محسن العتيقيليس بعيدا عن محطة المسافرين، التي شيدها بذوق رفيع مهندس ألماني جعل تصميمها على شكل آلة بيانو، قصدت منحدرا يؤدي إلى حي يُستدل عليه بـ’جنان بوحسينة’ لأطمئن على حالة ‘بلقايد’، قاص ومحرر دورية محلية يطبعها كلما شاءت الأقدار، سألت عنه في مقهى مجاور، فقيل لي إنه أجّر منزلاً أرخص في ‘جنان باشا’، هكذا كانت العرائش سابقا، ضيعات برتقال ودوالي يسيجها العليق تحولت مع مر السنين إلى حقول إسمنتية، حتى أن ‘بلقايد’ نفسه تَهَجَّى في إحدى قصصه من بنايات اجتاحت ‘جنان بوحسينة’ وحرمته من استبصار مقبرة النصارى، حيث يرقد الكاتب الفرنسي جان جنيه. في قصة أخرى يعلل اختياره السكن في ‘جنان بوحسينة’، كونه سيكون فخورا بمجاورة افتراضية لمنزل قضى فيه جنيه بقية العمر إلى أن دفن بوصية منه في المدفن المقابل لنافذته ربيع 1986.واصلت في اتجاه مقبرة النصارى، وفي نيتي التقاط صورة لقبر جنيه، في الطريق اصطدمت بـ’خالد بيليلي’، يتميّح كعادته من فرط الثمالة، ورغم حاله استطاع هذا المتسكع أن يمزج بين سمعة مستفزة وأخرى تشفع له اعتراض سبيل المارة متسولا بابتذال. في نظر البعض، كان بإمكانه أن يكون عازفا مرموقا، يقولون انه يعزف ‘البلوز’ بأعجوبة على قيثارة عوجاء. عازفو القيثارات كُثر يتسكعون في أنحاء العرائش، لكن ‘بيليلي’ أمهرهم، حتى صديقة الذي استطاع بخفة دمه أن يكون عازفا مفضلا في قصر الراحل الحسن الثاني، لا يقارن ببوهيمية بيليلي. جان جنيه أيضا كان أحد المتسكعين الكبار، ولعله وجد في العرائش مكانا نموذجيا لممارسة ذلك، فسيرته على لسان معاصريه من العرائشيين لا تختلف عن صورة جنيه في كتاب محمد شكري (جان جنيه في طنجة): ‘يمشي ببطء، يداه في جيبيّ سرواله، ملابسه مهملة وسخة.. صلعته تلمع في الشمس’. غير أن يوميات تسكع جنيه بين اللصوص والبوهيميين جعلته احد أساطير الأدب العالمي، بينما يوميات بيليلي، انتحارُ متمرد بالتقسيط على مدينة لم تدوزنه على حلم أرحب.من منزله بـ’جنان بوحسينة’ إلى ظل شجرة بالمقبرة كان جنيه يتنقل مرارا، عيان رأوه باعتياد تحت الشجرة يتأبط كتابا فوق حافة ‘الماء الجديد’ البحرية. الآن يرقد بمحاذاة لها في قبر مختلف عن باقي قبور النصرانيين، لقد أوصى حسبما يرويه العرائشيون بعدم تعميده، ودفنه جهة القبلة على طريقة المسلمين أو قبالة البحر على الأرجح. في كل الأحوال يبست الشجرة وماتت بعده، وقبر جنيه لازال مزار الأدباء من كل بلاد، وبفضله نالت هذه المدينة الصغيرة شهادة فخرية تثير فضول العابرين عن سر اختيار جنيه هذه المدينة دون سواها.في الطريق عبر الكورنيش منزل على البحر ليس ببعيد عن المقبرة، يمتلكه الأديب العرائشي محمد الصيباري، هو الآخر ليس من قبيل الصدفة أن ينال أدبه المكتوب باللغة الإسبانية تكريما من ملك اسبانيا، أغلب الظن أن قصيدته المعنونة بـ’العرائش’ كانت تعويذة سيرفانتيسية، مما يفيد والعهدة على ‘كرامات الولية الصالحة لالّة منامة المصباحية’، التي ضاعفت كراماتها بارود المقاومين في وجه المستعمر، ضاعفت كذلك أداء أول فرقة مسرحية وطنية مثلت المغرب عام 1956 في مهرجان الأمم بباريس على يد رائد المسرح المغربي ابن العرائش عبدالصمد الكنفاوي. كذلك الشاعر الخمار الكنوني أيقونة مدينة القصر الكبير المجاورة، لم لا يكون إبان دراسته بالعرائش قد تبرك بصخرة من لكسوس في ديوانه ‘رماد هسبريديس’ ليصير رائدا من رواد الشعر المغربي الحديث. ومعروف كذلك أن كتاب ‘النبوغ المغربي’ طبع أول ما طبع في مطبعة بالعرائش، ولم يكن عبد الله كنون لينشره لما كان في الكتاب من تأريخ لرموز الأدب والعلم والمقاومة، أثار حفيظة المحتل الفرنسي حتى منع كتاب ‘النبوغ’.الوحيد الذي تنكر للبركة هو محمد شكري الذي لم يسعفه العمر الذي أفناه في هيام طنجة، كي يضيف لسيرة التسكع أفضال أنفاق ‘حصن النصر’ بالعرائش، حيث كان يمارس تمارينه الأولى في مجالسة البوهيميين. زيادة على ذلك، فشكري قبل أن يكتب ‘الخبز الحافي’، احتك بالأبجدية متأخرا في مدرسة الشريف الإدريسي الواقعة أعلى المنحدر المؤدي إلى منزل جنيه. على هذا من المحتمل أن شكري حين أهمل الحديث عن العرائش في كتابه ‘جان جنيه في طنجة’، كان بذلك قد أهمل ما كان جنيه يعتبره هيامه المفضل، فيما تردده على طنجة لم يكن سوى نزوة عابرة يجدد بها توقه للعرائش بشهادة شكري الناقصة. من المفترض أن نجد في أدب شكري ما يبرر هذا الإهمال، فالعرائش في ‘الخبز الحافي’ ليست إلا نزرا يسيرا من ذاكرة شكري، ذلك أننا نقرأ في الرواية وصفا على لسان صديق ينصحه بالعدول عن الذهاب إلى الخراب. أيكون شكري اكتشف ذلك وتغاضى عنه؟ أم أنه لم يكن يشعر بالعرائش كفضاء لترويج الأدب فعاد إلى طنجة الدولية، حيث سيجد تينيسي وليامز، ترومان كابوتي، جاك كيرواك، وليام بروز، وبول باولز الذي سيكتب تقديما لرواية ‘الخبز الحافي’ ويتدخل في نشرها، إذا صح المبرر الثاني سيكون احتمال خراب العرائش عند شكري ثقافيا بالأساس. لعل شكري لم يحذو جرأة جنيه في انصاف التراب العرائشي، بقدر ما حذا ‘يوميات لص’ في ‘الخبز الحافي’، ثم إن شكري يسري عليه بالجملة ما قاله سارتر ‘قراءة كتابات جنيه تعني قضاء ليلة في مبغى’. بالتمعن في المحاكاة مع التذكير أن العرائش لم تكن تنقصها المواخير في الخمسينات وحتى ما بعدها، يمكن للعرائش مؤاخذة شكري الذي لم تتسع مخيلته الأدبية سوى لطنجة. عكس ذلك اختار جنيه العرائش كمكان إقامة وموت دون غيرها من البلدان التي جالها طولا وعرضا، ولولا أن جنيه لم يهجر عالم الأدب إلى الصحافة والنضال السياسي منذ 1964، لأخذت شخوصه الجنسية العرائشية، وكنا سنقرأ على الأقل رواية أو مسرحية تدور أحداثها في ساحة التحرير أو حصن النصر، أو في المرسى، ولم لا في ضريح الولية الصالحة، أو حتى في الحبس المجاور لمكان الدفن. المبدعون في العرائش على بينة من أن جنيه ترك وصيته: ‘رجاء أريد أن أدفن في المغرب، هناك في ربوة مطلة على البحر بمقبرة العرائش’، وهم غير مندهشين من ذلك، في حين أثارت الوصية الكثير من العجب عند غيرهم. فما الذي أغرى متسكعا عالميا مثل جنيه بالبقاء تحت خرابها؟ هل كانت نقمته على فرنسا كافية لتبرير وصية شك فيها شكري واعتبرها إشاعة صحافية، وحتى ذلك التبرير الذي استند عليه شكري من قول أحد أصدقاء جنيه بالعرائش ‘إن جنيه قال يمكن أن أدفن في أي مكان آخر إلا العرائش’ وكذلك تعليق شكري ‘قُدّر لجنيه أن يدفن في مقبرة إسبانية قديمة أكثر المدفونين فيها عساكر في الجيش الاسباني، وهي قريبة من بناء كان ثكنة عسكرية إسبانية’، هو تبرير لا يسلم من إحالة تلوح بعدم استحقاق العرائش، خلافا للوصية، قبراً لأديب متسكع فاق الشهرة.