عدم توازن الخطاب في ليبيا

حجم الخط
0

من مقدمات قبول أي عرض أو تحليل للوقائع أو المراحل التاريخية أو الاستراتيجيات أو السياسيات في مختلف المجالات التي سبـــــق وان نفذت أو يمكن أن تنفذ في المستقبل تبين بعدها عن منطق الأهواء والنوازع والأغـــــراض الشخصية وعن هدف تشويه البديل أو تشــويه الماضي أو تزيينه بدلا من هدف فهم البديل أو فهم الماضي لإخصاب الحاضر ومحاولة استشراف المستقبل.فمثل هذا النوع من الخطاب يذكرنا بالخطاب الأيديولوجي الذي يقوم على انه الصواب المطلق وغيره الخطأ المطلق ويتعمد من اجل إثبات ذلك إقصاء الحقائق التي تتعارض معه لكي لا يعطى دليلا على ما يعانيه من نقائص أو تناقضات. وإذا كان الأمر كذلك، فانه يجب النظر دائما بحذر لأي خطاب يحيل كل مكونات الموضوع محل العرض أو التحليل إلى سواد مطلق أو إلى بياض مطلق، ففي الغالب الأعم ثنائية الايجابي والسلبي لا يخلو منها أي عمل إنساني.والحاضر شأنه شأن الماضي لا يمكن تصور أن يكون خيرا كله أو شر كله، بل أن الأمور بطبيعتها مزيج بين الخير والشر والخطأ والصواب. والحكم لا يبنى على التفضيل بين شيئين احدهما ناصع البياض والأخر شديد السواء بل على موازنة بين ايجابيات وسلبيات كل منهما.ومن هنا فانه يجب على الجميع جهاد النفس بالنظر إلى الأمور بموضوعية قدر الإمكان، والتي قد يكون من لوازمها تجزئة الماضي أو الحاضر وعدم أخذه كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة إما أن تقبل بكاملها أو أن ترفض بكاملها، فمثل هذا المنهج يسمح بالنظر في سلبيات وايجابيات كل مفردة من مفردات الموضوع بدلا من منهج الرفض أو القبول جملة وتفصيلا.من ناحية أخرى، يجب ملاحظة أن تجاهل سلبيات أو ايجابيات أي مسألة تكون محلا للنقاش يعنى ضمن ما يعنى تضخيمها. فالمسكوت عنه غالبا ما يكتسب قيمة إضافية في الأذهان. حيث أن السكوت عن السلبية في حد ذاته يعكس خطورة إبرازها بالنسبة لما نود أن يقبل، والسكوت عن الايجابية يعكس أهميتها بالنسبة لما نود أن يرفض.ومثال ذلك، الخطاب الذي كان موجها لفترة الملكية في ليبيا حيث تم وصفها بكل المثالب وقال فيها الخطاب والتحليل السياسي الذي كان مسيطرا في ليبيا ما قال مالك في الخمر، الأمر الذي جعل البعض ينظر لفترة الملكية على أنها خير مطلق ونعيم زال ولذلك فهو لا يقبل أي نقد لها أو مساس بها. بمعنى أن حرمانها من أن تذكر حسناتها أدى بعد حين إلى ميل البعض بشأنها إلى خطاب لا تظهر فيه إلا الحسنات.هذا النوع من الخطاب الذي يتجاهل عمدا السلبيات أو الايجابيات بحسب الأحوال يحوي ـ أيضا- خوفا أو طمعا مما هو سائد أو ممن هو مسيطر أو يبدو أنه كذلك. وهو في الغالب لا يكون خطابا من اجل الوطن بل هو صورة من صور تجسيد الوطن في شخص أو اتجاه أو حزب يسعى مصدر الخطاب أن تتطابق أفكاره معه كما كانت الحال في الوقت القريب جدا.من ناحية أخرى قد يكون هذا النوع من الخطاب وسيلة من وسائل الدفاع، فالعجز عن مواجهة الواقع وبناء مكوناته قد يدفع البعض إلى اللجوء إلى قذف الماضي لتبرير الحاضر. وهو نفس السلوك الذي اتبعه الماضي القريب في مواجهة ماضيه. بمعنى انه يتحول إلى خطاب يركز على السقوط لاكتساب الشرعية لعجزه أن يكون خطابا بناء وذلك بلفت النظر إلى تشوهات الماضي. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نخشى أن يسود هذا النوع من الخطاب في ليبيا على نحو ينزع عن التغيير أو التحول احد أهم ركائزه المتمثلة في التحول في منهج التفكير ومن ثم في منهج الخطاب وأن يكون وسيلة للهروب من كشف حال المجتمع والتستر على عوراته وعيوبه وسبيلا للبعض للتعيش على تغطيه الانتهاكات والفضائح الحالية بنقل الخطاب إلى انتهاكات وفضائح الماضي، فالجريمة يجب أن ينظر لها كجريمة بغض النظر عن الجاني والمجني عليه. وأخير، يمكننا أن نلاحظ أنه بقدر ما يكون الخطاب بعيدا عن الاحتراز من التحيز من اجل الوصول للموضوعية بقدر ما كانت هناك شبهات تحيط بصاحبه قد ترقى إلى درجة كونها قرائن على الاختلال القيمي لديه.د. الهادي بوحمرةطرابلس ـ ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية