاعم ‘الوعد الإلهي’ و’أحقية الشعب المختار’ في ‘أرض الميعاد’. ولم يتوقف رومني عند ذلك الحدّ؛ ‘فحفنة الدولارات’ التي جمعها في زيارته الأخيرة والمدمغة بالتزام اللوبي الصهيوني بالنصر المؤزر جعلته يتجاوز حقائق التاريخ والجغرافيا معاً عند إشارته للقدس ‘عاصمة إسرائيل’، ويتجاهل قراراً أمريكياً دولياً نافذاً، بإعلان نيته، ‘لو يفوز’، نقل سفارة بلاده إليها، مبدياً إمارات الإعجاب بالاقتصاد الإسرائيلي المزدهر خلافاً للاقتصاد الفلسطيني الضعيف بسبب ما قدّره ‘تفوق إسرائيل الثقافي’، متناسياً حقيقة رزوح الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وسيطرة الأخير على مقدراته الطبيعية والمادية وحصاره المحكم ضد قطاع غزة. ولم يشأ رومني، بتحفيز إسرائيلي، أن يمرّر ‘زيارته التاريخية’ دون التشدق بديباجة ‘حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها’، إزاء ‘التهديدات’ الإيرانية’، وأحقية ‘تطبيق التدابير الرادعة الممكنة بحق إيران’، فاتحاً المجال أمام كل الخيارات دونما استثناء.
أراد رومني من زيارته، التي لم تشمل السلطة الفلسطينية في رام الله، خلا لقاء قصير أجراه مع رئيس وزرائها سلام فياض في القدس المحتلة، ترجيح كفته لدى الجانب الإسرائيلي أمام منافسه أوباما الذي لم يكن أقل ليكودية من نظيره المرشح الأمريكي، إذ سارع الآخر لسرق الأضواء من رومني، عبر التوقيع على قانون توسيع نطاق التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في مجالي الأمن والدفاع، بما يشمل الأمن الداخلي والتبادل الاستخباري وحماية أجهزة الحاسوب وترقية التعاون بين الاحتلال وحلف شمال الأطلسي ‘الناتو’، مصحوباً بتحويل 70 مليون دولار إضافية لمواصلة تطوير وتوسيع منظومة ‘القبة الحديدية’ لاعتراض ما سماه ‘الصواريخ المعادية’. وإذا كان القانون يحمل اعتبارات خاصة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، ولكنه يزجّ الحقوق الفلسطينية العربية بشكل مضرّ في المزايدات الانتخابية للمرشحيَّن، ويتضمن تشجيعاً صريحاً لحكومة نتنياهو على العدوان والحصار والاستيطان واستلاب الأرض والتاريخ معاً، مثلما يكشف بجلاء عن الدعم الأمريكي المفتوح للاحتلال، الذي لم يكن وليد الساعة، وإنما يعود لما قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي بمجموع مساعدات مالية مباشرة وغير مباشرة قدرت بنحو 140 مليار دولار، فضلاً عن المساعدات العسكرية التي أسهمت في اختلال موازين القوى بين العرب والاحتلال لصالح الأخير وتسليح جيشه ودعم أمنه وتعزيز أنشطته الاستيطانية والتصدي للمقاومة الفلسطينية. عزّز أوباما دعمه المطلق للكيان الإسرائيلي بسلسلة تصريحات ومواقف رافقت حملته الانتخابية وجاءت على حساب القضية الفلسطينية العربية، مؤكداً، في أكثر من موقع، متلازمة الأمن الأمريكي الإسرائيلي، في مواجهة التغييرات المعتملة في المنطقة، وعند حديثه عن إيران، معلياً حق الكيان الإسرائيلي في الدفاع عن نفسه ‘كدولة مستقلة ذات سيادة’، لما يشكله ‘ليس فقط تهديداً للأمن القومي الإسرائيلي وإنما يهدد وبنفس الدرجة الأمن القومي الأمريكي ومصالح الولايات المتحدة ذاتها’، وإعلان تفهمه لأحقية الكيان المحتل ‘بحماية مواطنيه’، إذ ‘لا يمكن التسليم بوجود أسلحة نووية في يد دولة تنكر المحرقة النازية وتهدد في كل مناسبة بمحو إسرائيل عن الخارطة’، وأن السياسة الأمريكية ‘لا تقوم على احتواء إيران بل منعها من امتلاك سلاح نووي’، بما ينمّ عن ثبات موقف أوباما من إيران، ولكنه لا يرغب في تصعيد الأمر معها باتجاه الحرب أو ضربة جوية أو عسكرية، بسبب خوضه حملة انتخابية هذا العام، ولأن أي فعل من هذا القبيل سيؤثر على الاقتصاد الأمريكي المثقل، مبرزاً مسعى الضغوطات الاقتصادية على إيران كي تتخلى عن برنامجها النووي، من دون استبعاد الحرب.
فيما أخذ أوباما بناصية ‘تثبيت’ الدعم المفتوح للاحتلال عند التنصل من مضامين خطابات رئاسية ثلاثة ‘لدعم تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة الدولة المستقلة ونيل عضويتهم الكاملة في الأمم المتحدة’، حينما أورد موقفه المؤيد ‘لحل الدولتين’ في خطاب القاهرة (2009) والجمعية العامة للأمم المتحدة (2010)، ودعا الجانب الإسرائيلي للاعتراف بحدود 1967 كقاعدة للمفاوضات في خطابه الثالث الموجه للعالم العربي والإسلامي (مايو 2011)، وذلك عند استلاله موقفاً حاداً من قرار التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة بمطلب نيل عضوية الدولة الفلسطينية على حدود 1967، بوصفه ‘انحرافاً عن مسار السلام’، مهدداً بقطع المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية، المقدرة بنحو 475 مليون دولار سنوياً، وباستخدام ‘الفيتو’ في مجلس الأمن إذا واصلت مبادرتها في الأمم المتحدة، باعتباره يقوّض مساعي استئناف المفاوضات و’حل الدولتين’، ويعزل الولايات المتحدة ويسحب ملف عملية السلام من احتكارها، ولأن المبادرة الفلسطينية تضع واشنطن في موقف حرج أمام الشارع العربي المناصر لأي إنجاز يتحقق للقضية الفلسطينية، بخاصة بعد مواقفها المتناقضة من الأنظمة التي وقعت ثورات التغيير في بلادها، فضلاً عن أنها تخاطر بوضع الدعم الأمريكي للاحتلال في تناقض مع الدعم الأمريكي لتطلعات الشعوب في أماكن أخرى في المنطقة. وذهبت واشنطن في حراكها المضادّ حدّ دعم الحملة الإسرائيلية التحريضية ضد المسعى الفلسطيني الأممي، بعدما أصيب الكيان المحتل بحالة ‘تشنج’ غير مسبوقة منذ إعلان القيادة الفلسطينية قرار التوجه صوبّ الأمم المتحدة، رغم إدراكه حجم التحديات التي تواجه ذلك التحرك، وتنافي الوقائع القائمة على الأرض معه، وعدم التزامه بأي من القرارات الدولية في ظل انحياز أمريكي لجانبه، وسط أصوات تنبعث من الداخل الإسرائيلي للتحذير من تبعات ذلك المسعى على وجود المستوطنين وجيش الاحتلال في الضفة الغربية، غير أن ‘تشنج’ الموقف الإسرائيلي من تلك الخطوة يدخل في باب درء المخاطر والتشبث بالراهن الذي يستطيع تغييره تبعاً لمصالحه بدون ضجة إعلامية، إضافة إلى النظرة العنصرية الصهيونية التي لا تريد للفلسطينيين تسجيل أي تقدم حتى لو كان معنوياً.
وقد أدى التحرك الأمريكي الإسرائيلي المضادّ، إلى ‘إخفاق’ الجولة الأولى من المعركة الفلسطينية الدبلوماسية، والذي أشّر لمسارات التحرك داخل الهيئة الدولية، مما حمل القيادة الفلسطينية على تأجيل طرح طلب ‘العضوية الكاملة’ في الأمم المتحدة إلى وقت آخر، عند تغير الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن، بما يترتب عليه من ‘معادلة جديدة في الأمم المتحدة، قد تصبّ في الصالح الفلسطيني، تزامناً مع انتهاء المعركة الانتخابية الأمريكية النصفية، بما يخفف من وطأة الضغوط الإسرائيلية على واشنطن’. ولكن هذا الخيار ضئيل الاحتمال في ظل موازين القوى السائدة، والدعم الأمريكي المفتوح للجانب الإسرائيلي، بما يقلب التوقعات الفلسطينية، ويضعها رهينة لاحتمالات ضعيفة التحقق. ورغم القرار الفلسطيني الأخير باستبدال طلب ‘العضوية الكاملة’، مؤقتاً، ‘بالعضوية المنقوصة’، إلا أنه لم يسلم، أيضاً، من تهديد أمريكي بعرقلة المسعى وقطع المساعدات، بدون بذل أي جهد للضغط على سلطات الاحتلال لوقف الأنشطة الاستيطانية التي بلغت مؤخراً زهاء 180 مستعمرة تضم نحو نصف مليون مستعمر، في ظل غياب عنصر اليقين عن الإجماع الشعبي الفلسطيني حول المسعى الأممي، وتعثر خطوات المصالحة الضرورية لحشد التأييد اللازم، وابتزاز المال السياسي الأمريكي، بما يبقي الوضع في مأزق كبير.
ليس هناك ما يشير إلى قرب انتشال العملية السلمية من جمودها الراهن، خلف المنعطف القادم على الأقل، في ظل انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات المرتقبة، وصعوبة حدوث خرق في الفكر الصهيوني العنصري الذي تحمله الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لجهة استئناف المفاوضات وفق المطلب الفلسطيني بوقف الاستيطان والالتزام بمرجعية حدود 1967. ويزيد من عمق المأزق الراهن تعثر خطوات المصالحة المؤجلة لوقت آخر، والارتهان الفلسطيني لإدارة أمريكية منحازة للاحتلال، والانشغال بمسعى أممي متنقل بين العضوية ‘الكاملة’ و’المنقوصة’، وسط الاستيطان والتهويد وآليات الاحتلال التي تستبيح كل مكان وبقعة فلسطينية.’ صحافية وباحثة من الأردن