بداية نهاية الهدنة بين تركيا وإيران

حجم الخط
0

د. صالح بكر الطيار تشهد العلاقات الإيرانية التركية توتراً على خلفية الأزمة السورية مما يوحي انها بداية اندلاع صراعات اقليمية ودولية مفتوحة على كل الإحتمالات بعد ان كشفت كل القوى عن كل الأوراق التي تمتلكها والتي بدأت بإستخدامها دون مراعاة لمبادىء الدبلوماسية الهادئة التي درجت عليها القوى الفاعلة على الساحة الدولية. فالأزمة السورية بالنسبة لكل من طهران وأنقرة ليست مجرد ملف هامشي بل اساسي وهام وأستراتيجي فيآن، ولهذا تخلت كل منهما عن لهجتها الهادئة وبدأت تستعير تعابير التهديد والوعيد في محاولة لكي تثني كل منهما الأخرى عما اندفعت بإتجاهه سورياً. فتركيا كانت منذ اندلاع الأزمة السورية من اكثر المتحمسين للتغيير ظناً منها ان المسألة لن تطول اكثر من ثلاثة اشهر ويكون نظام بشار الأسد قد هوى وحل مكانه نظام جديد يتوافق ايديولوجياً مع هوية الأنظمة التي قامت في مصر وتونس. ولكن اكثر من سنة ونصف مضت والنظام السوري لا زال يتمتع بمناعة تسمح له الإستمرار في المواجهة حتى سنوات عديدة مقبلة. والأمور لم تتوقف عند هذا الحد بل ذهبت بدمشق الى الإنتقال الى موقع الهجوم مع تركيا من خلال اعطاء حرية الحركة لحزب العمال الكردستاني على طول الحدود التركية السورية وتسليحه ومده بإحتياجاته الى حد ان تركيا التي كانت تفتش عن طرق لإقامة منطقة عازلة عند حدودها للمعارضة السورية باتت منشغلة الآن في كيفية مواجهة العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني وحلفائه داخل الأراضي التركية. وبذلك بات المستقبل السياسي لوزير الخارجية احمد داوود اوغلو على المحك لأنه هو المهندس الإستراتيجي لحزب العدالة والتنمية، وهو الذي اوقع رجب طيب اردوغان بما هو فيه من تخبط سياسي وتخبط اقتصادي لأن موقف انقرة من الأزمة السورية حرمها من سوق تجاري واسع في سورية، ومن ممر بري مهم للبضائع التركية بإتجاه لبنان والأردن ودول الخليج. ولم يعد بإستطاعة تركيا التراجع عن مواقفها، فهي التي تستيضف معظم اطياف المعارضة السورية على اراضيها، وهي من ضمن الدول التي تكفلت بتمرير السلاح والرجال الى الداخل السوري، وهي التي اعتبرت ان انتصارها في سورية سيؤدي الى فتوحات لمصلحتها في كافة ارجاء العالم العربي والإسلامي بحيث تصبح القوة القادرة على مخاطبة العالم من خلال قيادتها لأهل السنة، ومن خلالها اطلالتها الأوروبية في جزء من اراضيها لتصبح حلقة وصل الزامـــية بين العالمين الإسلامي والغربي. اما عن ايران فإنها لا تزال تدافع عن حلف لطالما حلمت بتأسيسه يمتد من طهران مروراً بالعراق وسورية وصولاً الى حزب الله في لبنان عسى ان يضم مستقبلاً قوى أخرى من العالم العربي ومن اسيا الوسطى. وإيران، كما الولايات المتحدة الأميركية، تخوض حروبها خارج اراضيها لمنع أي ضرر مباشر عنها، ولهذا تعتبر ان حماية ما تسميه ‘محور المقاومة’ هو حماية في نفس الوقت لأمنها القومي. ولذلك لن تتخلى عن النظام السوري، ولن تتوقف عن دعمه ومده بكل اشكال الصمود. وتحقيقاً لذلك كان عليها ان تحرك الورقـــة العراقية في مواجهة تركيا حيث تشهد العلاقات الأن بين بغداد وأنقرة توتراً كـــــبيراً ترك انعكاسات سلبية على المبادلات التجارية بين البلدين، كما حد من قدرة تركيا على استخدام العراق كممر بري لبضائعها بإتجاه الخليج والأردن كبديل عن الممر السوري. ولما وجدت طهــران ان الرسالة العراقــــية لتركـــيا وصلت ضعيفة وغير ذات تأثـــــير كبير عمــــدت الى إستخدام ورقة علاقاتهـــــا المباشرة مــــع انقـــرة حيث دعا بعض كبار المسؤولين الإيرانيين انقرة الى التوقف عن التدخـــــل في الملف السوري تحت طائلة وقف العلاقات الأقتصـــادية بين البلدين، وتحت طائلة استخدام وسائل اخرى لمنع تركيا من التأثير على أي مشروع تغييري في سورية. ولقد حمل أمين المجلس الاعلى للامن القومي الايراني سعيد جليلي التحــــذيرات الإيرانية الى تركيا في زيارته الأخيرة لها قاصداً من وراء ذلك ليس ضم تركيا الى الإجــتماع التشاوري الذي استضافته طهران يوم الخميس 9/8/2012 والذي حضرته نحو 30 دولة وأنما بهدف دفع تركيا لتحييد نفسها عما يجري في سوريا والأكتفاء بموقف المراقب. وعليه لم يعد الوضع الحالي في الشرق الأوسط هو اسير الأزمة السورية وأسقاط نظام بشار الأسد بل اصبح اسير الصراع الدولي والأقليمي بين مشروعين احدهما تقوده امريكا والآخر تقوده روسيا وما بينهما من مصالح لدول اقليمية اقلها حتى الأن تركيا وإيران.’ رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية