عبداللطيف عدنانعادة ما يستعمل تشبيه السينما بهذا المخلوق الذي ولد صامتا ولم يتكلم إلا حين بلوغه ما يقارب سن الخمسين. في هذا التشبيه ما يبين عن مغالطتين. المغالطة الأولى تكمن في رؤية السينما الصامتة كعصر سينمائي ماقبل تاريخي، وأنّ حدث دخول الكلام المنطوق على الصورة هو بداية تاريخ السينما الحقيقي، مع الاشارة أن نعت ما قبل تاريخي مقرون في فهمنا بكل ما هو ما قبل حضاري أو مرحلة بدائية من التطور. السينما لم تتعلم الكلام حقيقة بعد بلوغها سن الرشد بحقب، وإنما في سنواتها الأولى كما البشر. وعدم استعمال السينما للكلمة المنطوقة حينها كان ناتجا عن عدم حاجتها لذلك؛ كما لم تكن بحاجة للألوان، مع أن إمكانية التلوين كانت في حوزتها منذ البداية كذلك. المغالطة الثانية تكمن في هذا الإسقاط الأنتروبوموفي على الفن السابع والواضح جليا من استعارة تقيس فنا على النمو البشري. وهو إسقاط مسؤول عن اختزال فن السينما، كما حصل وباقي الفنون، في تمثيل الواقع الممركز حول الإنسان بمعنى التشخيص والإنابة. وهو اختزال، بمرده إلى المحورية اللفظية السائدة في الثقافة الإنسانية، يرى في ثرثرة الحوارات السينمائية مؤشرا على ارتباط السينما أكثر بالواقع. المغالطتان تشكلتا وشكلتا هذا الفهم المنحرف عن السينما الذي يلغي حقيقة كينونية مرتبطة بها كفن ووسيلة تواصل. وهي أن هذه الأخيرة، ومنذ بدايتها، كانت تمشي في اتجاه تعبيري وجمالي بعيد عن الأدب والمسرح إن لم نقل بعيد عن الكلمة المنطوقة. وكنتيجة جدلية لذلك، كانت السينما هذا الطموح التعبيري والتواصلي الذي يرمي إلى ما هو أبعد من محاكاة الواقع العيني والمعاين والمركّز بتفاصيله حول الإنسان من داخل الوعي، بهذا الإنسان طبعا، الذي قولبته وصاغته وأسست أدوات وأبعاد فهمه ‘الكلمة’. وكما لا تسمح المناسبة للخوض في هذه ‘الواقعية’ من منظور فلسفي ألتوسيري يرى في المرجع الواقعي للفن ما يؤشر عن سياسة وينم عن أيديولوجية معينة توجه العمل الفني، وإن كان في كل مناسبة حديث سينمائية ما يدعو صراحة للتطرق لذلك؛ لا تسمح في الخوض في ما كان في إمكان السينما في تفتيق خطابات جديدة لم تدخل بعد في أفق الإدراك والفهم الإنساني.في هذا الفهم المبتذل والسائد عن تطور السينما التاريخي المقرون بالقدرة على الكلام، تغيب وتلغى حقيقة الطموح الإبداعي الأول من وراء فن السينماتوغراف. وما نعني هنا هو هذا الفن البصري المستقل في التعبير، المستقل في خلق الدلالة؛ الفن الذي سيفتح آفاقا أخرى على مظهر من مظاهر الواقع الإنساني التي ليست في مرمى الكلمة. ما رسخ المغالطتين في هذا الفهم هو عودة السينما في خلق حواراتها للنموذج المسرحي، ثم انحرافها في السرد إلى الرواية الواقعية الديكينزية. في كلتا العمليتين إجهاض من نوع ما لما كان سيميز الفن السابع عن الفنون الستة التي سبقته ليس فقط في طريقة العمل وإنما كذلك في إمكانية خلق رؤية جديدة وخطاب إنساني جديد ينفتح على آفاق إنسانية جديدة.فيلم الفنان من هذه السينما التي لا يمكن مشاهدتها دون طرح السؤال القديم في الماهية السينمائية. سؤال تؤسس له شكلية أي فيلم بالأبيض والأسود وغير ناطق من هذه العينة التي بقيت في الذاكرة السينمائية كخزان ليس لطرائق وسبل التعبير السينمائي الأولى ولكن لطموح السينما الأول الذي ضاع في الفهم المنحرف الذي تطرقنا له أعلاه. هذا السؤال عن الماهية السينمائية قد يدخل في خانة الأسئلة المطروحة حول التقييم الفني عموما بعيدا عن النظرة التي ظلت أسيرة في التعاقبية الزمنية والتحقيب. سؤال بالتالي قد يمنح لنا فرصة استجلاء رؤية بدائلية تقارب الفن كطاقة وإمكانية وليس كحالة وكائن. الرؤية التي تقترحها ‘فرجة’ الفنان هي هذه النظرة للفن المجردة من أثر الزمن، والتي قد تجد الجمالية في النكوص والاضمحلال في التطور.فيلم المخرج ميشيل هازانفيشيوسHazanavicius Michel بعنوان سينمائي كالفنان وثلاث شخصيات بطلة أحدها حيوان، جورج فلانتين (جين جيرادين)، بيبي ميلير (بيرينيس بيجو)، وجاك ( الكلب أوغي) هو نوع من الاحتفاء بالفن السابع فيما يرد الاعتبار لهذا الفن من داخل خصوصيته الجمالية وفي أبعاد طموحاته التعبيرية. في هذا الفيلم ما يستفز كل مشاهد لإجراء مقاربة أخرى للسينما تقوض هذه المغالطات التي أصبحت بمثابة أعمدة ترتكز عليها عملية الفرجة والإدراك السينمائي وتتحكم كذلك في شروط الإنتاج والمادة الحكائية والصياغة التعبيرية الفيلمية. فيلم أقل ما يقال عنه إنه معراج في سماء كانت السينما ستنتعش فيها بحياة أخرى تتميز فيها كفن وكخطاب فكري. هذا الفيلم يعود للغة الصمت الفصيح وبشكل مجرد من كل ما هو تطبيعي في السينما من صوت وألوان، وأصبحنا ندركه كطبيعي في هذا الوسيط. فيلم يخوض في موضوع سينمائي لا يتجاوز السينما نفسها. وفيلم صامت بعد قرن وما يقارب عشرين سنة من عمر السينما ضرورة يقترح نفسه كمرافعة في حق الفن السابع تتطلب الإصغاء المتمعن، أي المشاهدة المتمحصة. وهو ما نحاول لمس بعض جوانبه في هذه المقاربة المحدودة في أفق اجتهادنا.لا يمكن أن يختلف إثنان على أن فيلم ‘الفنان’ ليس مجرد معارضة pastiche متقونة للوحات فيلمية عتيقة لازالت متعتها تنبض في رواسب ذاكرتنا السينمائية. لا يمكن أن نختلف كذلك على أنه ليس تأريخا لمرحلة انتقالية في تاريخ السينما بما يعنيه الانتقال من تجديد لا يحتفظ بالضرورة بمنجزات القديم. فيلم الفنان هو هذا وأكثر. كما هو تذكار ربما لكل الأشياء التي جعلت الفيلم السينمائي إنجازا عظيما وجعلت السينما سحرا لا يقاوم؛ هو كذلك مناسبة للسينما لإعادة مراجعة هويتها الفنية والقيام بفحص ذاتي لمقوماتها الجمالية والتعبيرية. في هذا الفيلم تحضر السينما في المشهد الرئيسي والممثل والجهاز الإنتاجي إضافة إلى الحيثيات المحيطة بها كالآلية الإعلامية. صاغ المخرج قصة عن فنان سينمائي وجد صعوبة في استصاغة الحوار المنطوق في السيناريو مما أدى إلى غيابه عن الشاشة، وأفول نجمه كنتيجة لذلك. لكن علاقته بنجمة صاعدة كان هو من ادخلها فلك السينما تنقذه في الأخير من موت محقق كإنسان وكفنان. نصية الفيلم عبارة عن نسيج من القناعات السينماتوغرافية التي تحيل مباشرة إلى الماضي السينمائي، بداية من الأبيض والأسود، والعناوين الحوارية المؤطرة، وحتى في الشفرات المتفق عليها في معالجة الميلودراما الغرامية الكلاسيكية، كالتعبير عن العواطف دون الحاجة إلى إشارات شبقية كالتقبيل. بهذا الاختيار يعلن المخرج عن مشروع سينمائي تنصهر فيه مادة الشكل مع مادة المضمون، تاريخ السينما في هذا الرهان التأليفي وحاضرها في المشاهدة المشفرة بقوانين وشروط جديدة، مما يفسح المجال لتأمل يبدأ من السينما وينتهي فيها.لم يقدم المخرج ميشيل هازانفيشيوس بطل فيلمه ‘جورج فلانتين’ كممثل، أومؤد لدور، أو مشخص، أو نجم، وإنما كفنان. بعتبة العنوان يدخلنا المخرج في عوالم السينما من خلال رد الاعتبار أولا للفنان السينمائي. وطبعا في واقع إما يقلص الفنان السينمائي في مجرد ممثل، أو مؤد لدور actor، أو يرفعه إلى مستوى لاواقعي كنجم يعتم بنوره على المجهود الجماعي لكل الفاعلين في عملية الإنتاج السينمائية، أقول في ظرفية مماثلة، ما يبرر تعريف بطل الفيلم كفنان يشتغل بأدوات وينم اشتغاله عن ممارسة وتمرّس. عادة ما تغيب مؤهلات وجدارة الممثل الفنية في هذا الاستيعاب الساذج الذي يرى الدور الفيلمي ‘للممثل’ كمجرد استنساخ لدوره الطبيعي كإنسان في الواقع. فعلى عكس الأداء المسرحي الذي لا تختفي فيه بالمرة آثار التصنّع (فالمسرح مجال مثالي لتفعيل الأقنعة) تنصهر الشخصية الفيلمية في شخص الممثل السينمائي بشكل يجعلنا نعي التشخيص السينمائي كمجرد ‘رد’ فعل طبيعي أكثر مما هو اصطناع فني يتطلب احترافية. وقد رسخت الإنطباعية السينمائية تقليد قياس نجاح التمثيل في السينما بهذه القدرة في تحويل الشخصية إلى شخص. وهو تقليد تسرب إلى التعبير المبتذل حول التجارب السينمائية حين تتم الإشارة إلى الدور باسم الفنان وليس باسم الشخصية، أو حين يتم الإقبال على عمل سينمائي من باب شعبية الممثل ليس إلا. زد على هذا أن لقب الفنان صار مرتبطا بالفنون التشكيلية، بشكل قصري واحتكاري، في فهم شريحة واسعة من مستهلكي السينما، وخصوصا منها هته التي أصبحت السينما تعني عندها مجرد حقل تجارب لإنجازات الثورة المعلوماتية بتعاويذها الرقمية.عبر عتبة العنوان إذن يدخل فيلم الفنان في حوارية مع حاضر الإستهلاك السينمائي ليعيد تأسيس الإدراك الفني والجمالي للسينما كفن سابع، وذلك من خلال وضعنا وجها لوجه أمام عملية التشخيص السينمائي بكل ما تتضمنه من مجهود خلق وإبداع واحترافية، مبني على قناعات فنية وتعبيرية تعتمد المبالغة والأليغورية، وتجعل الأداء للدور بالاضافة إلى تمثيل للواقع، إضفاء بصمة جمالية لا تنقصها رؤية وتصور خاص لهذا لواقع. التشخيص السينمائي مهنية تتطلب قدرات تمتد من الفيزيائي الكوريوغرافي إلى السيكولوجي، وفنية تنصاع هي الأخرى لتصور وميولات ولمدرسة خاصة، أو تيار معترف به، كما ينسحب على كل عمل فني.بالنسبة لهذه الشريحة الخاصة من جمهور السينما، هذه المؤهلة بطاقة التشفير، وبخطاب مفاهيمي وفهمي ما للسينما؛ وتمتلك قدرة على التفكيك والتأويل تتجاوز مضمون الصورة إلى مادة وشكل هذا المضمون، عنوان فيلمي كـ ‘الفنان’ يشكل فرصة لإعادة النظر في الإشكالية التنظيرية للفنية السينمائية في واقع الألفية الثانية. وهو واقع توسعت فيه رقعة التعبيرية السينمائية في تخوم جغرافية مختلفة، وتنوعت فيه وسائط الانتاج والعرض والاستهلاك السينمائي، واكتسبت فيه السينما كنتيجة لذلك، أدوات جديدة ترتبت عنها طروحات جديدة في المضمون، وتصميمات متنوعة في الشكل. يمثل هذا الفيلم فرصة لإعادة قراءة المتن النظري السينمائي الذي حُكم على بعضه بنهاية مدة الصلاحية أمام التطورات الجديدة، خصوصا هذا المرتبط بالمرحلة الصامتة والمرحلة الانتقالية للكلام. فمن منظور نقدي أو تفكيكي، يعتبر فيلم الفنان توقيعا سينمائيا يعبر زمن النظرية الفنية السينمائية. فهو يربط واقع سينما الأمس بواقع سينما اليوم من خلال السجال حول الفن مقابل التكنولوجيا من جهة، والمهمة الفنية مقابل الوظيفة الترفيهية من جهة أخرى. فالسجال حول الماهية الفنية للسينما مازال لم يفصل فيه بعد رغم الأشواط التي قطعتها السينما في الكيف قبل الكم. وهو سجال يؤرخ زمكان فيلم الفنان لمرحلة احتدامه. سواء كان موضوع السجال هو الحوار المنطوق أو الصورة الرقمية فأطرافه مازالت هي هي، ومقاربته مازالت كذلك مدخلا لغزو السينما عبر مباحث معرفية كانت ومازالت مركزة حول الكلمة بالدرجة الأولى.فيلم ‘الفنان’ فرصة إذن لإعادة طرح سؤال هل السينما فن؟ وإن كانت فنا فما يميزها عن الفنون الأخرى؟ أسئلة قديمة جديدها رهين بإعادة طرحها من موقع زمني يفرض تأملها بحساسيات وأدوات مختلفة. كما هو معروف في الحقل الفني تطرح إشكالية التعريف والخصوصية الفنية فقط حين يراكم فن ما إنجازا كميا ونوعيا لا يمكن تجاهله. من داخل هذا الشرط يذكرنا زمكان الفيلم عبر حوارية الذاكرة في الفترة التي فرضت فيها السينما وجودها كأداة تعبيرية قوية الفعالية في التواصل والتأثير على الجماهير، وأصبح من السذاجة تركها رهينة نمو طبيعي كما حصل مع فنون أخرى. في النصية الخلفية الموازية للفيلم يمكن ترصد أصوات الجدل حول الخصوصية الفنية للسينما، هذا الذي كان حلبة صراع بين الأديب واللساني والسوسيولوجي والتقني والسياسي. يمكن كذلك ترصد طبيعة هذا الجدل بكونه مقارعة كلامية حول مهمة السينما وليس ماهيتها. هل مهمة السينما استنساخ الواقع كما تحتم آليتها والهاجس وراء اختراعها؟ أم مهمتها إبتكار شكل تعبيري جديد كفيل بإنتاج خطاب مستقل قائم بذاته. منذ البداية كانت اشكالية الخصوصية الفنية، وبكل تضارب الآراء فيها داخل معسكري المدرسة الواقعية والشكلانية، إشكالية في تحديد وظيفة برغماتية للسينما.فيلم ‘الفنان’ يشكل من هذا المنطلق مسرحا فكريا لتنوع وتعدد الخطاب الوصفي الذي حاول التقبض بخصوصية السينما والقبض عليها كملكية خاصة. فهو فيلم يلامس هذا التجاذب بين التيار الفني والتيار البرغماتي الذي تحكم وأثر في مسار السينما منذ بدايتها. موضوعة فيلم ‘الفنان’ تتطرق لهذا التجاذب في تفاصيل تجلياته الواقعية من خلال أليغورية حياة فلانتين في منعطفها حين دخول الحوار الناطق للسينما. موقف فلانتين في صده عرض الانتماء للسينما الناطقة في وجه المخرج المنتج آل زيمر (جون غودمان) يبين بشكل مجازي عن موقف الخطاب التنظيري الذي كان يسعى لتحقيق خصوصية تعبيرية للسينما. عرض المخرج المنتج يستند على حقيقة برغماتية السينما بقطبيها الفني والمادي، مع مراعاة الجدلية التي تربط بينهما، وإن كانت هذه الحقيقة لا تبدو مبررا كافيا لكي يتنازل فلانتين عن المبادئ الفنية التي ينطلق منها في عمله السينمائي. وهي مبادئ ما زالت بشكل أو بآخر المحرك الرئيسي وراء العديد من الإنتاج السينمائي بما فيها الآلية الإنتاجية وراء فيلم الفنان نفسه.فلانتين كشخصية يعبر عن رؤية المؤلف حين يعلق على الاختيار المستقبلي للسينما الناطقة بأنه ليس اختياره. يقول لآل زيمر: ‘إن كان هذا هو المستقبل فهو لك’. هذا التعليق حين ننظر إليه مع اعتبار الجانب الشكلي للغوية الفيلم نتفهم أكثر موقف الفنان كصدى لموقف المؤلف المنحاز إلى فنية السينما، واستقلالها عن الكلمة في خلق لغتها الخاصة وتطوير جماليتها المتفردة. لكن تأويل موقف المؤلف كموقف ضد السينما الناطقة سيكون إسقاطا من نوع آخر ينم عن مغالطات إذا لم تراع فيه الحوارية intertextuality التي ينخرط فيها الفيلم مع ظرفية إنتاجه الخاصة، أي مع واقع السينما الحالي عموما. بناء على هذه الحوارية يمكن قراءة فيلم الفنان كرسالة موجهة من المخرج تعبر عن موقفه ضد هذا النوع من الإدماج التكنولوجي الباروكي الذي أصبح هو أكثر ما يميز السينما. وهو إدماج لا يراعي الخصوصية الفنية للسينما، ولا تفسره إلا الاعتبارات التجارية، وفيه يتحول الفنان السينمائي إلى مجرد ‘افاتار’. وضع المخرج المؤلف ينعكس نوعا ما في وضع المخرج الشخصية آل زيمر؛ كلاهما مستقطب بين الهم الفني والإرهاصات التجارية. كلاهما يشتغل في فن رهين بالصناعة والتكنولوجيا في واقع رأسمالي يملي شروطه بدون أي اعتبار للفنية. وهي وضعية تعبر عن الموقف الإشكالي للسينمائي الذي فسر قبول دخول الحوار الناطق للسينما بمنطق التطور التكنولوجي، وفسر رفضه بمنطق الخصوصية الفنية.بناء على هذا تصبح ضربا من السطحية والعفوية مشاهدة الفنان كمجرد فيلم يحكي عن مرحلة انتقالية في تاريخ السينما وهي مرحلة دخول الحوار المنطوق على الشريط الصوتي. وتصبح نوعا من السذاجة تناوله كفيلم صامت كذلك. فقد راهن المخرج على بناء شكلي يفضح هما تعبيريا وجماليا متعلقا بفن السينما أكثر من هم التأريخ لمرحلة سينمائية. حين فضح شكل الفيلم نية المؤلف في الإلتزام بالخطية الفنية الجمالية، مع احتمال التشويش الذي يمكن ان تفرضه المسافة الزمنية بين شكل format الصامت والأبيض والأسود مع واقع المشاهدة الراهن، كان تصاعد الأحداث على مستوى المضمون يقود إلى انفراج معاكس. وقد نجح المخرج بشكل ملفت للنظر في عَكس الهم الجمالي الذي طمحت له السينما الصامتة والارهاص التقني الذي فرضه واقع الحوار المنطوق داخل نفس الاطار وعبر نفس الصورة. فهو قد أوصلنا إلى قناعة الكلام ككشف وإغلاق منطقي لحدث القصة، لكن عبر لامنطق المفارقة والذي هو الحوار الصامت. ف ‘الفنان’ فيلم صامت لا ينطق حتى يَقتنع ونقتنع معه كجمهور بضرورة النطق، ولكن ينطق فقط حين يوصل رسالته كاملة مكتملة دون حاجة إلى الكلام.رهان الفنان على المستوى الشكلي والمنبني على المفارقة، والذي يخدم مقصدية النية التأليفية بطرحها الإشكالي وبشكل مباشر كما سبق وأشرنا، نلمسه في التنويعات السينماتوغرافية التي ميزت لغوية الفنان. وأقصد هنا بالتحديد طريقة معالجة عنصر المركب الصوتي الخارج حكائي والمركب الصوتي داخل الحكاية في الفيلم. علما أن هذه البنية الفيلمية في فيلم كالفنان، لها صلة إشكالية بالصوت داخل السينما، ويقع عليها الثقل الدلالي والرمزي بالدرجة الأولى وأكثر من البنى التعبيرية الأخرى والمرتبطة بالصورة والعوامل الأيقونوغرافية.يتمثل المركب الصوتي الأول في الموسيقى الخارج حكائية التي راهن المخرج على اختيارها بناء على وظيفة مزدوجة: هناك من جهة هذه الإشارة التاريخية المباشرة لسينما المرحلة التي كانت صورتها تتطعم في حركيتها بموسيقى السوينغ، هذه النسخة السينمائية بامتياز لموسيقى الجاز. وهناك من جهة ثانية، هذه الإحالة لروح الإبداع السينمائي في المرحلة، والذي هو الآخر على غرار أسلوب الأزمنة المعاصرة الذي أبدعه لويس آرمسترونغ في الجاز، كان يتسم بالارتجال والارتماء في أحضان المغامرة الشكلية وعدم الانصياع لأي تقليد معين (علاقة السينما بموسيقى الجاز تتطلب وقفة متمعنة لا تسمح بها هذه المناسبة).بالنسبة للمركب الصوتي داخل الحكاية، نجد المخرج يوظفه كتشكيلات أليغورية سينمائية صرفة تخدم الرؤية التأليفية. نتذكر المجموعية السمفونية التي كانت تؤدي أمام الشاشة الموسيقى المصاحبة للقطة تعذيب بطل الفيلم الذي نتعرف من خلاله على الفنان. المقطع الأول من الفيلم أدخلنا الأرشيف السينمائي في مرحلة غياب العنصر الصوتي داخل الشريط. في هذا المقطع يؤدي المركب الصوتي مهمة تأريخية تنسجم مع تصميم الفضاء الذي يستحضر دور العرض السينمائي الأولى والتي كانت نفسها دور العرض المسرحي، ومع الجمهور السينمائي الذي كان يستهلك العرض السينمائي برواسب المشاهدة المسرحية. فيه نقف كذلك على العتبات الأولى لما سيسمى لاحقا بسمفونية الفن السابع أو ما هو معروف بالموسيقى التصويرية. في اقتران مشهد الفرقة السمفونية مع إشارات داخل الحكاية، مثل التي تقول ‘ممنوع الكلام أمام الشاشة’، ما يعزل عالم الصوت إطلاقا عن عالم الصورة ويربط الأول بعوالم الإستهلاك الفيلمي التي كانت في بدايتها مشوشة بطرق تلقي رسبتها الفنون الأخرى خصوصا المسرح والأدب. في لعبة المرايا هاته بين جمهور داخل العرض وجمهور خارج العرض، في الفيلم داخل الفيلم، في شاشة حاضر السينما تنعكس في شاشة ماضي السينما ما يحطنا، عبر الذاكرة التناصية أمام واقعنا كمجهمور هو الآخر يتلقى الصورة السينمائية برواسب صور أخرى أهمها الرقمية والتلفزية.في بعض المواضع يأخذ المركب الصوتي في الفيلم بعدا مجازيا أكثر تعقيدا، تتشابك فيه موتيفات من الحكاية كالخلفية السيكولوجية للشخصية، وأخرى من خارج الحكاية كرؤية المخرج التي تنم عن مرجعية مفاهمية ترى في السينما أفقا لامحدودا لإنتاج خطابات جديدة. أبرز حضور لهذا التنويع الوظيفي للمركب الصوتي داخل الحكاية في الفيلم يتجلى في مقطع الكابوس. هذا المقطع الذي يدخلنا في العوالم النفسية للفنان لنقف معه على هواجسه الخاصة كفنان سينمائي يرى في الصوت عنصرا تهديديا لوضعه الفني والوجودي. في هذه العوالم يصيرغياب الفنان مرادفا لغياب صوته. كابوس فلانتين هو نوع من الرؤيا التي تستجيب لرؤية تنبعث عن هاجسه الأول في الواقع والذي ليس إلا تحول السينما إلى فن رهين بإنتاج الصوت عوض إنتاج الصورة.ما يميز مقطع الكابوس، زيادة على الأصوات المبالغ فيها للأشياء، هو المفارقة السمعية البصرية الناتجة عن دوي انفجار حدث بوقع ريشة على الأرض. انزياح سينمائي من هذا القبيل كما هو خلاصة تركيبية لهواجس الشخصية فلانتين، هو من الناحية التأليفية نوع من لفت النظر إلى قدرة السينما على تجاوز تصوير الواقع بأصواته المعقولة والمحسوسة إلى تصوير لاواقع الأشياء المدركة عبر ميكانيزمات أخرى كالهاجس واللامعقول. كأن في هذه اللقطة ما يذكرنا أنه فقط فن السينماتوغراف الذي يستطيع تصوير الأحلام والكوابيس قادر على تشكيل واقع لا يخضع في إدراكه لشروط الاستيعاب المنطقي المنخرط في طقوس العادي واليومي ، واقع يمكن أن نسمع فيه صوت ريشة. ما لا يمكن أن نتصوره في الواقع نظرا لحدود طاقتنا الإدراكية يمكن للطاقة التعبيرية السينمائية أن تخرجه في أشكال مرئية.نستخلص من هذا أن ارتباط الصوت داخل الحكاية بالدواخل السيكولوجية للبطل نابع عن حافز ينتمي إلى الخلفية التأليفية الرئيسية للفيلم. إذ نفهم حضور الصوت في فيلم صامت، من خلال هذه الحيثية، دعوة من المخرج للمشاهد أن ينخرط في عملية تأمل، تكشف عن جوانب مهمة من الإشكالية التي يطرحها الفيلم بخصوص الجمالية والتعبيرية السينمائية. وفي ظل هذه الإشكالية يقترح المخرج كذلك طرح السؤال الأكبر وهو هل الحوار المنطوق إضافة أم إعاقة لهذه الأخيرة. تصوير مشاهد الحلم ابتكار سينمائي بامتياز والشهادة الأولى التي تصادق على قدرات السينما كفن بصري في خلق عوالم خاصة، تتجاوز الواقع المعاين والمعقول، والذي يُستسهل في التقليد والمحاكاة، إلى واقع باطني ظلت صورته محاصرة في المخيلة والحلم، ولا يطلع للإدراك الحسي إلا عبر الوصف التقريبي بواسطة الكلمة في الأدب، أو الفضاء الرمزي في المسرح.فعديدة هي العوالم التي كان وعيها مرهونا باللفظ ودخلت هامش الإدراك الحسي بواسطة فن السينماتوغراف. وهو ماجعل السينما منذ تدشينها كفن سابع محط اهتمام المقاربة التنظيرية الفنية التي تتكئ على النظرية الجيستالية التي لا تنظر للفن أو إدراك العالم فنيا كعملية دافعها التقليد وإنما كتركيب له بنيته الخاصة وله مقاصده المستقلة عن المحاكاة والاستنساخ. هذه النظرية وجدت في المشهدية السينمائية حقلا خصبا لأنارة طروحاتها العامة. وهي طروحات سرعان ما تسربت إلى التنظير في السينما، لا سيما مع المنظر الألماني رودولف آرنهيام Rudolf Arnheim. إشتغال آرنهيام على الفيلم يدخل ضمن مشروع أشمل ينظر للفنون البصرية كحيز يفسح المجال بشكل أفضل لدراسة الادراك البصري عامة. لهذا السبب كان هذا المنظر يركز على جهاز الدلالة السينمائية التي تعتمد المركبات المرئية بالدرجة الأولى. وكانت تنظيراته في جلها إن لم نقل في كليتها تنصب في خلاصة أن السينما فن يجب أن يظل مرتبطا بالمشاهدة، وبأي ثمن كما أضاف منظر سينمائي جيستالي آخر هو ريني كليرRene Clair ..مادة الشكل لمشهد الكابوس هي الأخرى تقترح تأملا قد يفضي بنا إلى الاستنتاجات نفسها التي خلصنا إليها مع مادة المضمون. فهي الأخرى تراهن على الخاصية السينمائية داخل الإشكالية العامة للفيلم التي أشرنا إليها إعلاه. فالعلاقة بين الصورة والصوت لا تخضع في مشهد الحلم لمنطق التوافق الطبيعي أو بالأحرى الإنطباعي الواقعي، وإنما لمنطق الترابط السينماتوغرافي الذي تتنوع أشكاله حسب الإمكانيات الخصبة للمونتاج. المونتاج السينمائي لغويا ومجازيا مجال لاقتراح علاقات جديدة بين الأشياء بعضها مع بعض وبين الأشياء ودلالاتها من خلال معجم اليومي والواقعي. وهو ما نقف عليه في المشهد مع دوي انفجار الريشة (لاحظ الانزياح الذي يفرضه وصف اللقطة على اللغة) حين عوض المخرج هذا الترابط عبر المزامنة synchronization التطبيعية، بمونتاج جدلي توليدي يخلق علاقة جديدة بين الصورة والصوت. عبر إضفاء عنصر الصوت على الريشة يفتح الصوت السينمائي أمامنا هامشا إدراكيا جديدا غنيا بالدلالة والرمزية. هامش من هذا القبيل ، كما يقترح المخرج من خلال هذا التوليف، لا يمكن معاينته بالتوظيف المبتذل للصوت في الحوار الناطق والكلمة الممسرحة والذي لا ينتج عنه إلا سقوط السينما في وظيفة المحاكاة لواقع، له مرجعية في العالم الخارجي، عوض تأسيس واقع جديد مرجعيته في ذاته. حين يحصرنا صمت الريشة في الواقعية والمحاكاة، يقترح علينا انفجارها إلى الارتماء في أحضان أبعاد إدراكية جديدة وخصبة.وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعالجة الشكلية، في الوقت الذي تربط الصوت أكثر بالفنية والجمالية السينمائية، تذكرنا بما أشار له إيزينشتاين Eisenstein من الإمكانيات التعبيرية التي يمكن أن تمنحها السينما الناطقة إذا راعت الخصوصية الشكلانية للسينما. يرى إيزينشتاين للسينما الناطقة كفرصة لإيصال هذه الأصوات التي لا يمكن للآلات الموسيقية، أو أي صوت من العالم الواقعي أن يوصلها، كما يرى إلى الكلمة كإمكانية تقوي من الطاقة التعبيرية السينمائية. لكن هذه الإمكانية لا ترتبط حسب المنظر والمؤلف السينمائي الروسي بأي علاقة منطقية بين الصورة والصوت وإنما بنية المؤلف في خلق مفعول ما من وراء هذه التوليف لهذه العلاقة. إيزينشتاين بدوره، هذا الذي يرى في المونتاج الخصوصية الجمالية والتعبيرية للفن السابع، يشترط حضور هذه الخصوصية في في اعتماد المفارقة كمنطق للتوليف بين الصورة والصوت. فالصوت داخل السينما، والحوار المنطوق كامتداد لذلك، قد يؤدي إلى نتائج رائعة مع مؤلف يرى أن المونتاج هو الفاعل الوحيد الذي يحقق استقلالية السينما كفن.كابوس فالانتين يترجم بصريا هم الهوية الفنية السينمائية: هل الخصوصية الفنية السينمائية تكمن في انطباع الواقع أو في الطموح الشكلاني لتأسيس واقع مشهدي مستقل؟ هل الطموح الفني لهذه السينما الجديدة المسماة بالسينما الناطقة هو اختزال السينما في واقعية اليومي والعادي المتمركزة حول الكلمة، أم هو المغامرة الشكلانية في مفارقات جديدة بين الصورة والصوت؟ مشهد الكابوس، كان هو الاستثناء الصوتي داخل النسق الشكلي الذي يعتمد الصمت، وبالتالي فهو تسطير مجازي من المخرج يعلن من خلاله أن السينما الصامتة لم تستنفد بعد طاقتها التعبيرية والجمالية كفن؛ وأن إخضاع أي جديد تقني لمبدأ الخصوصية التعبيرية السينمائية يجب أن يكون الهاجس الأول لأي تجديد في السينما؛ وأخيرا أن الفن السابع الذي صور الكوابيس هو أكثر الفنون مطاردة بهواجس الخوف والقلق والتردد. هذه الهواجس التي تشكل حافزه الأول للمغامرة الشكلية التي يطلع فيها كل مرة بالجديد.