الثورة لا تتحقق الا اذا حل الجديد محل القديم

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابيتطورات الحراك السياسي والامني العربي الناجم عن انطلاق ربيع الثورات تفرض اعادة نظر في مصطلحات كثيرة من بينها ‘التغيير’ و’حق تقرير المصير’ و’الديمقراطية’ وغيرها مما يرفعه المشاركون في هذه الحراكات وما تحتويه ادبياتهم. ولكن مصطح ‘الثورة’ ربما يكون الاهم الذي يحتاج الى اعادة قراءة، بعيدا عن الاستعمالات التي قد لا تطابق المعاني السائدة لها. وما اكثر التعريفات التي طرحت للثورة، ويكفي البحث عنها في الشبكة العنكبوتية ليمكن استيعاب الكم الهائل من الاهتمام به خصوصا في العامين الاخيرين. وفي القرن الماضي كان المصطلح اكثر استعمالا في الادبيات اليسارية التي كثرت بعد الثورة الشيوعية في روسيا في 1917. وشهد نصف القرن الماضي صراعا فكريا وادبيا ملازما للحرب الباردة كان مصطلح الثورة حاضرا فيه بقوة. ولكن في العقود الثلاثة الاخيرة اصبح هناك حذر شديد من استعمال ذلك المصطلح في الاطار العربي لاسباب ثلاثة اساسية: اولها ارتباط المصطلح بالثورة الاسلامية الايرانية والجهود الغربية غير المحدودة لمنع انتشار ظاهرتها في الدول العربية خصوصا تلك المرتبطة بالمشروع الامريكي. ثانيها: حالة القمع التي هيمنت على الوضع العربي واستهدفت من يسعى للتغيير، حتى اكتظت السجون بالمعتقلين السياسيين، واصبح مصطلح الثورة مرادفا لتهمة ‘السعي لاسقاط النظام’ وهي التهمة الاخطر التي كثيرا ما وجهت لدعاة الاصلاح والتغيير في دول المنطقة العربية. ثالثها: ان هيمنة الثقافة الامريكية اقامت حواجز بين الشباب ومفاهيم التغيير. وعندما لاحت بوادر تشير لاحتمال تبلور مشاريع تغييرية في العديد من البلدان انطلقت ظاهرة العنف المسلح على اشدها التي ساهمت في تهميش التحول السياسي المنشود عن طريق الثورة الجماهيرية السلمية. منذ انطلاق ما اطلق على تسميته ‘الربيع العربي’ شاع استعمال مصطلح الثورة خصوصا بعد ان تجسد الحراك الشعبي في اوضح صوره في كل من تونس ومصر في الاسابيع الاولى بعد استشهاد الشاب التونسي محمد بوعزيزي. فجأة ظهر الحماس الشبابي للتغيير، بدون انذار سابق، فاذا شباب الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، الذي كان تحت تخدير ثقافة الاستهلاك والتمييع والاقصاء السياسي، يتحول الى بركان ثوري يطيح باعتى العروش. يمكن القول ان مصطلح الثورة استعمل على نطاق واسع آنذاك، وكانت مشاهد الجماهير في شارع ‘بورقيبة’ التونسي او ميدان التحرير في مصر مصداقا لمفاهيم الثورة الشعبية. وفي غياب الجهات الحزبية المنظمة للمظاهرات العارمة التي استحوذت على اهتمام العالم، حظي المصطلح بمصداقية اكبر. هذه المصداقية تبلورت للمرة الاولى بعد عقود من محاولات منع رياح التغيير التي كانت متوقعة بعد الاطاحة باكبر نظام حليف للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة في 1979 وادت لامتداد ‘الثورة’ الى العديد من الدول، اولها البحرين ثم اليمن ثم ليبيا. وجاءت الثورة في سورية متأخرة قليلا عن البقية. أيا كان الامر فان انتشار ظاهرة الحضور الشعبي في الشوارع الرئيسية للعديد من عواصم الدول العربية اصبح ظاهرة مرعبة لأعداء الثورة والتغيير. واستعمل مصطلح ‘سونامي’ التغيير لوصف الانتشار الثوري الذي باغت السياسات الغربية والمحلية ووضع القوى التي كانت تمثل سدا منيعا ضد محاولات الثورة والتغيير في العالم العربي في مواقع دفاعية عاجزة عن صد ذلك الحراك الذي كانت له مصاديق في اكثر الدول العربية في النصف الاول من العام الماضي. الثورة كانت العنوان الاوسع الذي يجمع هذه الحراكات، ولم تكن هناك قوة قادرة على تحجيمها او احتوائها او وقف انتشارها. ولكن تغير الموقف الامريكي بشكل مفاجىء، من التصدي لتلك الثورات الى احتضانها، اربك المشهد بشكل جوهري، وحول الظاهرة الثورية الى تطور ليس مثيرا للجدل فحسب بل مقلقا للكثيرين. وبالاضافة للتشويش على المفاهيم الراسخة في عقول الاجيال المناضلة طوال نصف القرن الماضي صاحب اقتحام امريكا مسار الثورات كافة مساويء السياسة الغربية في المنطقة: العنف، تهميش دور الجماهير، تخويف الناس من المستقبل، تعظيم الغرب وقوته العسكرية لدى الجماهير، تشطير المجتمع وفق خطوط الانتماء الايديولوجي والعرقي والديني والمذهبي، ووفق الولاء او العداء للمشروع الغربي، وترويج التطبيع مع العدو الصهيوني. في ظل هذه الفسيفساء الفكرية والنفسية، اصبح امرا مطلوبا اعادة قراءة مفاهيم ‘الثورة’ ليتم استيضاح ما يجري في الساحة العربية في ضوء ذلك. وربما تساهم هذه القراءة في اعادة التوازن للتوجهات التي تعمقت لدى المتحمسين للتغيير ووقف انزلاقها لكي لا تكون مطية للمشروع الغربي الصهيوني. وربما من اكبر الظواهر مفاجأة، الغياب الكامل للنخبة المثقفة التي طالما روجت للثورة وسعت لطمس معوقاتها خصوصا ما يرتبط بالتمايز العرقي او الديني او المذهبي. وربما الاكثر غرابة ما يبدو من استعداد لدى قطاعات مثقفة، ليبرالية واسلامية وربما محسوبة على اليسار، للسير ضمن المشروع الغربي – الصهيوني تحت ضغوط الواقع السياسي والامني، والتخلي عن النقاء الايديولوجي. البعض يفسر ذلك بانه تفكير واقعي براغماتي، حل مكان ‘الدوغما’ التي طالما وصفت بها الاطروحات المبدئية ايا كان شكلها، يسارية ام اسلامية. ان مما يصم الآذان ويزكم الانوف ان يتم تسويق المشروع الغربي الذي ارتدى لباس الثورة هذه المرة برغم عدائه لمصالح الامة وانحيازه للاحتلال الصهيوني، بانه الطريق الوحيد لتحقيق اهداف الشعوب في تحقيق الحرية والتخلص من انظمة الاستبداد. واذا أمكن استيعاب ذلك حين ينطلق من ذوي التوجهات الليبرالية، فان ما لا يمكن استيعابه او قبوله صدوره عن ذوي الاتجاهات الاسلامية او اليسارية التي طالما اتسمت علاقتها بذلك المشروع بالرفض والعداء. الامر الذي اصبح واضحا ان الحديث عن التغيير الثوري ينحسر تدريجيا على المستويين الواقعي والنفسي، خصوصا في ظل ما يحدث في مصر وليبيا وسورية بشكل خاص. وكما يقال، فان الجديد لا يكون جديدا الا اذا اصبح القديم قديما. اما ان يحدث التغيير وينجم عنه اعادة الماضي برموزه وعقليته الى الواقع العملي، فان ذلك اعادة رسم خريطة الماضي بالوان مختلفة، مع بقاء الحدود والملامح ثابتة. وعندما يترسخ الاعتقاد لدى ‘طلائع التغيير’ بانه غير ممكن الا بالتنازل عن الثوابت يمكن القول بقدر من الاطمئنان بان ‘الثورة’ انتهت، واستبدلت بمناورات سياسية لا تختلف عما يجري عندما يحدث انقلاب ابيض في احد قصور الحكم، فيستبدل الحاكم بغيره من الجنرالات او يقوم الولد بانقلاب ضد حكم والده، او يحل جناح حزبي مكان الجناح الآخر في الحكم. وتكمن المشكلة اساسا في مدى الالتزام بمشروع الثورة وعمق الايمان بقدرتها على احداث التغيير، وما اذا كان بالامكان فرض ذلك التغيير وان عارضته امريكا وبريطانيا اللتان تستمران في ادارة الملف العربي وفق اجندتهما الخاصة. وعندما يصبح فساد النظام السوري ذريعة للاستقواء بالامريكيين فان ذلك يعني ان النظام المستقبلي لن يستطيع الخروج على المشروع الامريكي الذي يدعم الكيان الاسرائيلي بكافة الاشكال ويسعى لفرض التطبيع معه على الدول العربية. وعندما يدشن الرئيس المصري (الذي انتخبته الجماهير للمرة الاولى في التاريخ المصري الحديث) عهده برسالة ‘بروتوكولية’ لرئيس الكيان الصهيوني ويضمن حكومته خمسة من وزراء الحقبة السابقة (بمن فيهم رئيس المجلس العسكري) فان ذلك يستدعي اعادة النظر بشكل جدي في مفهوم ‘الثورة’ وما اذا كانت نتائجها ستختلف عما كان سائدا قبلها. وعندما تصبح ليبيا مهددة بالانقسام الداخلي وفق خطوط العرق والانتماء المذهبي فلا يمكن استيعاب ذلك الا ضمن مقولة ان دخول امريكا على الخط في اي مكان انما هو مقدمة للمصائب والازمات. فامريكا لا تحل مشكلة الا وتخلق اكبر منها، ولا تسعى لـ ‘تحرير’ شعب من نظامه الديكتاتوري الا طوقت ذلك الشعب باستعباد من شكل آخر وهيمنة بدون حدود. وما لم يتضمن المشروع الثوري بنودا تحرر الشعوب من العقدة التي كانت لدى السادات عندما قال بان امريكا تملك 99 بالمائة من الاوراق، فانه سوف يتحول الى تغيير محدود لا يلامس ما يختزن في نفوس ‘الثوار’ الذين تمردوا في الاساس على المنظومة الغربية التي دعمت الاستبداد والاحتلال عقودا، ولن تتغير سياستها ايا كانت التطورات.كانت مصر جديرة بان تتصدر مشروع التغيير الثوري، فتصبح منارة لبقية الشعوب المتمردة ضد انظمتها. ولكن الواضح ان التطورات لا توحي بذلك، بل تطرح سؤالا جوهريا: ما جدوى التغيير اذا بقيت سياسات التعايش مع الهيمنة الامريكية والاحتلال الاسرائيلي مستمرة؟ وقد كان امام الرئيس المصري المنتخب خياران واضحان: الخيار الثوري الذي يؤكد التشبث بالقيم التي طرحها الاخوان عقودا، وفي مقدمتها تحرير فلسطين وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، واسترداد السيادة على مصر كلها ومن ضمنها سيناء، او الدخول في دهاليز السياسة التي تمتلك الاطراف الاخرى اغلب ادواتها واوراقها. الواضح حتى الآن ان الحكام الجدد لمصر اختاروا الخيار الثاني، وهو خيار لن يحقق ايا من الامرين الاساسيين لهم: البقاء في السلطة او تنفيذ اجندتهم الاسلامية. فمهما تنازل الاخوان عن مشروعهم الاسلامي، فلن يقبل المحور الآخر بهم. وقد بدأ فعلا بالاعداد لتقسيم مصر على اساس ديني، وبدأت اولى حملات التحريض ضد الاخوان بطرح ورقة المسيحيين هم وتسليح بعضهم في الشطر الغربي والجنوبي من مصر. اما الخيار الثوري فيقتضي تشكيل حكومة خالية تماما من عناصر نظام مبارك، من التكنوقراط وعناصر الثورة الشابة بدلا من المشير طنطاوي ورئيس المحكمة الدستورية وغيرهما. كان الاحرى بالرئيس مرسي ان لا يبعث رسالة الى شمعون بيريز (ان صدقت الحكومة الاسرائيلية التي بثت الخبر)، ايا كانت الضغوط والملابسات. فالتآمر ضده وضد الاخوان لن يتوقف بل ان وضوح تخليه عن المشروع الثوري يكشفه امام اعداء الثورة ويطمعهم في امكان اسقاطه. فلا بد هنا من اعادة النظر في استخدام مصطلحات الثورة والتغيير ما لم يكن لها مصاديق عملية واضحة. المشكلة تتعمق عندما يستدرج ‘الثوريون’ الى مشاريع قوى الثورة المضادة اما بالتهديد او الترغيب. فثورة ايران مثلا اتخذت قرارا حاسما بعد انتصارها فورا، بقطع العلاقات التي كان الشاه قد اقامها مع ‘اسرائيل’ واغلقت سفارة الكيان الاسرائيلية وفتحت اول سفارة لفلسطين في العالم. صحيح ان الرئيس مرسي مدد فتح معبر رفح اربع ساعات اضافية (قبل حدوث العدوان بالقرب من المعبر الهادف لافشال مبادرته)، ولكن الاجدر به ان يفتحه كاملا، فذلك قرار سيادي يفهم الامريكيين والاسرائيليين ان الوضع تغير جذريا، وان السياسات الجديدة واضحة ومباشرة ومدعومة من الشعب. ذلك هو المشروع المنسجم مع مقولة ‘الثورة’ في نقائها وعدم اخضاعها لمنطق ‘الواقعية’ و’البراغماتية’ وهو منطق يقول في الوقت نفسه ان القوي هو الذي يفرض ما يريد.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية