خوفاً من عصف التيارات الدينية: الرقابة الذاتية على الإبداع الفني، عدوى تنتقل إلى الرقباء!

حجم الخط
0

القاهرة القدس العربي من كمال القاضي: مع بداية صعود تيارات الإسلام السياسي ووصول مرشح جماعة الإخوان المسلمين د، محمد مرسي إلى الحكم وتنصيبه رئيساً للجمهورية ازدادت الحسابات داخل جهاز الرقابة على المصنفات الفنية فاتجه الرقباء نحو التشديد الأخلاقي في الحكم على المشاهد تفادياً لأي صدام محتمل، وقد تطوع الموكول إليهم مهمة تقييم الأفلام وإجازتها بهذا الفعل دون أن تصدر إليهم أية تعليمات تطالبهم بالحزم.ولكن أدى المناخ العام المشحون بالغضب إلى ردود أفعال جانب أصحابها الصواب في تقدير المسافة بين الإبداع والخطر السياسي، بحيث اعتبر الرقباء أن الهجمة الإخوانية الشرسة ضد المجلس العسكري والمحكمة الدستورية العليا يمكن أن تكون مقدمة لموقف عدائي من الفن تصبح الرقابة طرفاً فيه، فعلى الرغم من الكم المطروح من الأفلام بدور العرض والدال على سريان الحركة السينمائية كما هي دون حظر، إلا أن الوساوس والهلاوس لازالت تسيطر على البعض، وربما بدا ذلك واضحا في قناة ‘سما سينما’ التي أذاعت تنويهاً عن خريطتها الفنية والجديد من الأفلام على شاشتها مصحوباً ببعض العبارات المفسرة لمخاوف حقيقية لدى أصحاب القناة من تغير المزاج العام للمشاهد فقد ورد بالنص في تنويه القناة الموجه لمشاهديها بأنها ستنفرد بعرض افلام لا تخدش الحياء العام ولا تخجل منها الأسرة! بل أنها زادت وتزايدت بقولها واعترافها بأنها تعمل على حذف المشاهد غير اللائقة لضمان عدم الإزعاج واكتمال المتعة بالأفلام النقية، هذا التنويه الصدمة كان أول بادرة من نوعها تصدر عن قناة سينمائية متخصصة أرادت أن تحيط نفسها متخصصة أرادت أن تحيط نفسها بالأمان والحذر فإذا بها تروج المخاوف وتنقل الوساوس الى الوسائل الإبداعية الأخرى فتضع كل منها نذر الخطر نصب أعينها، وبانتقال العدوى يتأثر بعض العاملين بجهاز الرقابة على المصنفات الفنية فيتخلوا عن المعايير الفنية الثابتة لتقييم الإبداع ويقفون عند مباديء الحلال والحرام فيما يخص المعروض عليهم من سيناريوهات جديدة.بعض رؤساء الرقابة السابقين ومن بينهم د، علي أبو شادي استنكر هذه التصرفات في تصريحات له بالصحف واعتبرها مجرد مزايدات لا محل لها من الإعراب مؤكدا أن الجهاز الرقابي لا يمكن أن يتخلى عن معاييره الأساسية ويصبح خاضعاً لمخاوف وهمية، بيد أن الأمر ذاته ليس بعيدا تماما عن الواقع فالعملية الإبداعية بالفعل ستواجه صعوبات في الأيام المقبلة ليس باتخاذ قرارات رسمية لتقويضها ولكن لوجود ضغوط شعبية من بعض العناصر المنتمية لأحزاب الإسلام السياسي وعلى رأسها حزب الحرية والعدالة وحزب النور وهذان الحزبان يشكلان الآن كتلة رفض قوية يخشى على الفن والإبداع منها فهي ضد أي تجديد وليس في قاموسها الثقافي مساحة متوافرة للسينما إلا في حدود ما تراه هي مناسباً!!أي أن هناك شروطاً مسبقة يتعين على المبدعين الليبراليين النازعين الى الحرية الالتزام بها وتطبيقها وفق هوى الجماعة والجمهور الجديد للسينما ‘النظيفة’ وبالمناسبة فإن مصطلح السينما النظيفة الذي كان مستهجنا من المثقفين والسينمائيين قبل قيام الثورة بات الآن متداولا ويستخدم أحيانا حتى من جانب المثقفين أنفسهم من باب حماية السينما من الانقراض والبقاء على النوع الفني تحت أي مسمى تجنباً للاتهامات بأن الراغبون في استمرار الفن يهدفون الى تعهير وتدعير المجتمع وإشاعة الفحشاء، فهذه الصفات والوصمات برغم قسوتها وفجاجتها إلا أنها للأسف ما يتم تصديرها في معرض أي حديث عن حرية الإبداع كأنها المعادل الموضوعي للسينما أو المسرح أو الموسيقى.الحديث عن القضايا الفنية لازال شائكاً فهناك من يعتبر أن الرفض من جانب الإسلاميين للسينما يمثل ضرباً للسوق المحلية ويؤثر على حجم التوزيع الخارجي في سوق الفيلم، وبالتالي فهي مهددة حتى لو لم تصدر قرارات سلبية بشأنها لأن الأصل يعود إلى علاقتها بالجمهور، وبينما يسود هذا الرأي، يؤكد فريق آخر أن السينما والفن عموماً لن يتأثرا بموقف الإسلاميين السلبي منهما لأن هذه القطيعة بدأت منذ نشوء التيارات الدينية قبل نصف قرن وتعاظمت مع تغلغل الجماعات الإسلامية في المجتمع ومع ذلك لم تنقطع مسيرة الفن ولم تتوقف السينما عن انتاجها، بل أنها في ظل هذا الحصار شاركت في أكبر المهرجانات العالمية، وحصدت العديد من الجوائز وتم تكريم روادها ونجومها دون التفات للموقف السلبي منها وعداء جماعات التطرف الديني لهاو وبالتالي فلا خوف عليها من الأسر والتكبيل لأن الفن في مجمله ومن بينه السينما بالطبع ذائقة إنسانية كامنة في جوهر البشر وليس عرضاً يمكن زواله بالتهديد والوعيد.ثمة آراء من هذه النوعية يتم الإتكاء عليها في مجابهة تيارات الرفض وربما ثبتت جديتها في وصول السينما المصرية الى مهرجان كان بعد غياب طويل بأول فيلم عن موقعة الجمل للمخرج يسري نصر الله ‘بعد الموقعة’ فضلا عن زيادة الانتاج الدرامي التليفزيوني الى ما يقرب من الضعفين عن العام الماضي وكلها مؤشرات ايجابية تدل على المضي قدماً في طريق التحدي والإصرار.وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن مصر حصلت على لقب عاصمة الثقافة العربية من منظمة اليونسكو في ذروة الإحتدام بين القوتين المتصارعتين، الدينية والعلمانية، وهو اعتراف بامتياز المنتج الثقافي ‘الحر’ غير المقيد بوعظ أو إرشاد وليس منوطاً به إدراك الحلال واتباعه ونبذ الحرام واجتنابه.هذه هي الثقافة المصرية في عموميتها التي يعترف بها العالم وليس فقط ما تقرها أو ترفضها الجماعة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية