«برام بساريا» .. قصص ليس فيها من سمات الكتابة النسوية غير الطعم

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من كمال القاضي: لم تستهوها النسوية الشائعة ولم تنجرف الى تيار الأدب العاري الذي يتخذ من الغريزة الجنسية عنوانا رئيسيا لاعترافات إباحية تعطي فرصة لرواج العمل الأدبي وتساعد على شهرة صاحبه فتكون الترجمة رد فعل ومكسب سريع يقود الى العالمية وهي آفة كثير من كتابات نوعية رائجة الآن.
«برام بساريا» مجموعة قصصية باكورة أعمال الكاتبة والقاصة رانيا حمدي تجربة عفوية تعتمد على الموهبة الفطرية في التقاط الصور الحياتية والأنماط الاجتماعية لحكاية واقعية أبطالها من لحم ودم يعيشون بيننا يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق اعتماد كلي على تفاصيل حقيقية لا مجال فيها لإعمال الخيال، وهو أمر دال على بكارة التجربة الإبداعية عند الكاتبة التي لا زالت في طور التكوين والتجريب ولكنها تمتلك القدرة على النسيج والسرد بالتزام واع باللغة التعبيرية المنطبقة دون شوائب الثرثرة والإدعاء وإيهام الحداثة وعمق الأفكار.
«برام بساريا» كتابة قصصية مستوحاة من ممارسات يومية لرانيا حمدي في البيت والشارع والعمل وفي كثير من الأحيان استدعاء لذكريات قديمة وخبرات متراكمة موروثة من تجارب الأم والجدة، ولعلها القصة الأولى تشي بوضوح بهذا المعنى فهي تتحدث عن مهارة الجدة في الطهي وإعداد الطعام وتنوع المأكولات الشهية تحت عنوان المجموعة الرئيسية المشار إليه سلفا «برام بساريا» فقط ليس مخلا بالسياق الأدبي ولا إيقاع الكتابة.
وبذات الاستدعاء للذكريات المشتركة بينها وبين جيل أخر عاش الحياة بشكلها البسيط ومكوناتها الشعبية جاءت القصة الثانية «طبلة المسحراتي» دالة على أن ثمة تعلقا بفترة الطفولة وطقوسها لا يزال هو الأبرز في ملامح الكتابة القصصية لدى رانيا، فهي لم تفلت بعد من تاريخها الطفولي القريب وظلال البراءة حتى وهي تقف على مسافة زمنية تفصلها عن حكاياتها القديمة لم تستغرق التفاصيل الخاصة القاصة ولكنها عرجت على هموم إنسانية تتصل بالمسحراتي نفسه ذلك الرجل البسيط الذي يمثل له شهر رمضان موسما ثريا في الرزق يتكرر فقط مرة كل عام ويصفه المسحراتي بشهر الكرم والجود لما يتاح خلاله من إنفراجة حقيقية في الدخل اليومي لرجل يعيش على حد الكفاف.
أما في قصتها الأخرى «تراجي» فترصد رانيا حمدي النموذج المغاير والنقيض لحالة الشظف فهي تأخذنا الى عالم الأمراء والملوك والأبهة والعظمة والأوامر والنواهي الى اخر الأجواء والرموز المتعلقة بأصحاب السمو والفخامة والمعالي في محاولة منها للفت النظر للفوارق الطبقية البالغة في العمق والهوة السحيقة الحادثة بين طبقتين من البشر لهم ذات الصفات والسمات ولكنها التقسيمات الكونية تجعلهم فوق بعض درجات لحكمة إلهية فوق مستوى إدراكنا.
ومن قمة العرش بالكرسي الملكي الى السطوح نعود الى قاع المجتمع حيث يؤدي ببعض الناس الى الخروج على القانون وارتكاب جرائم السرقة والقتل. ففي قصة السطوح تحدث المطاردة بين رجال الشرطة وأحد اللصوص ومن سطح الى سطح ومن بيت الى بيت يأتي استعراض العينات البشرية من قاطني الأحياء الفقيرة في إشارة دلالية مهمة الى أن ظهور البيوت وأسطحها مرايا كاشفة لما يدور داخلها وهي أيضا ربما تكون في حالات ليست قليلة عناوين المآسي تتوارى خلف الجدران وجرائم ترتكب وضحايا يسقطون واحدا تلو الاخر بفعل التعاسة وسوء الحظ والمعيشة الضنك حيث ترسم رانيا حمدي مشهدا دراماتيكيا غنيا عن تفاصيل سقوط اللص من فوق سطح احدى العمارات أثناء المطاردة اثر إطلاق النار عليه من أحد الضباط فيسدل الستار على الفصل الأخير من حياة المواطن الشقي وتنتهي مسيرة الترحال والقفز من سطح لسطح نهاية مفتوحة دون تعليق ليبقى المعنى الأشمل والأوسع والأبلغ في عقل القارئ.
قصص وحكايات كثيرة وردت في المجموعة الأدبية المسماة «برام بساريا» استعرضنا أمثلة ونماذج لإبداع فطري لم يلوث بعد الأفكار والرؤى الفلسفية والسياسية العميقة وإن كان ينقصه بعض الخبرة في تطوير الحدث وعدم إخضاعه للواقعية المحضة لتأكيد الصدق وإحداث التأثير التراجيدي والانفعالي المطلوب وهي ذاتها أخطاء وعيوب التجربة الأولى التي ينزع فيها الكاتب الى الإقناع ويشحذ كل طاقته للوصول الى ذروة الإحساس بما يتصوره هو عن شخصياته وإبداعه وليس ما يراه الآخرون ومن ثم تكون المباشرة في الانحياز للشخصية الإيجابية مثلا دليلا على بدائية التجربة وعدم قدرة الكاتب على التجرد و الوقوف على مسافة واحدة من كل الشخصيات الدرامية أو الافتراضية على اعتبار أن جميعها من بنات أفكاره ويستوجب ذلك أن يكون حياديا لا مع ولا ضد بمعنى أن يقف تماما خارج العمل قصة كان أو رواية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية