د. فاضل البدراني في متابعة لأحدى الفضائيات العراقية التي انشغلت مثل نظيراتها الأخريات في شهر رمضان المبارك بأعداد البرامج المتنوعة التي تميزها عن باقي شهور السنة كثيرا، ومنها البرامج الحوارية التي تتعلق بمناقشة الشأن العراقي المعقد بكل جوانبه،استضافت أحد الوجوه الاجتماعية العشائرية المتواضع بأمكانية التعبير والثروة اللغوية لكنه مشهور بحدة انتقاداته اللاذعة بأسلوب فكاهي يميزه عن غيره، وهو ما جعله يكون محور اهتمام الفضائيات في السنوات الأخيرة باجراء المقابلات معه تبعا لتلك الخصوصية في حواراته ،ذلك هو الشيخ علي حاتم سليمان.وعندما سئل عن تقييمه لأداء أعضاء مجلس النواب العراقي في تشريعاتهم للقوانين التي تنظم شؤون البلاد الداخلية والخارجية، أجاب بامتعاض وسخرية وهزلية حديث تضحك حتى الحزين، بقوله ‘ان البرلمان الذي يترك شعبه جائعا وحدوده مفتوحة لكل من هب ودب من الأعداء للعبث بأمنه الوطني على مدى تسع سنوات، بينما هو مشغول بمناقشة موضوع تغيير النشيد الوطني دون اتفاق، فاعتقد لو يأتون بساجدة عبيد (مطربة شعبية بسيطة) لوضع لحن للنشيد الوطني أفضل لهم من هذا الخلاف’ واستطرد في كيل الاتهامات للبرلمان بانشغاله بالفساد وجمع الثروات وغير ذلك. لكن ما يعنينا في الأمر ان هذا الانتقاد الحاد من رجل بسيط لعله حرك مشاعر العراقيين عندما أضحكتهم صراحته رغم قساوتها مع خالص احترامنا للنشيد الوطني الذي يمثل لغة العراقيين في حب الوطن وما أجمل الكلام عندما يرفرف على أنغامه علم العراق. انما يؤكد عمق الخلافات داخل قبة البرلمان وانحسارها في أشكالية التخبط العشوائي عند تشريع قوانين ليس لها أولويات بواقع البلاد المثقل بملفات شائكة. فالبرلمان عندما يشغل نفسه في قضية دخول العراق في منظمة دولية لحظر الألغام ولاكثر من مرة في قضية تبديل النشيد الوطني ولأكثر من مرة ايضا في تبديل علم العراق كلها جاءت عقب غزو العراق عام 2003 ،انما هو دليل جازم بأنه برلمان متقاعس تماما عن اداء واجباته حيال الشعب. فالسؤال الملح هنا، من ألأهم مناقشة، موضوع دخول العراق في منظمة حظر الألغام الدولية؟، أم التصويت على قانون الموازنة المالية التكميلية التي تنتظرها ملايين الناس لأجل اقرارها وايجاد فرص عمل للتوظيف وتمشية امور الدولة ومؤسساتها؟. وأيهما أهم مناقشة قانون تصديق اتفاقية التعاون القانوني والقضائي في المسائل المدنية والأحوال الشخصية بين العراق وايران؟. أم سرعة حسم موضوع قانون العفو العام لأخراج آلاف السجناء المظلومين من سجونهم واعادتهم لعائلاتهم؟. وأيهما الأحق في المناقشة موضوع استبدال علم العراق الذي استبدل أصلا قبل ثلاثة أعوام؟. أم سرعة التصويت على اخراج ما تبقى من مرتزقة الاحتلال الغــــربي وتخليص بغداد من شرورهم؟. وهل الأفضل تغليب مناقشة جعل اللغة الكردية لغة رسمية الى جانب العربية في البلاد واشراكها في لحن النشيد الوطني مع غيرها من اللغات؟، أم مناقشة قانون توفــــير الخدمات للمواطن العراقي الذي يعاني من ابسط الحقوق التي يتمتع بها الأنسان الأفريقي في بلدان المجاعة الجماعية؟.ومن الأهم مناقشة قضية سحب الثقة عن هذا المسؤول أو ذاك والتهجم على آخر ثالث اثناء جلسة الانعقاد؟.أم الاتفاق بروح أخوية على تشريع قانون يعيد صياغة الدستور الملغوم من قبل الاحتلال الأمريكي ويمثل جوهر الخلافات السياسية بين العراقيين؟. ان الخطوات التنموية الناجحة التي سلكتها البلدان المتحضرة سابقا، شرعت قوانينها برلماناتها،لكن لو نسأل ما هي نوعية هذه البرلمانات التي أنتجت هكذا صورة مشرقة لبلدانها ؟ نصل الى حقيقة ان هنالك شروطا خاصة بقبول عضوية البرلماني، ومنها ان يكون أولا مخلصا لوطنه ومن ثم متخصصا ولا يدخل قبة البرلمان من ليس لديه مؤهل علمي وحتى لو توفرت الشهادة العلمية الجامعية لكن من دون توفر عنصر القدرة على العطاء في التعاطي مع متطلبات الحياة التي يحتاجها المجتمع، فانه لا مجال له في بيت الشعب الكبير. ومع كل الاحترام لما يمتلكه البرلمان العراقي من عقليات فذة عند الكثير منهم، فهنالك من لا يمتلك المؤهل العلمي ولا القدرة على العطاء،اضافة الى انتشار فايروس التشنج في العلاقات داخل قبة البرلمان وكأن ابليس يجلس بينهم للتفرقة، وأساس هذا المرض المعدي فقدان الثقة في أعلى مستوياتها. فالشعب سحق بوهم الديمقراطية وضاع بين أهواء البرلمان وتخبطه بغياب الآلية التي ينبغي ان تضع الأولويات للأهم ثم المهم ثم الأقل أهمية وفق قالب الهرم المقلوب كما تعتمدها المؤسسات الأعلامية في الصياغات الأخبارية بعدها حق من حقوق القاريء، وعندها ستكون الأولويات لما يهم الشعب بتفاصيل حياته اليومية من امن وسلام واقتصاد وخدمات واتفاق على الحفاظ على وحدة الوطن،وهذه أهم بكثير من عزف النشيد بلغة عربية او تركمانية او كردية او ايزيدية او اشورية او صابئية وغيرها. فصدق الرجل البسيط بكلامه الفكاهي لأنه نطق بحق الشعب بينما غابت أصوات 325 نائبا برلمانيا.’ كاتب وصحافي عراقي