فِقه الاستغناء !

حجم الخط
0

خيري منصورمن أدنى دلالاتها في الاستخدام اليومي المألوف حتى أقصى تجلياتها في الزّهد والاكتفاء، تبقى مفردة الاستغناء مثارا لتأملات وتداعيات لا آخر لها، فالانسان في تعبيره اليومي والعفوي قد يستغني عن أداة او سلعة فقدت صلاحيتها، لكن هذا الانسان في اعلى مراحل التحصّن ضد اسالة اللعاب، يعني بالاستغناء نمطا آخر من الغنى النفسي والذاتي. ويبقى رهانه الوجودي على ان يكون او لا يكون بالمعنى الشكسبيري، بحيث لا يتحول الى ان يملك او يكون كما يقول اريك فروم في كتاب مكرس لهاجس الامتلاك المضاد للاستغناء، ففي كتاب فروم ثمة أطروحات تمتاز بالطرافة والفرادة منها ان هاجس الامتلاك لدى الانسان المعاصر الذي حوله الاستهلاك الى كائن احادي البعد تمدد بحيث حوّل حتى الامراض الى ملكية تنسب للمرضى، بحيث يقول من يشكو من صداع او مرض عضال ان عنده صداع ولديه هذا المرض، يحدث هذا الافراط في هاجس الامتلاك بلا وعي احيانا، لهذا حلت الملكية مكان الكينونة، واصبح الانسان رهينة ما يمتلك وفريسة ما يطمح الى امتلاكه وهو آخر من يعلم .وقد لا يكون هناك فقه او فلسفة للاستغناء بالمعنى المدرسي لأن هذه التجربة ذاتية اولا، ووجودية داخلية ثانيا، وهي وثيقة الصلة وعلى نحو عضوي بالحاجة تلك التي قيل في موروثنا الشعبي ان صاحبها ارعن بحيث يصاب بالعمى المؤقت اذا ألحت عليه واستبدت به، فلا يفكر الا بها وبالتالي تفرض نفسها غاية وليس مجرد وسيلة، وهذا النمط المبكر من الميكافيلية او الذرائعية عرفه الانسان قبل ميكافيلي وبرغمانوس، لكن ليس كل صاحب حاجة ارعن، فأحيانا يتغذى نقصان الحاجة من اشباع آخر غير تقليدي وغير عضوي او مادي .وباستثناء التجارب الصوفية وما يمكن تأويله من العذرية سواء تعلقت بالحب او بأي امتناع آخر فإن الاستغناء تجربة تعيش وتنمو بالمران، ولها تأهيل آخر قد لا يرد ذكره في كتب المواعظ والامثولات، ذلك لأن شحذ الجوع بمختلف اشكاله ومجالاته يتطلب اشباعا فوريا، وبلا أي تصعيد بالمعنى الفرويدي المعروف، حيث يقابل هذا التصعيد لدى كائنات متفوقة على غرائزها ما يسمى التّسفيل وهو ارتهان كائنات اخرى لغرائزها بحيث تفهم الحرية مثلا على انها فعل ما تريد وليس الامتناع عن هذا الفعل بدوافع التفوق والتصعيد والاستغناء .* * * * * ””’والاستغناء ليس حكرا على ما يفرزه الاستهلاك كثقافة مفعول بها، ومقتصرة على التلقي فقط، انه يشمل الالقاب الاشبه بالقبعات التي لا تزيد او تنقص من حقيقة الشخص، كما يشمل الاعترافات القادمة من غير ذوي الاختصاص، بحيث لا ينشغل المبدع مثلا بالصدى الاجتماعي لما ينجزه لأنه هو الذ ي يحدد جهة البوصلة، وبالتالي ثنائية الحقيقة والوهم، وهذا ما يفسر لنا ظاهرة مزمنة في التاريخ هي الاعترافات المتأخرة بمبدعين وبعد رحيلهم، وينطبق هذا على مئات وربما الوف من مبدعي العالم من مختلف القارات والثقافات . منهم كافكا ومارسيل بروست واملي ديكنسون والتوحيدي وابن خلدون وآخرون لا يتسع المقام لذكرهم، فالشعور بالاستغناء لدى هؤلاء انتج لديهم اكتفاء ذاتيا وغنى داخليا بحيث استغرقوا الى النهاية في عملهم بمعزل عن النتائج الفورية وقد لا يدرك من لم يجربوا الاستغناء كم هي خساراتهم وعذاباتهم لأن ما لديهم من جوع مشحوذ على الدوام لا يمكن اشباعه . وكل اشباع مؤقت يفضي بالضرورة الى ما هو ابعد منه، وقد لا تحول التخمة دون مواصلة الاشباع كما كان الرومان يفعلون عندما ذبلت حضارتهم وبلغت خريفها، بحيث كانوا يأكلون حتى التخمة ثم يتقيأون بوضع اصابعهم في حلوقهم لمعاودة التهام الطعام .والاستغناء لا يتم بقرار او لمجرد ان الفكرة راقت لشخص ما اضجره الجري خلف اشباعات كاذبة ومتعاقبة لجوع مزمن، سواء كان جوعا لاعتراف او لشهرة او لتحقيق الذات اجتماعيا بأساليب وهمية خادعة تتأسس على الممالأة او المقايضات الفئرانية على طريقة ما يسميه علماء الاحياء تبادلية الحكّ، وحين قال اسلافنا العرب المثل الشهير ما حكّ جلدك مثل ظفرك لم يعبروا كما يبدو من سطح العبارة عن الانانية والانفصال الكائن عن الجماعة، لكأنهم كانوا يحدسون بما تحول الى معرفة علمية لدى العلماء المعاصرين الذين استخلصوا نظرية الحك المتبادل من الفئران والقردة .* * * * * * *للاستغناء حدود تفرضها الشروط العضوية التي يعيشها الان، كالحاجة الى الاخر على اكثر من صعيد، فالذكر مثلا لا يكتفي بذاته وكذلك الانثى، واخطر ما في الاستغناء اذا اكتمل هو العزلة المطلقة، بحيث تصبح الكتابة ايضا بلا دوافع، ويحدث ان ينتشي المبدع بتجاربه ولا يحولها حسب تعبير والاس فاولي في كتابه عن السوريالية، فالاخر ليس جحيما على الدوام، حتى بذلك المعنى المنسوب وجوديا الى سارتر، لأن عبارته الشهيرة الجحيم هم الاخرون مرتبطة بسياق محدد، بحيث يحكم في احدى مسرحياته وهي ‘جلسة سرية’ على عدد من الاشخاص ان يقيموا معا داخل جحرة مغلقة، وان يمارسوا كل شيء متعلق بحياتهم على مرأى ومسمع من بعضهم، لكن البشر ليسوا جميعا في حجرة كهذه، واذا كان الاخر ليس جحيما فهو ايضا ليس نعيما على الدوام، وهناك تكون مسافة الاستغناء قابلة للانحسار والتمدد، وان كان هناك من مفردة تقابل الاستغناء فهي الارتهان ، وهذا ما تعانيه في صمت وسرية شخصيات تفتقر الى التماسك الداخلي، ويكون شرط تحققها الاعتراف القادم من خارجها، وهذا ما يفسر هشاشة بعض الكتاب والفنانين ممن يقترن رضاهم الى انفسهم مع ما يقال عنهم من خارجهم . فقد يكون احدهم ماردا في لحظة نفاق تسترضيه وترمم ذاته الجريحة مقابل ان يتحول الى صرصار اذا تعرض لنقد جذري لا يقوى على مجابهته او حتى الحد منه .* * * * * * * *اذا صحّ ذلك التعريف المدرسي عن الصحة بأنها تاج على رؤوس الاصحاء لا يبصره الا المرضى، فإن الاستغناء ايضا تاج لا يبصره غير من ارتهنوا لخارجهم واقتادهم التسفيل بمعنى الفرويدي كبديل للتصعيد الى جوع مزمن بحيث يتحولون الى اسفنجة لا محتوى لها وجاهزة لامتصاص اي شيء من خلال الاف الافواه الفاغرة التي هي مساماتها الواسعة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية