العراقي زياد تركي: التصوير السينمائي يمنحني متعة العمل الجماعي والتفكير بصوت عالٍ

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» – من صفاء ذياب: منذ أن تخرج المصور العراقي زياد تركي، المقيم حالياً في أميركا، في معهد الفنون الجميلة في العالم 1986، عرف كفنان فوتوغرافي معني بلقطته وبمساقط الضوء، فضلا عن اطلاعه على أهم المدارس التي عنيت بهذا الفن، على الرغم من تخرجه في قسم المسرح. أقام تركي (تولد 1964) معرضاً فوتوغرافياً ضمن فعاليات مهرجان المدى الأول في العام 2006، ومعرضاً آخر في معهد غوتة بسنغافورة.
إلا أنه لم يتوقف عند دراسته في معهد الفنون الجميلة، فقرر أن يدخل قسم السينما في كلية الفنون الجميلة، وتخرج فيه في العام 1999، ليقوم بتصوير أول فيلم سينمائي عراقي بعد سقوط النظام السابق في العام 2003، وكان مديرا لتصوير فيلم (غير صالح) لعدي رشيد. الفيلم عرض في عدد كبير من المهرجانات السينمائية، وفاز بعدة جوائز أيضا. كما قام بتصوير فيم (العراق موطني) لهادي ماهود في العام 2005، وفيلم (زيارة إلى جنة) لمقداد عبد الرضا في العام 2006.
* لا ينفك زياد تركي يبحث عن الحركة في الصورة الفوتوغرافية، ما اللحظات التي تبحث عنها في صورتك؟
* هي لحظة فيزيائية أستجيب لها عندما تكون الحركة أساس الفعل أمامي. مثلا إذا كنت أمام شجرة تتمايل بفعل رياح قوية فأني سأفعل عكس الصحيح من الناحية التقنية وهو وضع سرعة الغالق لكاميرتي بطيئة وبنسبة معينة كي أحصل على صورة قد تكون مهزوزة لكنها أكثر شاعرية. كما أحب مشاهدة أو التقاط الماء الجاري بسرعة غالق بطيئة وهذه إحدى مزايا الفوتوغراف لقدرته على طرح قيم ذهنية جديدة للعقل البشري غير مرئية أو ملمومسة في الواقع، تماما مثل السلومشن في الفيلم السينمائي.
ليس هناك لحظة معينة أهتم بها او أبحث عنها، بل هناك دراما غير محكية، دراما من نوع آخر في اللقطة الفوتوغرافية، ربما يكون مشهد ضوئي او حركي او تكوين معين او حالة انسانية عادية، او نتاج بيئي طبيعي متكرر منذ الخليقة. كل هذه العناصر تجذبني وتجذب غيري، ولكن ما زلت أتمرن على (قدرة الاكتشاف)، هذه القدرة أساسية في متعة الفنان، اي عندما تكتشف ما لست تبحث عنه.
* العائلة، الأطفال، البيوت القديمة، أهم المحاور التي نجدها في أغلب معارضك الفوتوغرافية، هل هذه المحاور لتدوين الحياة اليومية أو للبحث عن الروح في الصورة الفوتوغرافية؟
* هذه المحاور هي مفردات البئية التي أعيشها وأتاثر بها. كما أن الحرب افرزت لنا على مدار السنين خرائب على مستوى المعماري كما الانساني. دائما اعتقد أنه سيأتي جيل سوف لن يعرف سر الألم الذي عشناه، لكن ربما ستساهم صوري لإيصال الفهم عن عصرنا المريض هذا. لكني لست مهتما بالبحث عن الروح في الصورة لاني لم ادرك المعنى لهذه الفكرة أبداً.
* أقمت أكثر من معرض فوتوغرافي خلال السنوات الماضية، ما أهم مراحل تطور الصورة الفوتوغرافية لديك؟
* عمليا أرى أن لدي معرضا شخصيا واحدا، لكنه تجول كثيرا في العالم. وعازم على رسم مخطط لمعرضي الثاني الذي بدأت بدراسته منذ سنتين وما زلت أطور الفكرة فيه وأحلم بعرضه في العام 2015.
أرى أن الصورة ليست كاللوحة التشكيلية المصنوعة بحرفة فنان، بل كما أسلفت هي تسجيل لاكتشاف بصري، وتتطور حسب التفكير في المشروع الفوتوغرافي ككل، والتخطيط له وإيجاد أسبابه واخشى جدا من اعادة تجارب السابقين، وكل جديد سأطرحه بالتأكيد سيكون مفيدا للآخرين، وهذا هدفي، لكنه أيضا لا يدل على ان جيلي انتج اهم مما انتجه ناظم رمزي او فؤاد شاكر او غيرهما من اجيال سابقة، لا على الاطلاق، ولكن لكل عصر رؤية جديدة بوسائل جديدة. واليوم بلغت السهولة لانتاج الصورة بالوسائل الرقمية، بكل ثانية يمكن التقاط ملايين الصور، لكن أهمها تعد على اصابع اليد بالشهر الواحد لو حسبنا الانتاج العالمي ككل. لذا لا قيمة للكثرة او التكرار. اغلب تجارب الشباب فيها الكثير من التكرار، إلا أني أتعامل معها بتفهم.
* أغلب أعمالك بالأسود والأبيض، كيف توظف تباين الظل والضوء في فضاء صورتك؟
* أهتم جداً بأن يكون للموضوع الذي أحب. إن الصوره بالأسود والأبيض هو أن تكون الإضاءة فيها من مصدر واحد. كل ما سيعكسه هذا الشعاع الضوئي وينتجه حسب الكتلة، وبعدها أو قربها إلى مصدر الضوء في اللقطة هو عبارة عن تناغم ضوئي يمزج المناطق المشرقة مع المناطق المظلمة بدفء أكبر مما لو صورته بالألوان. هذه خلاصة الفكرة البصرية والتقنية لدي بموضوع الأبيض والأسود. لقد انتجت شركة لايكا كاميرا رقمية للأسود والأبيض (lieca- M Monochrom) لكن يبقى سر الجمال الأسود والأبيض يعتمد على عين المصور وليس الكاميرا وحسب، لكنها جاءت لتعوض إيقاف انتاج الفيلم (الاسود والابيض) وفقدانه من السوق نهائيا. وهذا لم يحصل بعد، وأعتقد ستكون مستقبلا شائعة جدا وجود كاميرات رقمية للأسود والأبيض فقط.
* هناك من يؤكد على أن الفوتوغرافي ذا الخلفية المعرفية والثقافية أكثر مهارة من الفوتوغرافي البعيد عن القراءة، ما مدى تأثير المعرفة على عين وعدسة زياد تركي؟
* بدون شك المعرفة والوعي يعنيان الكثير ليس في الفوتوغراف وحده، بل في كل وسائط التخاطب . في اللغة مثلا، هناك لغة متقنة جدا تستعمل في الخطابات الادارية، لكنها جامدة ومصيرها أدراج المكاتب والحفظ، واللغة أيضا تستعملها في كتابة قصيدة جميلة لتبقى خالدة في ضمائر الناس. أيضا هناك صور وظيفية تعلق على الجدران بوصفها تذكارا أو تنشر في بعض الصحف، وأخرى حيوية ناتجة عن فهم ومعرفة جمالية لا تأتي إلا من عين فنان استطاع ان يتمكن من أدواته عن طريق الوعي والثقافة.
* اجتهد عدد من المصورين الاوربيين على بناء الصورة، أي عمل سيناريو للمكان وترتيب الشخوص ومن ثم التقاط الصورة، بينما يسعى أغلب المصورين العراقيين والعرب الى التقاط اللحظة التي قد لا تتكرر، كيف تنظر للصورتين؟
* تاريخيا فان الفوتوغراف في اوربا كان شاهدا على اخر عصور الرسم الكلاسيكي، لذا استمر طويلا بالمحافظة على اصول تكوين اللقطة (اللوحة) من خلال عناصر يضعها الفنان في المشهد ثم يأتي الموديل ليقف وقفته. لذا لا استغرب هذه الفكرة، بل اتفق معك بأن هناك من يصنع الصدفة، إذ تبدو الصورة لحظوية وغير متحكم بها، هذا ما يسمى صناعة الصورة وهذا اسلوب معين ليس بالضرورة قاعدة اوربية، بل أيضا توجد مدارس اخرى تعتمد التصوير اللحظوي والصحفي. أما المقارنة مع المصورين العراقيين أو العرب، فأني لا أتفق معها. لكننا كشرق اوسط، كنا دائما مركزا للاحداث والمشاكل، لذا صارت صورنا تعكس حياتنا ومفرداتها وتبدو صورا لحظوية بالغالب، فيها الفقر والجمال، فيها الحروب والانتفاضات، وفيها فوضى الاسواق والشوارع وابتسامات الاطفال ولعبهم ومشاهد دماء هنا وهنا. نحن كعرب او عراقيين لا نجيد الصناعة، ومنها صناعة الصورة. ولست اعني ان هذا سمة سلبية قد تكون سلبيتنا الوحيدة أنا لا نجيد التصنع في الصور. وأجزم على أنا شعوب مقلدة لحضارة الغرب بكل تفاصيلها ومنها التصوير. إلا أننا لا نملك تقليدهم في صناعة الكاميرات والعدسات والتقنيات التكنولوجية؟
* عملت مصوراً سينمائياً، وكنت مديراً لتصوير فيلم عدي رشيد (غير صالح)، كيف تصف هذه التجربة؟
* إنها تجربة خاصة وفريدة لصناعة فيلم، بل هي تجربة حرب أردنا قول شيء فيها وبصمت. أردنا ان نحمل هذا الفيلم احلامنا وهمومنا ومخاوفنا وقلقنا من مستقبل قادم. للأسف في الواقع تحققت كل مخاوفنا ولم يتحقق حلمنا بالحرية. الفيلم كان نبوءة مخرج وشاعر ومصور وممثل ونحات وفريق أرادوا قول شهادتهم.
على المستوى التقني كانت هناك تفاصيل غريبة لا يتسع ذكرها هنا، ولكن على مستوى العمل مع الفنان عدي رشيد وفريق عظيم كمجموعة ناجين كان امرا رائعا. كنت معجبا بذاك الشاب الذي أراد ان يمنح الفيلم خبرته السينمائية كسبها بعصامية وحب. وهو لم يدخل صفا لدراسة السينما، إنما دخل (الحلم) في السينما. وعدي ظاهرة تستحق الدراسة.
كما أشعر بالأسف الكبير أن المؤسسات والجامعات العراقية لم تأخذ بيدنا ولم تقدم أي دعم للفيلم، لا خلال مدة الانتاج ولا بعد إنتاج الفيلم وعرضه بمهرجانات عالمية وحصوله على جوائز مهمة. احتفت بالفيلم المؤسسات الثقافية والجامعية ببلدان مثل المانيا واميركا، وعندما جئت الى اميركا طلب مني احد المتخصصين التحدث عن تجربة الفيلم في بعض الجامعات، وقد فوجئت بأن طلابها كانوا متابعين له من خلال عرضه والكتابة عنه.
أرجو ان لا يطول هذا الاهمال كي لا نفقد الثقة في ان التاريخ التوثيقي للابداع سيكون اعوج وأعمى. اتمنى ان تكون هناك فرصة للتفكير بهذا الانجاز وما جاء بعده من جهود كبيرة عن طريق المؤسسات العراقية والجامعات كمرحلة اخرى في تاريخ السينما العراقية بدأت في 2003.
* ما أهم نقاط الاختلاف بين الصورة الفوتوغرافية والتصوير السينمائي؟
* ببساطة الصورة الفوتوغرافية هي (فكرة) نزورها ونحتفي بها كلما أردنا، وهي منجز متكامل. بينما اللقطة السينمائية خلية صغيرة غير مكتملة وتحتاج الى مراحل من التفكير والتصور. ولا اتفق مع مقولة ان اللقطة السينمائية هي 24 كادر فوتوغرافي في الثانية، هذا كلام تقني مدرسي.
التصوير السينمائي يمنحني متعة العمل الجماعي والتفكير بصوت عال، في حين يجعلني التصوير الفوتوغرافي وحيدا وقلقا ومتلصصا.
* البعض يعد الصورة زمانا واقفا؛ ومكانا لا يسير، فيما يرى آخرون أن الصورة كائن حي يحافظ على كينونته من خلال عين الفنان.. كيف تنظر لهذه العلاقة الإشكالية؟
* بل الصورة مادة حيوية، لطالما جعلتنا نشعر بالبهجة أو الحزن أو الاثارة أو الحنين للماضي أو منحتنا فكرة عن طبيعة مجتمعات زائلة، وكيف كانت تعمل وتزرع وتسافر وتتسوق وتحب وتتزوج. وهذه المادة (الصورة) تسير في حواسنا وتمتلكها، وتمنحنا شيئا لا يمنحه لنا الكلام مهما طال او قصر.
الفنان من خلال عينه، أو الموثق من خلال موضوعه، ما هما إلا شهود صادقين للأجيال القادمة. طبعا هناك صور لا قيمة لها وتجدها ثابتة وجامدة، لكن هذا النوع من الصور سيزيله الزمن، حينها لن يبقى لتلك الاجيال إلا ما ينبغي أن يصل إليهم.
* تقيم الآن في أميركا، ماذا أضاف لك السفر في بناء صورتك الفوتوغرافية؟
* لا اعتقد ان رؤيتك الفوتوغرافية ستختلف بين اميركا أو العراق، ولكن تجد ان انتاجك الفني في الدول الحضارية ليس لك وحدك، بل هو شراكة انسانية كاملة. هنا تتوفر مؤسسات لغرض التوثيق والاستفادة من أعمالك. لن تبقي صورك في مكتبك وحدك، بل تجمع ضمن ارشيف انساني كبير ويبقى اسمك وتاريخ التصوير ومكان الصورة وموضوعها معلومات للاجيال قادمة. هنا يمنحون الفوتوغراف جدوى كبيرة. ونتيجة هذا الاهتمام يصبح الفنان الفوتوغرافي انسانا منظما ويخطط لمشاريعه بحساب ومسؤولية كبيرة .
* ما مشاريع زياد تركي المستقبلية؟
* مشاريعي ما زالت أحلاما، وكونها أحلاما فأني أخاف من عدم تحقيقها، لكني أترك للمستقبل التحدث عن مشاريعي الفوتوغرافية. إلا أني أسعى لفعل مشروعي القادم، البالغ الأهمية، وأنا الان بصدد إيجاد التمويل له. لكني حاليا أتهيأ لتصوير فيلم سينمائي. سأعلن عن تفاصيله حينما تتضح لي بعض الامور.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية