■ أظهرت الحملة الانتخابية للسيسي الشعب المصري بصورة غايةً في القبح اعتمدت على الإتيان بأشخاص من الطبقة الفقيرة المسحوقة وتصويرهم وهم يتمايلون ويرقصون متغنين بأمجاده المفترضة؛ وحتى لقاءاته بمؤيديه طغت عليها الإشادة بوسامته ورجولته المتدفقه، بدلاً من مناقشة إنجازاته – إن وجدت – وخططه المستقبلية، وجرى الحديث دائماً عنه وكأنه نجم أو فنان وليس مرشحاً للرئاسة؛ فهل منظمو تلك اللقاءات أثّرت بهم المؤتمرات الصحافية للفنانين لدرجة لم يتمكنوا من التفريق بينها وبين ما تتطلبه المؤتمرات الانتخابية من جديّة؟ أم أنّ كل ذلك كان مقصوداً فهذا ما تقتضيه صناعة الديكتاتور بأدقّ حذافيرها؟
في الواقع انه ليس لديهم ما يقدمونه، وعنوا من ذلك إبراز أولئك المسحوقين والأميين وهم يرقصون على أنغام الموسيقى ويغنون وقد ألصقوا أنفسهم بالسلطان مع أغلب أقرانهم الفنانين، يربطهم حبل لا يكمن وصفه إلا بحبل المصالح الآثمة يشدّهم إلى جدهم البحتري الذي عاصر سبعة خلفاء عباسيين، كلما مات أحدهم رثاه ومدح خليفته، وهم في النهاية مع مَنْ غلب. يُقصد من خروج ذلك المشهد على الرأي العام العالمي إظهار الشعب المصري على أنّه متخلف ينقصه الكثير قبل الانتقال إلى الديمقراطية، وكذلك تكريس حكم الغوغاء، فأي ديكتاتور سيتوجه بخطابه إلى الطبقة المثقفة التي تعرف خبايا الأمور وحقائقها، لا بل يُقصد تجاهلها وإخفاء دورها مع بقايا الطبقة المتوسطة، وهم الحاضن التاريخي للديمقراطية، وهذا ديدن الديكتاتوريات الشمولية التي تركّز على سفاسف الأمور وتحــــوّل بماكيــــنتها الإعلامية الكاذبة التفاهات إلى مشاريع قومية ووطنية، وتحشد عدداً من الأميين حــولها ليأتي دور وسائل الإعلام – المملوكه بكلّيتها لمن أثروا عقب تقاسمهم القطاع العام بعد خصخصته إبان عهد مبارك – لتصــــوّرهم على أنّهم غالبية الشعب، وأنّهــــم المستفـــيدون الحقيقـــيون من ذلك الديكتاتور؛ في حين أنّ أغلب المصـــريين الفقراء البسطاء هم من يدفع فواتير ممارسات تلك الأنظمة من دمائهم ولقمة عيشهم، وكانوا وما يزالون خارج دوائر الاهتمام. تقدّم الأحزاب في الغرب عادة مرشحيها وتنتقيهم من الخطباء المفوهين ممن عركتهم خبرة السياسة لسنين؛ يحيط بهم مستشارون في شتى المجالات يضعون لهم الخطط ويتدارسونها فيقود من ينجح منهم في الانتخابات بلاده إلى التقدم ويعبر بها خنادق الأزمات، وهم أصلاً تُدار بلادهم بمنطق الخطط الإستراتيجية ولا تتغير سياساتها بتغير الحزب الحاكم الذي يقتصر دوره فقط على إدارة البلاد وفق تلك الخطط لا أكثر؛ فماذا لدى السيسي ليقدمه غير وسامة يُتهم بها! ولغة عامية لا يستطيع المرء كتم ضحكته لدى سماعه، وهو يجهد كثيراً لينتشل بعض الكلمات الهاربة من قاموس مفرداته العسكرية.
لا ينقص المرشح الآخر الذكاء ليقحم نفسه في منافسة الحاكم الفعلي لمصر منذ انقلاب 3 يوليو/تموز، وهو متأكد أنّ دوره لن يتعدى الإشبين، ولن يكون العريس أبداً والسيسي نفسه اعترف أنّ مصر بحاجة لخمس وعشرين سنة للوصول إلى الديمقراطية. وهذا أيضاً ما يتشدق به الكثيرون من مؤيدي الانقلاب، وقد ظهر بما لا يقبل الشك، إثر مقاطعة أغلب المصريين للانتخابات، أنّ كل الدعايات والفبركات الإعلامية والكذب المفضوح لم تعد تنطلي على أحد، وقد ولى عهد البروباغاندا الشمولية إلى الأبد، أما من يسيطر على أرض الواقع فهم رفاق السيسي في الجيش والمخابرات والشرطة وأدواته في الانقلاب وفضّ اعتصامي رابعة والنهضة بتمويل خليجي، وتستمرّ ممارساتهم القمعية إلى الآن في مواجهة المظاهرات الرافضة للانقلاب، وجرائمه ضد مواطنيه في سيناء التي تفوق ممارسات الاحتلال الإسرائيلي فيها؛ والتي تبرهن على ديكتاتوريته، في وقتٍ لا تفتأ أبواقه الإعلامية في تزييف الحقائق وإخفائها، لتثبت صحة توجه الحكومة إبان عهد الرئيس مرسي إلى تحديد سقف رواتب الإعلاميين الذي كان سيترتب عليه مراقبة مداخيلهم، وبالتالي القضاء على أي محاولة لاستغلالهم بذلك الشكل، ولا يوجد غير تفسير منطقي واحد لموقفهم مما جرى ويجري على التراب المصري، إنّها المصالح والمال الحرام.
يقارنه أنصاره بجمال عبد الناصر ويتبجحون بذلك، وهي مقارنه صحيحة 100% فكلا الرجلين انقلب على ثورة شعبية واستولى على السلطة بالقوة، بعد أن قمع ونكّل بمعارضيه، الصناع الحقيقيين لتلك الثورات أو الانتفاضات، وكرّس نفسه ديكتاتوراً، وكلا الرجلين تدعمه الولايات المتحدة في الخفاء، في حين يظهر ميله لروسيا، جمال عبد الناصر خسر حرب 1967 أكبر حرب لمصر في تاريخها الحديث، التي لا تزال تعاني منها إلى الآن، وقد خسرت بسبب تداعياتها ولاء جيشها الذي تحول، نظير حفنة من الدولارات، إلى لعبة تدار بجهاز تحكم أمريكي، قبل استيلاء عبد الناصر على السلطة كانت مصر في مصاف الدول الناهضة، أي مثل ماليزيا واندونيسيا بمقاييس اليوم، ولم يتركها حتى أعادها إلى ما قبل عهد محمد علي، وعمل على ترسيخ حكم شمولي خرّب البلاد وقمع معارضيه بشتى السبل، وقطع أرزاقهم فما أشبه اليوم بالأمس. وما ينتظر مصر في عهد السيسي أفظع فعبد الناصر استلمها وهي في منتصف سلم التقدم الاقتصادي والحضاري، أما السيسي فغلب عليها وهي تتردى الى الحضيض فإلى أين سيصل بها؟
يسعى السيسي لإظهار صورة مصر الأمية والعمل على حكمها بأدوات دعائية تنبع من فكر شمولي أكل الدهرعليه وشرب – واختفت من أغلب بقاع العالم إلا من شرقنا العربي وبعض دول إفريقية حيث منابع الثروات – في حين يكرّس سلطانه بأدواته الأمنية ويقوم بعزل الطبقات المثقفة التي من المفترض أن يقع عليها عبء بناء البلاد وتطويرها، الأمر الذي سيترتب عليه البقاء في حالة المراوحة في أقبية التخلف والفساد، وهو يقولها واضحة إنّه رئيس لهولاء ولن يهتم بشيء أكثر من اهتمامه بتوسيع قاعدته الشعبية تلك والمحافظه عليها؛ وهذا ما يتوافق مع المصالح الغربية والإسرائيلية؛ فتبقى الدولة المصرية في أحضانهم بعيدة عن أماني أبنائها أو لعب دور محوري في المنطقة، إلى جانب الحقوق العربية.
لا توجد أي بوادر لحل قريب يعيد مصر إلى السكة الصحيحة، وهي تستعد لدخول حقبة ظلام جديدة ستكون أشد قتامة وفظاعة من سابقاتها والمستفيد من ذلك هم داعمو فرعون مصر الجديد، الذين تتشابك خطوطهم كثيراً وتتنافض أيضاً فهو صنيعة سعودية بمباركة أمريكية إسرائيلية، ولكن من المفترض أن تكون السعودية عدوة إسرائيل ولا تفعل ما تريده وأيضاً السيسي يؤيد بشار الأسد الذي تسعى السعودية لإسقاطه، السيسي مدعوم من بوتين الذي تمقته السعودية؛ فهل كل ما يتردد في الإعلام محض أكاذيب، أم أنّنا نحن من نعمي أعيننا عن الحقيقة الساطعة؟ فملة الديكتاتوريين واحدة.
٭ كاتب سوري
بشار عمر الجوباسي