فــاروق وادي
طفلة صغيرة وجميلة، كانت تجلس معنا في مقهى ‘هافانا’ وسط دمشق. حدث ذلك قبل عشر سنوات، أو ربما خمس عشرة سنة. وكنّا مجموعة من الكتّاب والمثقفين والباحثين في شؤون الصراع العربي الإسرائيلي. الأصدقاء الدمشقيون هم الذين اختاوا المقهى العريق مكاناً للّقاء، ربما لنستعيد في دواخلنا حنيناً مكبوتاً لزمنه اليساري. وأنا تسرّبت في ذلك المساء الخريفيّ من الصالات المعتمة لمهرجان دمشق السينمائي، الذي كنتُ مدعواً إليه، وجئت لأريح العينين من الأشباح التي تتحرّك في الظلام بخيالاتها المفرطة، ولألتقي بشراً أكون قادراً على أن أتحدّث معهم ونتحاور سويّاً.
ومع إنني تعاطفت مع تلك الطفلة، التي حسبتُ أنها جاءت لتجلس في المكان الخطأ، إلاّ أنها بدت عكس ذلك تماماً. فقد كانت تنقِّل نظراتها المتيقِّظة بين المتحاورين، لتصغي للواحد منّا بإمعان لم أكن في البدء واثقاً من جديته. غير أن الطفلة اختارتني، دون الآخرين، ربما لعلمها المسبق باهتماماتي الأدبيّة دوناً عن غيري من الحاضرين، لتطرح عليّ سؤالها المؤجّل: إستاذ.. ماذا لديك من نصيحة تقدِّمها لكاتب مبتدئ؟!
تربكني كلمة ‘أستاذ’ دائماً، فأتلعثم في الإجابة، فما بالك حينما تأتي من حيث لا تتوقّع.. من طفلة تنتظر منك الكثير: نصائح في حجم طموحاتها وأحلامها التي بدت لك، بعد سؤالها، عريضة وشاسعة.
في تلك اللحظة، هبط عليّ ساحر أمريكا اللاتينيّة ليسعفني بإجابة حسبت أنها ستكون مقنعة وشافية، لطفلة ما برحت ترشقني بنظراتها وصمتها المترقِّب. قلت لها باطمئنان، وبشعور شبه يقينيّ بأنني وجدتها: يروى أن شاباً مبتدئاً سأل غابرييل غارسيا ماركيز أن يُسدي له نصيحة ثمينة، من كاتب كبير إلى شابّ يخطو خطواته الأولى على طريق الكتابة. فقال له ماركيز: نصيحتي الوحيدة إليك يا بُنيّ، هي أنك إذا كنتَ تستطيع التوقف عن الكتابة.. فتوقّف عنها الآن ودون تردُّد!
كنتُ أحسب أنني قد جئتها بعصارة حكمة تتوارى بعدها كلّ حكمة. إلاّ أن شيئاً من عدم الرّاحة رأيته يلوح في التقاطيع الدقيقة لوجه الطفلة التي كبرت فجأة، وعكست ملامحها انكساراًت قلبها الوثّاب. فكأنها بصمتها الاعتراضيّ كانت تقول: ما هذه النصيحة التي تقترح توقُّفاً عن الكتابة في وقت أنتظر فيها كلاماً يدفعني إليها ويُسرِّع خطاي!
؟ عبثاً حاولنا أن نشرح لها الحكمة التي تتخفّى في كلام ماركيز، والدها الكاتب أنور بدر (الخارج تواً من سجنه السوريّ الطويل) ووالدتها المحامية والباحثة منى أسعد، وأنا، والآخرين. قلنا لها أن عاشق الكتابة الحقيقي والشغوف بها لن يستطيع مغادرتها. إلاّ أن الطفلة شاءت، وبإصرار عجيب، أن تجافي النصيحة من أساسها.. وأن لا تفهم!
؟ ***عندما أخذت كتابات يارا بدر ورسائلها الثقافيّة تُنشر في ‘القدس العربي’ بعد سنوات، أدركت تماماً أسباب رفضها نصيحة ماركيز. فيارا لم تكن تريد الإصغاء لنصيحة تبغي لها نجوة من هلاك الكتابة.. فتهلك دونها!
اختارت يارا الكتابة. كيف ومتى حدث ذلك، مسألة لا علم لي بها، لأن لقائي الأخير كان بطفلة تجلس في مقهى الهافانا. وهي إلى ذلك مسألة لا أطرحها، لأن كلّ الذين تورطوا بعلاقة مع تلك السّاحرة التي اسمها الكتابة، لا يذكرون إن كانوا هم الذين اختاروها، أم إنها هي التي اختارتهم وجذبتهم إليها، مثل نداءات الندّاهة التي تشلّ الإرادة.
كأنما الكتابة هي طريق حريق أو غريق.. أو طريق تأخذ ولا تُعيد. فالتورُّط فيها هو انزلاق يستتبعه انجراف إلى ما وراء الكتابة. لا أقصد هنا الوقوع في شرك السياسة بمعناها البسيط، الحزبي أو التنظيمي أو الاحتجاجي اليوميّ، ولكن بمعنى استنهاض الموقف المبدئي المُعلن والمنحاز إلى البشر وقضاياهم العادلة، والذي يفرضه ضمير الكتابة عليك، مثلما يفرض دفع الثمن اللازم لترجمته على الأرض. يارا، التي عرفت درب الكتابة والدروب المجاورة، كبرت كثيراً في ربيع دمشق، وأصبحت صبيّة بكامل ياسمينها. حدث ذلك في المسافة ما بين مقهى الهافانا وحركة الشّارع. وقد عرِفَتْ طريقاً آخر ما كانت تحسب يوماً أنها ستسير فيه، هو طريق المُعتقل.
هل يمكن لمن مثلي، ورغم شهادة الشيخ حسن نصر الله، التي تجاهد لنصرة أخيه ظالماً، أن أعلن تضامنيً مع نظام (مهما أوغل في ‘الممانعة’)، يُقدِم ببرود أعصاب على اعتقال صبيّة، مثل يارا، أو طلّ الملّوحي، لم تفعل شيئاً أكثر من الاستجابة لنداء الحريّة؟!
في نصّ جميل كتبته يارا بدر عن تجربة اعتقالها وزميلاتها في فرع المخابرات الجويّة السوريّة (ما شأن يارا بالمخابرات الجويّة؟! هل لأن أحلام الصبايا الشآميات تُحلِّق في مرتفعات شاهقة تبلغ آفاق الحريّة القصوى.. وتواصل التحليق؟!). في ذلك النّص البديع (“القدس العربي” 26/4/2012) تحدثت يارا عن الدروس الثريّة التي تتأسس في تجربة المعتقل، وأولها الصّبر؛ يليه قهر الغضب الذي يستنفذ طاقة الروح؛ وكيف تشهد هناك تراجع الأنانيّة إلى أدنى درجاتها حتى الاضمحلال؛ أو كيف يرتقي النقاش فتتسع الآفاق وتنفتح آفاق متجددة على تقبُّل الرأي الآخر. ذلك يتجلّى في عالم من المحبّة التي تنمو في أرض خصيبة، ويتسيّد التعاون الذي يصول بلا حدود. وليس أخيراً، تلك المسألة التي عبِّر عنها الإدراك الواعي ليارا بالقول: ‘بهذه التفاصيل التي تعلمناها نرفض أن يكون اعتقالنا خسارة’.***كبرت يارا. ربما كبرت منذ ذلك اليوم الذي أطاحت فيه بنصيحتي المستعارة من ماركيز. فالطفلة التي كانت تجلس في مقهى الهافانا، لم تشأ أن تتوقّف عن الكتابة، وربما لم تحاول أبداً. واصلت بإصرار، فكبرت فيها وفي السياسة معاً، وأنضجتها التجربة. ولعلي لا أتحرّج اليوم من أن أطرح عليها السؤال نفسه معكوساً: سيدتي.. ماذا لديك من نصيحة تقدِّمينها لكاتب في مثل عمري، تجذبه الشيخوخة كثيراً إلى إحباطاتها المتراخية، لكنه ما برح يقاوم، ليعود طفلاً يجلس هناك، في مقهى الهافانا، ليتعلّم على أيديكم من جديد عشق الحياة.. الحريّة.. الكتابة.. وما وراء الكتابة؟[email protected]