محمود خيراللهتقف المراكب على الشط عادة وهي خائفة، في الأصل وجِدت لكي تعوم، لذلك تعتبر وقفتها تلك نوعاً قاسياً من العقوبة، تشدَّها الحبال بقسوة إلى الشاطيء، كي لا تتحرَّك، يهزُّها الموج قليلاً لكنها تعرف أنه العقاب، الركود على الشط يترك جسدها نهباً للصدأ، بعضها يطيعُ الموجَ مضطراً، نزولاً على موجة حرَّكتها السفن الغريبة التي تأتي بالخير لأهل المدينة منذ عقود طويلة، بعض المراكب يقف متصلباً وعنيداً أمام الزمن، لكن دون أنيستطيعَ مقاومة الهلاك.
ليس في مصر كلها ما يساوي قناة السويس، الشريان الملاحي العظيم من حيث القيمة والقامة، لكن أحداً لم يعد يعترف بذلك، الساسة يستغلونها في المزايدات، والتجار يوسخونها في التفاوض، والحكومات تتركها مهملة، كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ما يجعل أهل مدن القناة عُرضة للهزائم، من كل اتجاه، قبل الثورة وبعدها، في سنوات الاستقرار المُستبد، أو في سنوات الديمقراطية غير الآمنة، ما يحدث هنا هو أن المراكب تبقى معلقة على الشط، في انتظار من يُعيدها إلى العمل، تلك ـ تقريباً ـ هي المُعضلة، لأنشرياناً بهذه الأهمية لايجب أن يبقى مسدوداً في وجوه أقرب الناس إليه.*بوابة مُتهالكة للمدينة الباسلةولت سنواتٌ كانت المدينة فيها لا تنام، تتذكر بعضُ المراكب في وقفتها اليائسة، أن العالم الذي تأتي منه السفن الكبيرة قد تغير كثيراً عن الماضي، حين كان الرزق مفروشاً على سطح سفينة قادمة من مكان مجهول، فيما كان القدر يُخبِّيء المفاجآت لشاب ‘يقلب عيشه’ في البيع أو في الشراء، الآن، ذهبت المهنة ‘اللي فتحت بيوت كتيرة’ إلى الانقراض، ولم يعد أمامها إلا أن تقاوم.’الحَسنة’ في جيب ‘البمبوطي’ هي المعادل الموضوعي للجنة، يقول البورسعيديون بحسرة، فركود الأيام الطويلة، لم يترك لبمبوطي واحد على شاطيء القناة في بورسعيد أن يكسب قوت يومه، يومه كله صار مُهدراً بين المقاهي والمطاعم وحول محلات البقالة وأكشاك السجائر، وبالقرب من ‘الممشى التجاري’ ربما يجد صديقاً يساعده، فالبورسعيدي شخص يعتز جداً وإلى أقصى حد بعزة نفسه، ستسمعها هنا بلهجة واضحة لا لبس فيها قبل أن تهبط إلى أرضها بعد رحلة شاقة، ‘مش أنتَ اللي تقول لي أني أعمل إيه ومعملش إيه’.. يتحدث البورسعيدية بصوت مرتفع عادةً، لغتُهم صاخبة وأرواحهم كذلك، ، هؤلاء الذين يعتبرون البحر رسالتهم الأخير إلى العالم، البحارة ـ الذين يعملون في الماء ـ والشركات ـ التي تخوض حروباً على الأرض لتعمل في مهن البحرـ والمثقفون ـ الذين يعتزون ببحرهم ومدينتهم، بالضبط كما يليق بسكان مدينة خاضت من الحروب، ما لا يُحتمل.
ليس فيهم من يعرف الهمس إلا المثقفون، الحنجرة أفضل وسيط بين مركبيْن، طريقة مُثلى لكسب القوت، الجميع هنا يتحدثون عن ذلك القوت الذي ضيَّعته الثورة، مئات الأسر في بورسعيد تعيش على مهن مرتبطة بحركة السفن في القناة والميناء والبحر، رغم ذلك، يحكي الناسُ رواياتٍ مؤلمة عن الثورة، التي عاشوا مراراتها بقدر ما أحبوا وتعاطفوا وشاركوا فيها، تذكروا أيام الملح، بعد إغلاق المحال في الأيام الأولى للثورة، يبتسمون كالعادة، بعضهم يضحك لأن البحر لا يزال قادراً على منح الرضا، يقول صديقي ‘آدم’:’ يوم 27 يناير، بعد الثورة بيومين، وقفتني ست عجوزة وقالت لي عايزة جبنه وعيش أعشي عيالي، للأسف هي دي الثورة اللي راح فيها صوتنا’.. كانت أجواء الانتخابات تفوح من كل مكان في المدينة ـ التي ولدت بافتتاح القناة 1869ـ قبل ليالٍ محدودة من جولة الإعادة، بصرياً كان المشهد مفزعاً في موجة عشوائية ومرتبكة ومتزاحمة من اللافتات، صوتياً كان أتباع محمد مرسي ينشدون بصوت هزيل يخرج من كل مكان ومن لا مكانأحياناً: ‘صوتك لمرسي’، وأتباع أحمد شفيق يطلقون الألعاب النارية ابتهاجاً بحكم المحكمة الدستورية العليا الذي ‘حلَّ مجلس الشعب’ ذي الأكثرية الإخوانية والأغلبية الإسلامية، في الجولة الأولى صوتت بورسعيد للمرشح الناصري حمدين صباحي بأغلبية تليق بأمة من العمال الواعين، رغم ذلك كانت البضائع راكدةً في المحال، والحركة على لسان الجميعنائمة، دخلنا مطعماً وقررنا أن نبدأ رحلة إلى أكبر ميناء عبور في العالم بوجبة من السمك، المكان مملوء بفوانيس الصيادين القديمة والصَّدَف والمراكب الصغيرة، والأسعار كانت رخيصة ومدهشة، فيما كانتالمقاعد شبه خاوية.
على المقهى ـ في انتظار صديقٍ ـ يُمكن أن تستمعَ إلى أكثر الحوارات عبثية في العالم، شابان على وجهيْهما خدوش الشقاء، التي لم تمنع أحدهما من تصفيف شعره إلى الأمام بصورة مُضحكة، وسيمان وفتيَّان، يتبادلان الحديث على مَسمع من الجميع، ويبدو أنهما انفصلا عن العالم قبل قليل، باستعمال أنواع قوية من الكيمياء، لأن نبرة صوتيهما ومخارج حروفهما، حملت الكثير من الخمول:
لا أحد في بورسعيد يعرف على وجه الدقة، من الذي شوَّه حياة المدينة إلى هذا الحد، القوى الخارجية التي تآمرت عليها في 1956، أم الحكومات المتعاقبة للنظام السابق، أم الطرف الثالث، أم أنهم جميعاً تحالفوا لإنتاج مسخ يكون في انتظار القادمين من أقصى بلاد العالم، ‘الأبراج تزحف على العمارات القديمة والمباني الخشبية الجميلة التي بناها الفرنسيون والطلاينة في الزمن القديم’ .. يقول صديقي الكاتب والمُصور البورسعيدي وليد منتصر، وهو ينظر بحسرة إلى أحد البيوت الفرنسية الطراز، قبل أن يتوقف ليقول إنه شارك في حملة واسعة للحفاظ على الآثار في المدينة، التي يختار أصحابها بيع بيوتهم القديمة بمبالغ خرافية، لتهدم وتقام بدلاً منها ‘الأبراج’، وهو قال إن حملتهم حققت بعض النجاح.’المنطقة الحرة’ـ بالمعنى الحرفي للكلمة ـلم تعد موجودة، ففي 1 يناير 1976 حصلت بورسعيد على حق الامتياز فيالمعاملة الجمركية، لتشجيع قطاعات واسعة من التجارة، كما لا أحد يعرف على وجه اليقين من الذي أمر بهدم ‘متحف بورسعيد القومي’، خصوصاً أنه كان يعرض لتاريخ المدينة منذ إنشائها سنة 1858، وحتى العصر الحديث، يبدو أن أحدَهم كان يريد أن يمحو جزءاً من ذاكرة المكان، فاختارأن يبدأ بجدران المُتحف، المطل على الميناء مباشرة، على بعد أمتار قليلة من قاعدة تمثال المغامر الأوربي الشهير فرديناند ديلسيبس، الذي جسد عدة طموحات استعمارية في مشروع حفر قناة بين البحرين الأبيض والأحمر، منتصف القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك، ظل تمثاله محط سخط ونقمة نصف سكان بورسعيد، ومحط احترام نصفهم الآخر تقريباً.
قدر بورسعيد ـ فيما يبدو ـ أن تنقسم بسبب قناة السويس، وبسبب الرجل الذي كان وراء المشروع منذ يومه الأول منتصف القرن التاسع عشر، فالقناة فصلت بورفؤاد عن بورسعيد، لكن التقسيم الإداري لبورسعيدعند نشأتها، قسمَّها إلى شطريْن متواجهيْن، أولهما ‘المدينة’، والتي أطلقعليها الأهالي حي ‘الافرنج’ بسبب الجاليات الأجنبية التي سكنته، ورسمتملامحه وخططت مبانيه، وثانيهما ‘قرية العرب’ التي عرفت بحي العرب، الذين يمجدون البطولة والمقاومة، وهو الحي الذي أنتج شخصية ‘أبوالعربي’ التي لخَّصت جزءاً مهماً من شخصية المواطن البورسعيدي.’كل يوم بيعدي خمسين ستين مركب ويمكن أكتر، السفن الحربية تعدي من برا ما تدخلش الميناء، وبتكون مؤمنة تماماً، خصوصاً السفن الحربية الأمريكية، لكن السفن غير الحربية بتدخل وساعات يسمحوا بصعود بياعين أو بمبوطية بس دا قليل جداً، علشان الحرامية كتروا، بيطلعوا السفن الأجنبي وينهبوها، للأسف بعد الثورة كمان زادوا، ومفيش تأمين كفاية، ودا قطع عيشنا إحنا’. يقول أحمد، صاحب شركة تعمل في تموين السفن، بتوكيل من شركة أجنبية، وكان الرجل كريماً معنا، أنا وصديقي المصور الفنان أحمد المصري، فأرسل معنا ‘كريم’ الذي رافق رحلتنا مع أجهزة الأمن، لندخلالميناء باصطحاب كاميرا، من باب عشرين إلى باب 8 إلى لا شيء، التقينا عقيداً أراد أن يتخلص منا في أسرع وقت، فاختار أن يقتلنا بالروتين، عرف مرادنا وهويتنا، قبل أن يقترح أن يساعدنا إذا ذهبنا بعيداً عنه، لاستخراج التصريح، قرأنا في عينيه أنه لن يفعل، وقرأ في عيوننا الإصرار، فامتقع، وقال ‘أهلاً بكم في بورسعيد’. وبينما يعد الخبراء قناة السويس أهم رئة تنفس اقتصادي للمصريين، فهي تمثل أكثر من 10% من الدخل القومي، إلا أن أوضاع العاملين بها وعلى هامشها تكاد تنفجر في وجه الجميع، ثمة مظالم هائلة ترتكب حق بحارة ومراكبية وعمَّال وبمبوطية وسائقي لانشات ورؤساء بحرية، لا رزق لهم سوى في هذه السفن العابرة، التي يفترض أن نهيىء لها الأجواء للعبور، لا أن نضع كل العراقيل أمام من يخدمها.
الحاج محمد رجب صاحب لانش بحري جاء مع عدد من زملائه إلى المقهى القريب بعد أن فشلنا ـ بسبب التعقيدات الأمنية ـ في الدخول إليه لتصوير الحال على الماء، الرجل كان غاضباً من قلة الشُغل وحكى عنتوقف بعض اللانشات لأكثر من عام، وهي لا تستطيع أن تمارس عملها في توصيل طرود من داخل إلى خارج الميناء، تحدَّث عن ممارسات احتكارية لبعض العاملين في مهنة ‘شيب شندر’، الخاصة بشركات التوكيلات الملاحية، قال إن أحد هؤلاء ويدعى ‘ أ.
ر’ صار يحتكر المهنة ويتعامل مع شركات الحكومة بالاتفاق مع سائقين يتقاضون رشاوى لتوصيل الطرود، فصار هو ومن معه بلا عمل تقريباً:’اللي بيحصل دا ظلم، إحنا أكتر من مية وعشرين ‘صاحب لانش’ شغالين، المفروض إن كل واحد بيشغل معاه اتنين تلاتة، كلنا فاتحين بيوت، بس إحنا معدومين، اللنش مركون، يجيب في الأسبوع سبعين جنيه، جمعية أصحاب اللانشات موالسة مع الشيب شندر إيَّاه، وبيعملوا لحسابه وبيحرمونا من الشغل، واللي زاد وغطى ‘التفتيش البحري’، عايزين، كل واحد منّنا يشتري ‘لادار’، تمنه يضلع يا جدع، لازم الحكومة تشوف حل، كنا نقدر نتظاهر قدام المحافظة لكن احنا عايزين استقرار، علشان السفن تيجي الحركة ترجع’. زميله محمد حسنين بدا عجوزاً لكنه لا يزال قادراً على العمل، يقول إنه يعاني وأسرته من قلة العائد، وأن أعضاء مجلس الشعب ‘الذي تم حله’ لم يقفوا معهم في هذه المحنة:’أكرم الشاعر والبدري فرغلي ـ يقصد البرلمانيين الإخواني واليساري ـ معملوش حاجة، الأولاني بتاع ‘قوافل طبية’ والتاني ماسك المعاشات، واحنا لينا رب اسمه الكريم’. الحاج إبراهيم الشعراني كان يعمل في مهنة ‘ريس بحري’ حتى ثلاثة أعوام مضت، الآن لا يفارق المقهى المُطل على بوابة رقم عشرين بحثاً عن الأمل، يده ذات الأصابع الغليظة تؤكد أنها عرفت الكثير من سنوات الشقاء، لكنها الآن وأسنان قليلة في فمه ـ تتخبَّط في الكلام، تماماً بما يلفيق بيد تريد أن تعمل:’بورسعيد بالذات يا باش مهندس أكل عيشها كله ع البحر، زمان الناس ما كانتش تجوِّز بناتها إلا للي يشتغل في البحر، أُمَّال إيه، مشكلتنا احنا رويسا وبحرية أكبر من مشكلة لأصحاب اللانشات، عددنا ‘400’ واحد، وحالنا واقف، وكلنا فاتحين بيوت، بعد الثورة عطونا معاش من المحافظة مرتين كل مرة 300 جنيه، وزمان كنا بناخد إعانة من ‘الشئون’، لكن دوقت معاشي 145 جنيه، بعد 35 سنة كل شهر آخدهم من البوسطة اللي جنب سوق السمك، وأشتري بيهم كام كيلو وأنا مروَّح، وكان الله يحب المُحسنين..’…. أمضيتُ ليلةً طويلةً في بورسعيد، تقريباً لم أنم، كان ينتابني نوع من الإحساس بتأنيب الضمير نيابة عن الآخرين، الذين عرفوا والذين لم يعرفوا، الذين رأوا والذين لم يروا أن العدالة لا تتحقق مجاناً للضعفاء، هذا إن كان من الممكن أصلاً أن تتحقق من أجلهم، على الأقل هذا ما يحدث في مدينة بورسعيد، وفي مُدن القناة التي أطعمتنا حين ثارت البلاد ضد طغاتها، يحصل ذلك تقريباً في كل البقاع التي قررنا أن نخوضها بطول هذه القناة الطويلة في التاريخ والجغرافيا.
مصر تفقد الكثير من الملايين في اسثمارات لم تقم وصناعات لم تطلق الدخان ومزارع لم نجرؤ عليها، ينسى الجميع أحياناً أن النظام السابق أهمل كل شيء وفي المقدمة بالذات أهمل قناة السويس، حتى أنه كاد أن ينسينا اسماء القنطرة والبلاح والفردان والإسماعيلية وبحيرة التمساح والبحيرات وشلوفه والسويس وبورتوفيق في البحر الأحمر، وكاد أن ينسينا أسماء: العين السخنة الزيتيات مواني الأدبية والأتكة، التي ينطقها أهلها’اليتكة’. كدنا ننسى ـ حتَّى حقائق الجغرافيا التي يحفظها الصغار دون وعي ـ أن قناة السويس تمثل 3 في المائة من الدخل القومي لمصر، وأنها كانت محور أطماع عدة مؤسسات استعمارية في العالم، منذ وضعت بذرتها منتصف القرن التاسع عشر وحتى أمس القريب، كدنا ننسى أن تخلى الدولة طواعيةعن جزء أصيل من دخلها القومي وتبديده على أخطاء إدارية تافهة، لا يمكن أن يحدث في دولة مُستيقظة من ثورة أو من غفلة، بعدما صارت تضيع مطالب الغلابة فيها يوماً بعد يوم، أقصد:’بهدووووء’. تذكرت أن أول مدينة أزورها خارج القليوبية كانت إلى هنا، اصطحبني أبيالمدرس الوقور لنشتري ملابس وساعات وشانبوهات رخيصة، في واحد من سنوات السبعينيات، تذكرتُ ذلك الحزام الجلدي الثمين الذين اشتراه أبي من هنا وضربني ذات مرَّة به فيما بعد، تألمتُ، وأنا أتذكر كل ذلك نائماً على سرير فاخر في بورسعيد.*السويس.. مدينة الغبارلا يعيش الغبارُ طويلاً في سماء مدينة السويس، لا، هو قريب جداً إلى الأرض، موجود دائماً في المشهد والأركان، ثمة غبار كثيف يخيِّم على المدينة العريقة في تاريخ المقاومة، ويبدو أن الثروات التي تتمتع بها المدن الصناعية، تكون سبباً مباشراً ـ ويا للغرابة ـ في اعتماد سياسات التجويع والإنهاك، بينما يفترض أن يعيش سكانها حياة كريمة.
دخلنا المدينة نائمين، النهار الأول في مدينة السويس يمكن أن تنفقه على تأمل المصادر الكثيفة لرائحة الزيت والبترول في الأرض، الأحذية تحمل بقاياه وهي عائدة إلى البيت، من ورديات العمل في شركات البترول، يكون الوضع مُضحكاً جداً أن مدينة مثلها تعاني من نقص في المواد البترولية، فيما بعض حواريها تحمل رائحة بنزينة كاملة الأوصاف.
أما الليلة الأولى لك في السويس فسوف تنفقها في تتبع المصادر غير المنظورة للغبار في الجو، غبار المدينة العمالية الكبرى، كان أول ما نصادفه، فيما العمال يفترشون الأرض في الميادين، في ميدان الأربعين استطعتُ أن أحصي منهم أكثر من عشرة، يبقى الواحد منهم يوماً كاملاً على لحم بطنه، لو كان سعيد الحظ سيطلبه أحدهم أجيراً في مهمة، حفر حفرة أو هد حائط قديم، أو رفع أكياس من الرمل إلى الأدوار العليا، ساعتها قد يحظى بوجبة جيدة من الفول، أما من لم يصادفه الحظ، فإن الله وحده يعلم كيف يمكن أن يأكل هؤلاء كل يوم.
بالنسبة لعين محايدة، وبأمانة شديدة، تبدو السويس مدينة حرقتها الحكومات، بعض البيوت تهدَّم بسبب الحرب، ولا يزال شاهداً على البؤس، بعض المباني الحكومية احترق بنار الغضب الثوري في يناير من العام الماضي، ولا تزال أيضاً باقية، طبعاً ثمة عمائر ومحال ومدارس وحركة في الشوارع الرئيسية، ثمة بنوك وقروض وديون تحاصر الطبقة الوسطى من كل جانب، ثمة ـ حتى ـ كورنيش فاخر، يبدو كأنه مستأجر من مدينة أخرى، لبعض الوقت، لكن السويس لا تزال مدينةً قابلة للانفجار.
ذهبنا إلى ميناء ‘الأتكة’ واكتشفنا أن الصيد والصيادين في إجازة حتى سبتمبر المقبل، لكي لا تنتهي الحياة السمكية في البحر، بصيد ‘الزريعة’، توقف الصيد يكون فرصة ذهبية لإصلاح المراكب، في واحدة من هذا الورش الصغيرة، استقبلنا العم ‘خيري’ بكرم حاتمي، فبعد دقائق منالسير في الرمال والشمس يمكن أن تتفهم معنى الكرم، كوب من الشاي الرائق في ظهيرة قائظة، يقول الرجل الذي أنهكته الشيخوخة:’الحال نايم يا بيه، السوق كله كدا، النهاردة ‘الجمعة’ وإحنا إجازة، لكنحتَّى في أيام الشُغل، ساعات تمر أسابيع والحال نايم، دلوقت الصيد في إجازة ودي فترة الشغل في الصيانة والتجديد، بس فين؟
؟ لسَّه بدري’..*’نيو سوريا’في الطريق إلى مقهى ‘نيو سوريا’، تذكرت أنني يجب أن أسأل عن هذا الاسم الغريب بحيث يبدو أن تفسيره مفتاحٌ لفهم مدينة كاملة، أوقفت تاكسياً وذكرت اسم المقهى فبدا أنني غريب وأنه يستطيع أن يخدعني، وأنا أحببت اللعبة وانخدعت فعلاً، دار الرجل دورتين في الشوارع الخالية قبل أن أصل إلى المقهى المجاور للفندق، الرجل فرح بالجنيهات الخمسة، وأحد رواد المقهى فهم المشهد وسخر من الغريب، تجاهلته، والتقيت صاحبي، المثقف اليساري والباحث في اتحاد المحامين العرب جمال عمر، الذي كان يتابع من دون شغف مباراة في بطولة أوروبا، سألته:’ـ اشمعنى القهوة التعبانة دي؟’فقال: ‘اللي مرحش نيو سوريا مرحش السويس”صاحب هذا المقهى الله يرحمه هو الحاج يحيى عارف، كان يساري وعضو مؤسس في حزب التجمع، وفي سنوات الثمانينات كانت ملتقىالمثقفين والسياسيين والفنانين في السويس، وكان النشاط السياسي للمدينةيدور في هذا المربع السكني المحيط بالمقهى، الشعراء والعازفون والأدباءوالكتاب والحزبيون كلهم مروا من هذه المقاعد أولاً، لكن الحاج يحيى توفى من زمان والحال اتغيَّر وبقت زي ما أنت شايف’. في البحر لا تبدو السويس مدينة مصابة بالظلم، في قطاعات واسعة من العاملين في الميناء، يُجمع الكثيرون على أن عمالها منظَّمين بحرياً، لأن جمعيات العاملين في البحر من بحارة وسائقي لانشات وبمبوطية وتجار صغار منظمة أكثر من مثيلتها في بورسعيد، الجميع هنا ربما يعاني بنسبمتفاوتة من الكساد، لكن النشاط لا يحتكره أحد في البحر، بعضهم فسر ذلك بأن العمال منظمين أكثر في السويس، لكن لا تنتهي مشكلة مدينة بالأهمية تلك على حل معضلة واحدة، فثمة الكثير من المعضلات هنا.
يقول صديقي ونحن نتجول في الشوارع المؤدية إلى ميناء السويس إن المدينة تتمتع بأنشطة متنوعة، بين السياحي والتجاري والصناعي، الأخير وحده يمكن أن يكفي لو كان المطلوب هو انقاذ البلد، الصناعة بمفردها تشمل شركات الأسمنت والأسمدة والبترول الضخمة، والتي يجب أن تعتمد على عمالة كثيفة، لكن ما تشهده المدينة هو تزايد مدهش في أعداد العاطلين عن العمل’، فجأة يتوقف عن الكلام ليسألني ‘هل يُمكن ـ يا مؤمن ـ أن تنشأ الثروة متناقضة إلى هذا الحد مع المستوى الاجتماعي المحيط بها من دون أن تحدث التناقضات؟
مستحيل، لكن ما حدث أن كل هذه القطاعات المتضخمة من الثروات كانت تتم على حساب فقراء الناس، بعض المصانع التابعة للقطاع الخاص، بل كثير منها، وسَّع استثماراته في الأسمنت مثلاً على أنقاض شركات القطاع العام، بعرض الرواتب الهائلة على الفنيين في شركات الحكومة، فيحدث تجريف كامل يصب في صالح القطاع الخاص، الذي سرعان ما يستخدم أدوات تصنيع متطورة لا تحتاج سوى العدد الأقل من العمال، فتكون النتيجة هي ما تراه بعينيك، الكساد والتجريف’. من حسن الحظ أن المقهى يطل على محل ‘كوافير حريمي’ نشيط، لأن طابور سيارات فارهة تفوح منها رائحة برفانات رائقة يمر كل ساعة تقريباً، لدرجة أنه يمكنك أن ترى قبلة تعبر كل هذا الجفاف، قبلة حارةبإمكانها أن تتناسل على هذه المقهى عدة مرات مساء كل (خميس)، على الأقل، ما يجعل المكان نافذة شباب فقراء على لحظة خاصة جداً، حُرموا منها طويلاً جداً، اسمها القُبلة.
كم حرباً تركت قبلتها الدامية على هذه الجدران، لا أعرف، لكن المطرب الشعبي الجميل محمد حمام حاول في واحدة من أغنياته الشهيرة أن يلخِّص الألم: ‘يا بيوت السويس يا بيوت مدينتيأستشهد تحتك وتعيشي إنتهيلا هيلا يلا يا بلديَّاشمَّر درعاتك الدنيا هي إن باعوا العمر في سوق القنية رفاقة هنروح السوق نجيبهونعود ونغني ع السمسية ليكِ يا مدينتي يا اللي صَمَدتِ’* *كنت أعرف أن المفكر الاقتصادي اليساري سمير أمين ولد في بورسعيد وأن السويس عرفت الأحزاب الشيوعية مبكراً، وأن المفكر محمد السيد سعيد عاش سنوات هنا، كابتن غزالي بتاريخه البطولي الطويل لا يزال يقيم أيضاً هنا، كنت قرأت عن صمود المدينة في فترة حرب الاستنزاف ومأساةتهجير أهالي السويس، وعرفت أن مدينة متخصصة في الصناعات الثقيلة لابد أن تعلم أهلها الدخول في تحديات والخروج منها أكثر صلابة.
قلت لصديقي: كيف يمكن أن نلتقي بالرجل الذي لا يمكن زيارة السويس بدون المرور عليه؟:
قال: كابتن غزالي؟.. حالاً.. ذهبنا إلى مرسمه السابق، الذي تحوَّل إلى مكتبة تضم عشرات من الكتب القديمة، ومقعد أمام دكان صغير يفتحه الحاج أحمد ـ أحد محبي الكابتن وتلاميذه ـ لكن حين يأتي ‘خال السوايسة’ الذي تجاوز سنوات كثيرة ومدهشة ليجلس منتصباً في كرسيه الخشبي البسيط ويتحدَّث عن العدل، مثل كل الفلاسفة العظام، هو ليس فيلسوفاً بل أحد الذين كانوا يعملون مع الكامب الانجليزي، وقرر ذات مرة أن يتحرر، فشارك في أنشطة رياضية كثيرة ودخل بطولات وحارب وقاوم وانتصر، غنى ورقص للعدلوالمقاومة، خلال الحروب والنكسات، إلى أن صار من حقه أن يجلس في هذا المساء الساخن، قرب شارع النمسا، لكي يحكي عن الزمن ‘الذي كان’ بأسنان قليلة وملامح وجه صارت تشبه سمير أمين كلما توغل الاثنان في الشيخوخة أكثر، يسمعنا قصائد لا يزال جسده يحتملها، رغم أنها كُتبت فيسنوات الفتوة، يقول:’السويس مدينة بصريَّة وأهم ملامحها أنها كانت طوال عقود سابقة تتمتع بقدر كبير من الكوزموبوليتانية، هي في حقيقة الأمر جزء أصيل من قوة مصر المتنوعة، السويس في الأربعينيات كانت بلد الخواجات، ولم يكن بها مكان لممارسة الرياضة، وحين أسس عبدالناصر نظام الساحات الشعبيةالتي يمارس فيها الفقراء الرياضات والألعاب، كان النادي اليوناني ينظر إلى ملابسنا الرياضية ‘السوداء’ مثل أزياء الملاجيء على أننا من الصيع والأوباش، بعد عدة أعوام فقط تحولت الساحات الشعبية إلى مراكز لتفريخ المواهب وأبطال الرياضات المختلفة، السويس بلد كبير لكن السنوات الثلاثين السابقة جرفتها وخلقت أجيالاً شرهة إلى الاستهلاك والجيل الأخير الذي حافظ على فكرة التفكير والتغيير هو الجيل الذي تربى سياسياً فيالثمانينيات، الآن المشهد صعب لكن مصر تستطيع أن تجتاز عقباتها المتوالية، يوماً ما سوف يحدث ذلك، لكن أين الصبر؟’. لم يُجب أحد على السؤال الأخير، فقد تأخَّر الوقت، وصار علينا أن ننصرف، لنترك الرجل الذي أبهر العالم حين غنى فوق جثامين الشهداء، ذات مقاومة، وسمعته في خطواته الوئيدة يغني ماشياً ببطء بين جثامين مدينة كاملة من الضحايا، اسمها ‘السويس’.