الأحياء الموتى!

يسألونني أحيانا هاتفيا: كيف تعيشون الآن في سوريا؟
إليكم إذن جوابي فلا تسألوني بعد الآن كيف نعيش؟
أعيش الآن في دمشق، فأنا لا أعرف إذن كيف يعيش سكان المدن والقرى الأخرى إلا من خلال ما تعرضه الشاشة الصغيرة فأقول لكم: اسألوني أنا كيف أعيش على وجه التحديد.. فأنا لا أعرف على وجه الدقة كيف يعيش سكان دوما والقابون وحرستا وكل الضواحي الآخرى إلا من خلال التلفاز او الشائعات أو التواصل الهاتفي. وكل هذه المصادر لا تكفي في اعتقادي للحصول على معرفة سليمة حقا إذا ما قصدنا بهذه المعرفة ان نصل الى أعماق الوجدان البشري لدى الآخرين. فكل إنسان له بالتأكيد شخصيته المتميزة التي لا يُفصح عنها دوما خوفا او تحفظا، فالخوف هو الأصل في بلاء التكتم والاصطناع أما التحفظ فمرده إلى تقاليدنا العريقة المتوارثة التي تدفعنا الى التواري والتخفي والنفاق لأسباب تتعلق بثقافة المجتمعات المتخلفة عموما والقائمة على التذاكي والتظاهر والمواربة.
أنا إذن أقدم اعترافي لكم لا للكهنة ولا لأحد غيركم، وإنما أبوح بما استطيع ان أبوح به في بلد تحكمه سلطة لا تتسامح إلا نادرا مع بعض التصريحات الشخصية الصادقة وإلا فمصير صاحبها كما يعرف الجميع لا يسر سوى صاحب القرار. فما عساني أقول وأنا ما أزال أعيش في عاصمة مهددة وشبه معزولة عن العالم؟ هل في وسعي أن أقول الحقيقة كلها اذا ما عرفتها حقا؟ وهل أنا قادر فعلا على تشريح عواطفي وأفكاري كي أكون منصفا في الكشف عنها الى الحاضر أو الى الماضي؟ إذ ليست عيوبنا التي نعاني منها حتى الآن مردها الى الأنظمة الحديثة فقط وإنما مردها ايضا الى التقاليد التي حكمت اجتماعنا البشري عبر القرون العربية السالفة.
كيف نعيش إذن الآن؟
خذوا مثلا مسألة الطعام والشراب بسبب الغلاء الموغل في الفُحْش الذي تعرضت له جميع أنواع الأغذية بحجة سقوط سعر الليرة السورية أمام النقد النادر. فأنا مثلا لا أمضي الى السوق في هذه الأيام الا وفي جيبي خمسة آلاف ليرة على الأقل انفقها على شراء اشياء عادية لم تكن تكلفني قبل سنوات أكثر من خمسمئة ليرة، فاللحم مثلا صار الكيلو الواحد منه بسعر ألفي ليرة تقريبا غنما كان أو عِجْلا، وحتى الدجاج او السمك فسعره يقارب الألف غير ان التضخم في معظم المواد الآخرى يتخطى الثلاثة اضعاف الى العشرة فما عساني اصنع في تدبير امور معيشة أسرتي وراتبي التقاعدي في حدود الخمسة والعشرين ألفا أي انه لا يكفي لاكثر من اسبوع واحد اكلا وشربا فقط؟ فما عسانا نصنع في الاسابيع الأخرى من الشهر مع تكاليف الملابس والمدارس والأدوية وأجور النقل وفواتير الماء والكهرباء وغيرها من أعباء؟!
ماذا نصنع سوى الاقتصاد الى حد التقشف الشديد والحرمان المديد فكيف نحتال إذن على المواد الضرورية التي لا يمكن متابعة الحياة الا بتأمينها؟
لم نعد إذن نأكل ونشرب كما كنا نصنع قبل ثلاث سنوات ونيف ولا اقول قبل عشرين عاما فماذا يؤثر كل هذا في طبيعتنا البشرية جسديا ونفسيا؟ لقد بتنا نتحسر على الماضي القريب لا البعيد كما في الخمسينات مثلا، وتحسّرنا هذا يقودنا بالتالي الى رؤية سياسية واجتماعية وثقافية مهزوزة مضطربة بين الموافقة على الثورة او على رفضها بشكل يجعل حياتنا تترنح باستمرار كمن يعيش على طوف فوق بحر هائج.
وفي العلاقات الاجتماعية قد نختلس في هذه الايام زيارة الى صديق او الى مقهى للاجتماع ببعض من تبقى في البلد من معارف وأصحاب ـ وما أقلهم! ـ فاذا بالاحاديث قد تغيرت من التفاؤل الى التشاؤم أعمق فأعمق حتى ليغدو الواحد منا غير قادر على تأكيد موقفه الذي تبناه في بدايات الثورة. وقد ينجم فجأة حدث من الأحداث لا يستحق ان نتفاءل به كثيرا فاذا بالشخص المتشائم يصعد من هاوية التشاؤم الحالكة السواد الى ذروة التفاؤل المشعة باليقين، فماذا يمكن ان يتبقى لتلك الجلسات من اغراء وجاذبية كي يثابر الواحد منا على حضورها وهو يواجه في سبيلها عقبات الحواجز العسكرية الكثيرة وسيول قوافل السيارات المرغمة على تحّمل مخاوف الانتظار الطويل الذي يبلغ الساعات من الملل والقرف لقطع مسافة كان يقطعها قبل الحواجز بعشر دقائق. وهكذا بات المكوث في البيت ضمانا، ولو كان متواضعا، للراحة والطمأنينة وخاصة ان كثيرا ما يمر احدنا بمكان فيقال له لو مررت بهذا المكان قبل قليل اذن لتعرضت لانفجار مروّع سقط فيه عدد كبير من الجرحى والقتلى، فيقول في نفسه لكم كنت محظوظا أنني غيرت طريقي او تريثت قليلا. فكيف اذا ما اضاف ذلك الناجي من الموت الى حظوظه ما يسمعه من قذائف تتساقط قريبا منه فيقول لنفسه مرة اخرى، يا إلهي! لقد نجوت بأعجوبة فشكرا يا رب على هذه المنّة!..
وهكذا يغدو بيتك الذي نجا من القذف حتى الان الملاذ الآمن الوحيد لك.. وما هو بآمن حقا!
هذه تفاصيل لا تنطبق على سكان الغوطتين او الاحياء القديمة في حمص او حلب او أي مكان آخر يشهد صراعا مسلحا تتساقط فوقه دونما انقطاع البراميل المتفجرة آخر اختراع محلي للاسلحة الفتاكة. ومع ذلك فها انذا وأنا اكتب هذه الكلمات اسمع الصدى المرعب لدوي الصواريخ تطير بجناحين كاسرين الى مكان منكوب لم اعرفه بعد.
كيف نعيش الآن في سوريا «الحبيبة»؟ نعيش وراء باب بيتنا الموصد من الداخل بمئة قفل حديدي ومعنوي نترقب من يخبط عليه ثم يحطمه ويقتحم الدار باسم شعار فضفاض كاذب! اننا نعيش بكامل وعينا كي ندرك معاني فظة لم تخطر لنا على بال. معان تقلب كل الأفكار الحلوة، التي طالما صدقناها وحرصنا على دراستها وتداولها، الى افكار مخجلة بائسة تدين الكائن البشري والمجتمع الدولي الذي ما يزال يتبجح بأكاذيبه.
تبا للعدالة والإخاء والمساواة والتسامح وكل الفضائل الاخرى إذ لم يبق مكان في عالمنا الموبوء الا للقوة والعنف والبشاعة!
كيف نعيش الآن في..؟ نعيش كما لو أننا في غابة مدكوكة بالوحوش المفترسة التي يأكل بعضها بعضا كأن لا أسد في هذه الغابة يحميها من الأذى. نحن لا نستحق إذن ان يوصف بقاؤنا على قيد الحياة بعبارة: كيف نعيش؟ والافضل ان يقال لنا: كيف انتم ما تزالون على قيد الحياة.. فنحن لا نعيش.. بل نموت مع عيشة أسوأ من الموت.. نحن الأحياء الموتى بامتياز!.
شاعر وكاتب سوري

شوقي بغدادي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية