دمشق والسقوط من الداخل

حجم الخط
0

احمد عبد الحق في مواجهته لإنتفاضة الشعب السوري، يبدو ان نظام دمشق نجح الى حد كبير، ولو مرحليا ً، في ادارة المعركة، سياسيا وعسكريا ً، على اكثر من صعيد. فعلى الصعيد السياسي تمكن ،ابتداءً، من استثمار علاقته التاريخية، بغض النظر عن حقيقتها، مع فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله، ليقدم نفسه قلعة ً للصمود والتصدي وحصنا ً للمقاومة والممانعة. واستطاع بذلك تأمين جبهة عريضة من المؤيدين له في الداخل والخارج. وبالرغم من ان تاريخه ‘ النضالي ‘، من تل الزعتر الى حصار بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا الى حفر الباطن، لا يشرّف عربيا ً غيورا ً، الا انه تمكن من ايجاد تيار لا يستهان به من المناصرين له في صفوف جمهرة من السياسيين والبرلمانيين والاعلاميين والمثقفين على امتداد المنطقة العربية وبشكل خاص ضمن صفوف المهتمين في الجارين الاقرب، الاردن ولبنان. ولم يكن ذلك بالامر العسير، فالمناوئين لنظام الاسد في المعسكرالرسمي العربي، قطر والسعودية بشكل خاص، ليسوا افضل من يتحدث عن الحرية والديموقراطية. ثم ان النظام السوري استطاع، ثانيا ً، ان يحكم قبضته، شريانا ًحيويا ًو رئة ً وحيدة ً للتنفس، على حزب الله اللبناني، الذي يعتبر ذراع طهران في المنطقة وطفلها المدلل، وضمن بذلك دعما ً لوجستيا وعسكريا ًو ماديا ً لا حدود له من الاخطبوط الايراني الغني الذي لا يخفي رغبته في التمدد غربا. ثم انه تمكن، ثالثا ً، من تقديم نفسه على انه النظام العلماني المدني الوحيد في منطقة عربية تتنازعها تيارات دينية وطائفية، وانه، بالتالي، يمثل العائق الاهم في وجه تمدد الاسلام السياسي، وكان هذا، في ظنه، مطلبا ًغربيا ً. ونجح، رابعا ً، في تكريس نفسه موقعا ً متقدما ً واساسيا ً للوقوف بوجه الثور الامريكي الذي تطمح موسكو وبكين الى كبح جماحه وارغامه على الاقرار بوجودهما وحضورهما الدولي على الصعيد الاقتصادي والسياسي، بل وحتى العسكري، وبذلك تمكنت دمشق من ضمان الفيتو تلو الفيتو في مجلس الامن ومنعت بالتالي عملا ً عسكريا ً لا يرغب اوباما، ولا يستطيع، القيام به دون غطاء دولي في سنة انتخابات لها عند واشنطن الاولوية الاولى. اما عسكريا ً، فقد اطلقت القيادة السياسية يد الجيش النظامي للقضاء على ‘بؤر الارهاب’ دون رحمة ولا هوادة. وفي غياب دعم خارجي غير خجول، فإن قوى المعارضة لن تتمكن من الصمود طويلا ً، وبدا ذلك واضحا ً للعيان خلال الايام القليلة الماضية التي شهدت قتالا ًضاريا ً في بعض مناطق حلب. فقد تمكنت قوات الاسد من حسم الامور لصالحها بدموية وعنف غير مسبوقين مستخدمة في ذلك آلة عسكرية جبارة وغطاء جوي فاعل. ان الوضع الميداني لمقاتلي الجيش الحر يبدو صعبا ً للغاية، فبالرغم من استمرار مسلسل الانشقاقات في صفوف القوات النظامية، والتصدّع البطيء في البنية السياسية للنظام الحاكم، الا ان غياب الدعم الضروري لاستمرار المقاومة وتصعيدها قد يؤدي الى تحول الجيش الحر الى مجموعات مسلحة تفتقر الى المقوّمات الاساسية المتعلقة بالقيادة والسيطرة، ويقتصر نشاطها على عمليات متفرقة تشكل شوكة في خاصرة النظام ولكنها تعجز عن اسقاطه على الصعيد الاعلامي لم يكن نجاح دمشق في هذا المجال بحجم نجاحها على الصعيدين العسكري والسياسي، فعلى الرغم من تدارك الاعلام الرسمي لسقطاته المبكرة التي صورته اعلاما ًمخابراتيا ًصاخبا ً في الايام الاولى ونجاحه في الابتعاد عن الانفعال والضجيج، الا انه فشل في الموائمة بين هذا الهدوء من جهة وبين المصداقية والذكاء من جهة اخرى، فاستضاف، مثلا ً، العشرات من المطبّلين والمزمّرين من الاعلاميين والنشطاء السياسيين في بيروت وعمّان ممن يُعتبرون، في أعين الكثيرين من مواطنيهم، ‘ شبّيحة ‘ لا يعوّل على تنظيرهم المتعلق بالحرية والعدالة والصمود والممانعة. ثم انه بالغ، الى حد السذاجة، في مسألة الهدوء والابتعاد عن الانفعال فلجأ الى التعامل مع الكارثة الوطنية والالم اليومي باستخفاف رخيص وصل حد بث مسلسلات اجتماعية تقترب من الكوميديا في نفس اليوم الذي يقتل فيه العشرات من مواطنيه. من الواضح ان الآلة الاعلامية السورية لم توفــــر جــــهدا ّ ولا مالا ً في محاولتها تلميع الحكم وتحسين صورته، الا انها لم تنجح في تقديم اعلام يتمتع بقدر معقول من المصداقية وان ظل هادئا ً في كثير من الاحيان هذا النجاح النسبي للنظام السوري في ادارة الازمــة لم يكن كافيا ً للوصول به الى برّ الامان، فقد عجزت دمشق عن الاستفادة من دروس الربيع العربي واصرّت على انها ليست تونس ولا القــــاهرة فانزلقت نحو سيناريوهات ليبية كان من الممكن تفاديها. لم يفلح الحكم، اولا ً، في ادراك جوهر التغيير الاصلاحي المطلوب الذي يؤدي الى التعددية السياسية وتداول السلطة، فلجأ الى اجراءات تجميلية ساذجة لنظام سياسي يعشّش الفساد في جذوره، وزاوج ذلك، ثانيا ً، بإستخفاف وبطء في التحرك مما الهب جذوة الانتفاضة وسارع في تمددها وزيادة اوارها. اما ثالثة الاثافي فكانت تغييب الاسد الفعلي للحل السياسي لصالح القبضة الحديدية التي اوغلت في دماء السوريين دون رحمة ولا هوادة. فانتهكت حرماتهم وقطّعت اوصالهم وشتّت شملهم. وكانت مشاهد الذبح والقصف والتدمير تدخل الى كل بيت وتدمي كل قلب، وقبل ان يتمكن السوريون من دفن موتاهم، كانت ادوات النظام تتوعدهم بالمزيد.لم يترك رعب الموت وحجم الدمار وحدّة الكراهية والعنف مجالا ً لأي شكل من اشكال المصالحة الوطنية، فوصلت الازمة الى نقطة اللاعودة، ولم تعد السيناريوهات المطروحة تتحدث عن سوريا الاسد، وانما عن ما بعد الاسد، وغالبا ً، عن ما بعد البعث.لن تحسم المعركة في سوريا على الطريقة الليبية. فموسكو التي غضت الطرف عن ضربات الناتو لليبيا وعقيدها، عادت في دمشق قيصرا ً روسيّا ً يطمح لإستعادة دوره التاريخي، وبكين التي لم تذرف دمعة على نظام طرابلس، الذي لم يكن يعني لها شيئا ً، تتمدد الآن تنّينا ً صينيا ً يبحث عن مساومات تعزّز جبروته الاقتصادي وتؤكد موقعه كرقم صعب في المعادلة الاممية. لن يكون الخروج من الازمة السورية سهلا ًو لا سريعا ً، غير انه من المؤكد ان بشار الاسد قد اصبح خارج الحل. ومن المرجح ان حسم المسألة لن يكون بتدخل خارجي واضح ومعلن، وانما نتيجة حراك داخلي يتعاظم ويتأجج بموازاة تصاعد عنف النظام ودمويته، الى جانب حصار اقتصادي وعقوبات دولية لن تفلح خزائن موسكو وطهران، غير المفتوحة الى الابد، في التقليل من اضرارها. ومن غير المستبعد ان يكون عنوان الحسم الداخلي انقلابا ً عسكريا ً يعيدنا الى مرحلة الستينات من القرن الماضي، فعلى الرغم من ان الانقلابات العسكرية، حتى في سوريا، لم تعد تتفق مع لغة العصر ومنطق الحاضر، الا ان التعويل على مخلص يدخل ابواب قاسيون على ظهر دبابة او عربة عسكرية ليس مستهجنا ً، ولكنه، اذا حدث، لن يتجاوز عملية دموية تنتهي بسحل الحاكم وصَحْبه في ساحة المرجة وعلى ضفاف بردى قبل ان تعود الامور الى المربع الاول، فالثورة السورية لا تهدف الى الخلاص من الاسد فحسب وانما الى الخلاص من نهجه ونهج التفرد والظلامية وغياب العدالة.من ناحية اخرى، يبدو الارتباط الوثيق والمعقد بين المكوّن الايراني في الازمة مع الداخل اللبناني وتقاطعه مع الهلال الشيعي الممتد من الضاحية الجنوبية لبيروت الى اطراف افغانستان، الى جانب تداخلات البرنامج النووي الايراني والتحرك الاسرائيلي في هذا الاتجاه، يجعل من احتمال تحوّل الازمة السورية الى نقطة تفجّر تتجاوز الاقليم امرا ًغير بعيد.من المأمول ان يكون الخلاص من الاسد، كشخص وكنهج، مقدمة اولى لخروج سوريا من دوامة العنف والتسلط الى فضاء التعددية والحرية والعدالة كيانا ًواحدا ًمتماسكا ً، الا ان الخصوصية السورية مع تعقيدات الوضع الاقليمي تجعل هذا الحلم صعبا ً وان لم يكن مستحيلا ً. ويخشى ان تستجير سوريا من رمضاء الاسد بنار حرب اهلية طائفية جهوية تمزّق البلاد وتفرّق العباد وتنتهي بنا الى عراق آخر مقسم بين امراء الطوائف والملل، او الى كيانات جديدة يحكمها شيوخ النفط وسادة البيت الابيض.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية