عبد الحميد صيام الحصيلة التي يخرج منها الزائر لفلسطين المحتلة بعد نحو شهر من الاطلاع على الواقع وزيارة البلاد من عكا والناصرة شمالا وحتى الخليل وبيت لحم جنوبا مرورا بيافا وجنين والقدس وأريحا ونابلس ورام الله العاصمة/الدولة هي: إن إسرائل تعيش أزهى عصورها منذ أن زرعت عنوة في منطقة تلفظها قبل نيف وأربع وستين سنة. الأمن قد أستتب (شكرا للرؤية النافذة للثلاثي دايتون- فياض بلير) والاقتصاد في أرقى حالاته حيث وصل مجموع ناتج الدخل القومي إلى 235.222 مليار دولار لتحتل إسرائيل المرتبة 27 على سلم الاقتصاد العالمي (أو 30 حسب سلم البنك الدولي) ووصل معدل دخل الفرد نحو 32.000 دولار، والسياحة أكبر من أن تستوعبها البلاد وهناك خطط لتوسيع القدرة الاستيعابية لتصل إلى عشرة ملايين سائح سنويا من العدد الحالي وهو 3.444.900 سائح، والوحدة الوطنية الداخلية قد تعززت كثيرا، والأخطار الخارجية تكاد تنعدم لولا بعض المشاغبين القلائل في غزة وسيناء من الخارجين عن طاعة حماس التي فرضت التهدئة بالقوة. مشهدان عززا هذه القناعة لدي: عشرات الآلاف من المصطافين يتمددون على شواطئ تل أبيب يتبردون في مياه البحر هربا من شمس حارقة أو يبرطعون (عذرا من أهالي بلدة برطعة الفلسطينية) على الرمال يمارسون كافة أنواع الرياضة وفنون اللهو والاستجمام، والمنظر الثاني مشاهدة مجندة أو مجند في جنح الليل يقف وحيدا على طريق سريع قرب جنين أو نابلس أو رام الله يؤشر بيده للسيارات لعل واحدة تلتقطه لتحمله إلى حيث يريد. أما بالنسبة لموقف إسرائيل من حل ما يسمى ‘الصراع الإسرائيلي الفلسطينيي’ فقد استطاعات وبقدرة مهولة أن تفرض رؤيتها على أرض الواقع دون الإعلان عن ذلك. وكما هو معروف للجميع أن إسرائيل منذ أن بدأت تتعاطى مع ما سمي زورا وبهتانا ‘العملية السلمية’ التي انطلق قطارها في مدريد بتاريخ 30 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1991 ولغاية الآن التزمت كافة قياداتها المتعاقبة من شامير إلى نتنياهو بثلاثة خطوط حمر: لا لدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران (يوينو)، لا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين ولا لتقسيم القدس باعتبارها العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل. وقد حرص الجانب الإسرائيلي في اتفاقية أوسلو الكارثية أن يستبعد هذه النقاط من النص إضافة إلى موضوع المستوطنات بحجة تأجيلها إلى مفاوضات الحل النهائي.
وحتى تصبح هذه اللاءات الثلاث أمرا واقعا غير قابل للتغيير نفذت إسرائيل خطة شاملة مكونة من ست نقاط:1 ـ توسيع شامل للمستوطنات وخاصة حول القدس. فمنذ أوسلو حتى اليوم تم توسيع الاستيطان أفقيا وعموديا عن طريق التسمين أو افتتاح مستوطنات جديدة. فمن بين كل عشرة إسرائيليين يوجد واحد يعيش في حدود ما بعد 5 حزيران (يوينو). لقد بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو 450,000 وفي ضواحي القدس نحو 200.000 . ومن بين المستوطنين هناك 160,000 يقطنون المستوطنات الكبرى التي تحولت إلى مدن كبرى من الصعب تفكيكها أو إخلاؤها مثل أرييل ومعاليه أدوميم وغبعات زيف وكريات أربع وغيلو. وقد أبدت السلطة الفلسطينية مرونة في موضوع بقاء هذه المستوطنات والقيام بعملية تبادل أراض بنفس الحجم والقيمة كما يحلو لكبير المفاوضين أن يؤكد وهو يحرك سبابته اليمنى إشارة على الإصرار. من جهة أخرى فقد أقيمت هذه المستوطنات بشكل يضمن الاستيلاء على المياه الجوفية للضفة الغربية. لقد أصبح الآن 80 في المئة من مياه الضفة الغربية تحت سيطرة إسرائيل وتستغل لأغراضها ويباع جزء منها لأصحابه الأصليين.2ـ نشر البؤر الاستطيانية الكثيرة كبقع الجدري على الجسم. وقد تناثرت هذ البقع داخل الأحياء العربية قرب القدس وعلى كافة أراضي الضفة الفلسطينية وبالكاد تجد منطقة فلسطينية لا تنتشرهذه البؤر حولها؛ 3 ـ إبتداء من عام 2000، بدأ تشييد جدار الفصل العنصري ليقطع أوصال الضفة الغربية ويستولي على مزيد من الأراضي تعادل 9.5 في المئة من أراضي الضفة الغربية. وعند اكتماله من الناحية الشرقية سيضع السكان الفلسطينيين بين فكي كماشة بحيث يلغي عمليا فكرة السيادة وحرية الحركة والتنقل والتواصل في هذا الكيان الذي لايشبه الدولة حتى لو سمي بذلك؛ 4 ـ إقامة شبكة طرق كبرى تشمل كافة أنحاء الضفة الغربية بحيث تبتلع مزيدا من الأرض وتسهل حركة المستوطنين بعيدا عن مراكز تجمعات الفلسطينيين وتسهل كذلك حركة الجيش على هذه الأراضي وصولا لأية بقعة في وقت قياسي؛5 ـ وللتعامل مع القدس كمدينة واحدة موحدة، تم تسيير قطار خفيف يربط كافة المستوطنات في مناطق القدس الكبرى بالمدينة. والقطار الخفيف يمر من القرى والبلدات العربية مثل بيت حنينا وشعفاط والتلة الفرنسية والشيخ جراح وفي طريقه للتمدد داخل القدس وحولها. وسيتم في المرحلة الثانية ربطه بتل أبيب بحيث يستطيع المستوطن أن يصل من بيته في مستوطنة رموت قرب القدس مثلا إلى عمله في تل أبيب في نحو 30 دقيقة.6 ـ تم تفعيل قانون أملاك الغائب (من الفلسطينيين) وقانون الأرض الميري أي الأرض التي كانت تعتبرملكا للدولة الأردنية. وبما أن إسرائيل هي وارثة أملاك الدولة السابقة، حسب قوانينها هي، إذن تصبح هذه الأراضي الشاسعة نسبيا من نصيب الدولة الحالية. وقد بدأ بالفعل تنفيذ مشاريع كبرى (مصانع، محلات تجارية، منشئات) على أراض تصنف بأنها ‘ميري’. وضع القضية من المنظور السياسي المحلي والإقليمي والدولي. من ناحية السلطة الفلسطينية، فقد وصلت كل مراهناتها لإقامة دولة أو شبه دولة إلى حائط مسدود. فلا مفاوضات تعقد ولا وسائل ضغط تمارس ولا برنامج نضال أو مقاومة سلمية تعيد الانتباه إلى مأساة الفلسطينيين. الانقسام بين غزة والضفة أو بين سطة حماس والسلطة الفلسطينية يتعمق خاصة وأن حكومة حماس سعيدة بإمارتها في غزة بل وبدأت تستقوي بانتخاب مرشح الإخوان المسلمين في مصر وتعيد النظر في شروطها للوحدة الوطنية والانتخابات. السلطة الفلسطينية الآن لا تتعدى كونها متعاقد نيابة عن الاحتلال لفرض أمن عجزت إسرائيل عن فرضه على الفلسطينيين منذ عام 1967 وحتى عام 2004. مقابل ذلك يتم تحويل مبالغ شهرية من الدول المانحة بمباركة المفوض السامي لتلك الدول سيء السمعة والصيت توني بلير فيتم ضخها رواتب لنحو 200.000 موظف.
الحدود العربية كلها موصدة ولإشعارآخر لتؤمن نوما هانئا للإسرائيليين. والمنفذ الوحيد الذي كان يسبب قلقا لإسرائيل من جنوب لبنان فقد تم حرفه عن موقعه الطبيعي وهو مشغول الآن بدعم نظام فاشي أوغل في قتل شعبه بحجة الممانعة وهو الذي لم يطلق طلقة واحدة من هضبة الجولان أهدأ الحدود العربية مع إسرائيل على الإطلاق. مصر مشغولة بنفسها وإلى حين، وبقايا الكامب ديفديين منتشرون في السلطة ويمسكون البلد من خناقها، وسوريا يتم تدميرها كبلد بحجة الانتصار للثورة بالضبط كما دمروا العراق بحجة التخلص من أسلحة الدمار الشامل. إما إيران التي ما فتـئت تطلق التصريحات النارية ضد الكيان الصهيوني فمشغولة بالتهديدات التي تحيط بها فيما يتعلق ببرنامجها النـــووي. كما أنني متيقن تماما من أن إيران لن تقوم نيابة عن العرب بشن حرب على إسرائيل بل تستخدم الورقة الفلسطينية لأهدافها المحلية والإقليمية. أما دول الخليج فقد غيرت مفهوم الأمن القومي بالنسبة لها لتصبح إيران هي العدو الرئيسي لها من جهة ومن جهة أخرى تعمل على تخريب الثورات العربية الهادفة إلى إسقاط الدكتاتوريات الكريهة كي لا تصل إليها ألسنة لهيب الثورات.
إسرائيل الآن في أفضل حالاتها إذن.. تم ترتيب الوضع لصالحها فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا. جميع الدول الغربية تخطب ودها وهي تتدلل على الجميع وخاصة الدولة الأعظم في سنة الانتخابات كالفتاة الجميلة التي تعرف أن كل طلاب القسم يتنافسون لكسب رضاها. يستابق مرشحو الرئاسة الأمريكية على خطب ودها ليس عن طريق اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (أيباك) فحسب بل وفي إسرائيل نفسها. لقد بلغت الصفاقة في أحدهم أن يشكك في وجود شعب فلسطيني ويدعي أنه شعب مخترع، وتمادى آخر بأن أعلن أن التقدم التي تعيشه إسرائيل نابع من ميزة حضارية إشارة إلى أن الحضارة العربية الإسلامية متخلفة بالطبيعة، وتواقح مندوب دولي ليعلن أنه من حق إسرائيل فرض الحصار على غزة، وأما الرئيس السابق للمحكمة الإسرائيلية العليا إدموند ليفي فقد أبعد أكثر عندما أعلن في 22 تموز (يوليو) 2012 أن البؤرالاستيطانية شرعية وأن الأراضي الفلسطينية ليست محتلة وأن تعريف الاحتلال لا ينطبق عليها حسب القانون الدولي، كما قال. كل هذا نتائج مباشرة أو غير مباشرة لاتفاقية أوسلو العتيدة ولأن جماعة أوسلو الحاليين استبدلوا النضال بالمفاوضات ولا شيء غير المفاوضات ووقعوا في فخ شامير ‘فاوض ثم فاوض ثم فاوض’. وماذا بعد؟
في بلدة عيلوط العربية (دمج لكلمتي عين لوط) قرب الناصرة، وقفت ومضيفي على رأس تلة جميلة تنبسط أمامك التلال حتى تختفي فتبدو في الأفق غير البعيد حيفا وكرملها وعكا وسورها العتيق والمتوسط وأمواجه البيضاء الرقيقة، قال: إنظر إلى هذا الوجود العربي الكبير داخل إسرائيل. بلدتنا هذه لوحدها يزيد سكانها عن الثمانية آلاف عربي ولم نكن نزيد عن 500 شخص عام 1948. ماذا يمكن لإسرائيل أن تفعل بنا؟ لا تستطيع طردنا ولا تستطيع قتلنا ولا تستطيع منعنا من التوالد والتكاثر والتعلم والانتماء إلى حضارتنا العربية الأسلامية. نحن الآن عصب الحياة الاقتصادية في إسرائيل. والله لو قام العرب بإضراب طويل لسقطت هذه الدولة المسخ. قلت له ولكن يا رفيق: لا يكون الإضراب فعالا إلا ضمن جو النضال والمواجهة الشاملين. في تشرين الأول (أكتوبر) 2000 وعند احتدام المواجهة قام أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل بالمظاهرات الصاخبة وتقديم 13 شهيدا. وعندما استبدل النضال بالمفاوضات تراخت الناس وهمدت المشاعر وبدأ الناس يبحثون عن أمور حيواتهم ويواجهون همومهم الشخصية بعيدا عن الهم الوطني العام ويلجأون إلى المساجد طمعا في ثواب. لا أرى ذلك النهوض قريبا. وعندما تنهض الأمة كلها بعد أن يسقط آخر الطغاة العرب ويعاد الاعتبار للقضية المركزية التي يلتف حولها كل العرب تستطيع مظاهرات سلمية مليونية تنطلق من بيروت ودمشق وعمان والقاهرة ورام الله أن تنهي هذه الغطرسة الإسرائيلية. وإلى أن يأتي ذلك اليوم ستعيش إسرائيل سنوات من الرخاء والأمن المؤقتين. لكن منطقتنا كما تعرف دائما تفاجئ العالم بما قد لا يخطر على بال أحد.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك