عكيفا الداريتبين ان الربيع العربي ليس كما اعتقدنا في الحقيقة. فقد استبدل المصريون بنخبة حسني مبارك العلمانية نخبة متدينة للاخوان المسلمين. وفي سوريا يقتل السنيون والعلويون بعضهم بعضا ويرقص الجهاد العالمي فوق الدم. قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من غد الحادثة على حدود مصر انه لا يوجد من يعتمد عليه سوى أنفسنا. وهذا برهان على ان أباه بنتسيون نتنياهو وأباه السياسي اسحق شمير اللذين عارضا اتفاق السلام مع مصر رأيا المولود. أعطِ الفلسطينيين اليوم ‘يهودا والسامرة’ وسيقصفون من الغد كفار سابا. ومن حسن الحظ ان اسحق رابين وشمعون بيرس واهود باراك واهود اولمرت وبنيامين نتنياهو لم يعطوا السوريين الجولان.هذه الجملة الاخيرة هي ثمرة محاسبة النفس التي قام بها زميلي أري شبيط في هذه الأعمدة الصحفية (‘محاسبة نفس’، ‘هآرتس’، 9/8). يرى شبيط المولود متأخرا. فهو يتنبأ بأن ‘فكرة السلام التي كانت صحيحة في حينها وصحيحة بحسب نهجه كانت ستصبح واقعا كابوسيا يصعب علينا الثبات فيه’.قبل ذلك قام يوسي سريد هنا بمحاسبة للنفس (‘ربما ننجح في المرة القادمة’، ‘هآرتس’، 27/7)، طالبا الغفران من ميرون بنفنستي الذي عرف في سبعينيات القرن الماضي ان الاحتلال لا يمكن ان يُعكس الى الوراء، هذا تاريخ الى الوراء. لو ان حكومات اسرائيل ومنها تلك التي عمل فيها سريد، تصرفت بحكمة وشجاعة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وصدت جدل الاستيطان لأصبح الاحتلال منعكسا وبصورة كبيرة، بل ان الاحتلال اليوم منعكس. فربما تنشأ هنا حكومة ذات مسؤولية يستقر رأيها على التأثير في سير التاريخ ولا تخشى تقويم اعوجاجات سابقاتها. وربما يحاسب اصدقاء اسرائيل الحقيقيون أنفسهم ويوقفوها على شفا الهاوية وربما لا.من أين يعلم شبيط أننا ‘لو مضينا للنوم قبل عقد مع الاسد لاستيقظنا هذه السنة مع الجهاد’؟ أربما كنا نمضي للنوم مع الاسد ونحيا اليوم في سلام مع جارة تحصل على مليارات الدولارات كل سنة من الغرب وهي مفتوحة للعالم وذات نظام حكم يقبله المواطنون أكثر؟ أربما ما كان يحدث الآن في سوريا الاخرى ما يحدث من هرج ومرج يستغله الجهاد العالمي؟.لو ساد السلام فلربما غير الاسرائيليون الذين كانوا سيقفون للشراء في دمشق في طريقهم الى انطالية نظرة السوريين الى الدولة اليهودية، ولو لم تجمد يد اهود باراك فلربما كان لنا بدل الهرب من لبنان من طرف واحد سفارة في بيروت ولكان الشباب الذين قتلوا في حرب لبنان الثانية معنا اليوم. وربما كان اتفاق السلام مع سوريا يضعف محور ايران سوريا حزب الله ويحسن أكثر بكثير وضع اسرائيل الاستراتيجي ويدفع الى الأمام بالطبيع مع الدول العربية والعالم الاسلامي بهدي من مبادرة السلام العربية.وربما بعد ان تهدأ العاصفة تنشأ في سوريا سلطة براغماتية تعرض على اسرائيل سلاما مقابل الجولان (الى الآن لم يتولى الجهاد العالمي السلطة في أية دولة). فهل نصدها خائبة لأننا لا نعلم ماذا سيلد اليوم عند الجار في أعلى؟ اذا كان من الخير ان أضعنا السلام مع سوريا وبقينا مع الجولان فربما كان أفضل التخلي عن السلام مع مصر والبقاء مع سيناء. فمن ذا يعمل، ربما بعد سنة وربما بعد عشر سنين، تسيطر القاعدة على سيناء. وماذا عن اخلاء غوش قطيف ألا يستحق محاسبة للنفس صغيرة؟ (نوصي بها مؤيدي الانسحاب من غزة باجراء من طرف واحد يكون بديلا عن اجراء سياسي).حاسب موشيه ديان الذي أعلن ان ‘شرم الشيخ بغير سلام أفضل من شرم الشيخ مع سلام’ حاسب نفسه بعد ذلك على أثر حرب يوم الغفران واجراء سلام الرئيس المصري أنور السادات. ووقف ديان الى جانب مناحيم بيغن الذي أقسم ان ينشيء لنفسه بيتا في سيناء. وقد صاغ بيغن محاسبته لنفسه بالجملة الرائعة التالية: ‘ان صعاب السلام أفضل من عذاب الحرب’. ويصدق هذا الكلام اليوم ايضا لكن من المؤسف جدا ان بيغن نفسه وورثته السياسيين قلبوا الامور رأسا على عقب، ومن المؤسف ان اسرائيليين كثيرا جدا يفضلون ايضا أخطار حرب اقليمية على آمال السلام.هآرتس 13/8/2012