الوظائف الجمالية للغة والنصُّ السيابي: عن البنى الأسلوبية في أنشودة المطر

حجم الخط
0

د. إبراهيم خليللم يحظ شاعر قديم، أو حديث، بمثل ما حظي به بدر شاكر السياب (1926- 1964) وشعره، من دراسة، وتحليل، وتمْحيص ، فسيرته، وأشعاره، ظلا على الدوام موضع اهتمام الباحثين المولعين بتدوين السيَر، وكتابة التراجم، واستقصاء التفاصيل التي تتصل بالمذكرات، وتدوين المعلومات، وتكفي الإشارة في هذا السياق لباحثٍ مخضرم هو الراحل د. إحسان عباس، وإلى كتابه الضخم ‘ بدر شاكر السياب في حياته وشعره’ 1969 الذي قضى في تأليفه سنوات، للدلالة على سعة هذا الاهتمام، وامتداده، وعمقه. والذين كتبوا سيرة السياب، بالإضافة إلى إحسان عباس، كثيرون، منهم: محمود العبطة 1965 وعبد الجبار داود البصري 1966 وسيمون جارجي 1966 ومحمد التونجي 1968 ونبيلة الرزاز 1968 وعيسى بلاطة 1970 وحسن توفيق 1971 وريتا عوض 1981.أما شعره، فقد جرى تناوله من مداخل عدة، وزوايا نظر كثيرة. فمن زاوية الأسطورة تناوله أسعد زروق 1959 ومن زاوية الريادة عبد الجبار البصري 1968 وهو كتاب غير الذي أشير إليه في السابق. وتناوله يوسف الصايغ من باب الريادة أيضًا في كتاب عن الشعر العراقي الحديث 1978 ومن زاوية المذهب الأدبي تناوله كل من محمد التونجي، والمُطّلبي 1981 ومن وجهة التجديد، والحداثة، تناوله جبرا إبراهيم جبرا 1969 وإلياس خوري 1979 ود. هاشم ياغي 1981 . وخصّصتْ لقصيدته ‘ أنشودة المطر ‘ وحدَها دراسات عدة، منها – على سبيل المثال لا الحصر- دراسة عبد اللطيف شرارة في الآداب (تموز 1954) وروز غريب (الآداب : آب – أغسطس 1954) وإيليا حاوي في الآداب ( مايو / أيار 1961) وحسن صعب في الآداب أيضا (1965) وإحسان عباس 1969 وعلي الشرع (ابحاث اليرموك 1985) وحسني عبد اللطيف ( آفاق عربية 1992) ونايف أبو عبيد (أفكار 1981) وأخيرًا خصَّص محمد الخبو من تونس- لهذه القصيدة كتابا مستقلا درسها فيه دراسة جديدة، سمّاها ‘ مدخل إلى الشعر العربي الحديث ‘ صدرت عن دار الجنوب للنشر 1995. ومع أنَّ المبالغة واضحة جدا في جعل الدراسة معقودة ‘ لأنشودة المطر ‘ في الوقت الذي يؤكد فيه أنها مدخل للشعر العربي الحديث كله، إلا أن أحدًا لم ينكر على محمد الخبو مثل هذه الطريق التي سلك، والمنهج الذي اتبع. وكأنه بهذه الطريقة، التي اتخذها في تأليف الكتاب، يغري غيره بتناول القصيدة، أو الديوان الذي يحمل العنوان إياه، بدراساتٍ تتشابه، أو تختلف، فما كان من حسن ناظم من العراق- إلا أن تصدى لهذه المهمة، وانبرى لهذا الغرض. فتناول شعر السياب في الديوان المذكور تناولا جديدا اعتمد فيه التحليل الأسلوبي للقصائد في سعى منه لإبراز الوظائف الجمالية للغة الشعرية في الديوان.وخلافًا لطريقة محمد الخبو، الذي مهد لكتابه بمقدمة عن المصطلح المتداول في هذا المقام، وعن الفرق بين الحديث والمعاصر، نجد حسن ناظم يهتم في أوَّل كتابه بتمهيد نظري يفرق فيه بين النهج الذي يسلكه، في قراءة الديوان ‘ أنشودة المطر ‘ وغيره؛ فالنهج الذي يسلكه- وهو القراءة الأسلوبية – يحتاج في رأيه إلى تعريف ينطوي على شرح كاف لأبعاد الطريقة المتبعة في الدرس النقدي، فما هي الأسلوبية، وما هو الأسلوب؟ سؤال بذل المؤلف جهدا كبيرًا في الأجابة عنه، غير أنَّ الجواب الذي قدمه في صفحات عدة غير واضح، فقد كان اعتماده في تحديد ماهية الأسلوب على المعاجم، وهو اعتماد لا يخلو من خلل، فطبيعة الأسلوبية من حيث أنها فرع من فروع اللسانيات التطبيقية، لا تسعفنا المعاجم في الكشف عن دلالاتها، فالأسلوبية هي الدراسة اللسانية التي تتغيا معرفة الوظائف الإنشائية للغة عامة، ولغة الأدب خاصة، ومنه الشعر تحديدًا. وهي بهذا المعنى تنتفع من دراسة لغة النثر، والشعر، لإفادة علم اللسان الحديث بالكشف عن العناصر التي تتيح للغة أداء وظيفة أخرى إلى جانب وظيفتها الرئيسة، وهي الإبلاغ، والتوصيل.وبطبيعة الحال لا بد من الوقوف على شيء مما يتصل بنشأة الأسلوبية من حيث هي فرع من فروع علم اللسان، وهذا ما لم يتوانَ المؤلف عن القيام به قطعًا، فوقف بنا عند آراء سوسير في العلامة، وآراء شارلز بالي، مسفيدا من الكتاب الذي عربه كاظم سعد الدين عن الأسلوبية والأسلوب للمؤلف البريطاني غراهام هو Hough 1985 مشيرًا لاراء ليو سبتزر، وإلى عناية الباحثين الفائقة بما يسمى الأسلوبية التعبيرية، وهي التي تهتم بدراسة الانزياحات الدلالية، كالذي نجده في العبارة الآتية من مطلع قصيدة لجون كيتس ‘ يا عروس السكينة البكر ‘ والعبارة التي استشهد بها نورثروب فراي ‘ قمَر الحظ القُلّب ‘ ففي المثالين نجد نموذجا لانزياح المفردة عن المعنى الذي وضعت له لتدل على معنى آخر. ويعرض حسن ناظم عرضًا شائقًا لأنواع أخرى من الأسلوبيّة، كالأسلوبية الإحصائية، منتفعًا من كتاب سعد مصلوح الذي أورد فيه شرحًا وافيا لمعادلة الألماني بوزيمان(نسبة الفعل إلى الصفة) وتطرق أيضا لأسلوبية فريمان، وأنواع الانزياح لديه، وأشكاله التي يتخذها عبر التمثيل البنيوي للتراكيب، وذلك مما سلط جون كوهين الضوء عليه في كتابه المتداول كثيرا ‘ بنية اللغة الشعرية ‘ .وفي الإطار نفسه يعرضُ المؤلف لآراء رومان ياكوبسون، وغيره من الشكليين الروس، لافتا النظر لما قاله هذا الأخير من تلازم المستويين التأليفي، أو المجاورة، أو الركن الخطي عند زيلغ هاريس، والمستوى الانتقائقي، أو الإبدالي، وانتهى بالكلام على أسلوبية ريفاتير الوظيفية. وهي أسلوبية تختلف عن غيرها من حيث النظر في موقف القارئ (المتلقي) فهو أي المتلقي- في أسلوبية ريفاتير عنصر أساسي، وركن رئيس يُعتمَد عليه اعتمادا مباشرا في تحديد طبيعة الأسلوب، لذا فالأسلوبية الوظيفية، تبعًا لذلك ، أكثر اهتمامًا بعملية التواصل، والتأثير في المتلقي، مما يجعل هذا النوع من الأسلوبية ذا قاسم مشترك مع نظرية التلقي Reception theory وبسبب عناية ريفاتير بتداول النصوص، وتأثيرها في المتلقي، اضطر إلى إحلال السياق محل (المعيار) في النظر الأسلوبي. وفي ذلك ما فيه من تفريق بين الدراسة الأسلوبية على أسس نشوئية أو إحصائية، وبين دراستها من خلال المنظور التداولي، والوظيفي. أما المؤلف سامحه الله- فعلى الرغم من عرضه الشيق المبسط للتيارات الأسلوبية الجديدة ، فإنه ينتقل حين ينتقل من التمهيد للفصل الأول من كتابه البنى الأسلوبية- انتقالا مفاجئا ومباشرًا لدراسة شعر السياب من غير أن يخبرنا أي تيار أسلوبي هو الذي يتبعه في هذه الدراسة، أهو التيار التعبيري، أم الإحصائي، أم الوظيفي، أم الأسلوبي التكويني؟ وكان جل ما جاء في مهاده النظري لا يتعدى كونه استعراضًا لا يستطيع القارئ أن يتبين منه أيَّ الأسلوبيات يختار ويتبنّى.فالفصل الأول عنده لا يتناول إلا البنية العروضية، وكنا نفضل ما دام اختار أن يبدأ بتحليل اللغة الشعرية من المستوى الأدنى، منتقلا إلى المستوى الأعلى، أي: من مستوى الصوت إلى مستوى الجملة، والمعنى، أن يكون عنوان الفصل خصائص البنية الصوتية، أو الإيقاعية، لأن الواقع الفعلي الذي تمخض عنه الفصل لا يكتفي بدراسة الأوزان، ولا القوافي، وإنما يتطرق بصفة دائمة للإيقاع، وهو بنفسه- يرفض المساواة بين الوزن والإيقاع، ويعدّ الأول قيدًا، والثاني فضلة يتفاوت بها الشعر الذي من الوزن نفسه.وهذه الإشكالية صرفت المؤلف حسن ناظم عن تتبع الإيقاع، إلى تصنيف جداول بالأوزان، والتفعيلات، وما يعتريها من علل وزحافات، وذلك شيء يستطيع أن يقوم به أي طالب جامعي أنهى مساقا واحدا في العروض، وقد أضاف المؤلف لما سبق جداول بما يعتري القوافي من مظاهر صوتية كالإطلاق، والإشباع، والوصل، والترخيم، وسناد الإشباع، والتقييد، والإرداف، والتأسيس. وهذا كله، وإن كان يتطلب إعداده جهدًا غير قليل، إلا أن محصلته ليست كبيرة؛ فما الذي يمكن أن يضيفه المؤلف إلى ما هو معروفٌ وتكرَّر ذكرُه في الدراسات السابقة عن عروض السياب، وموسيقاه؟ فالجداول التي أوردها حسن ناظم نجد مثلها في كتاب محمد الخبو (انظر ص84، 87،90) مع اختلافٍ لا بدَّ من التنويه إليه، والتنبيه عليه، وهو أن الخبو خالف هذه الطريقة بالالتفات مرارًا للإيقاع، واختصار الحديث فيما يتعلق بالقوافي والأوزان ، فيما بالغ حسن ناظم في تتبع الأوزان والقوافي، وفي اشتراك القصيدة الواحدة بأكثر من وزن، وعن اختلاف أنماط القافية من قصيدة لأخرى، وهي مبالغاتٌ خرجت به عن حدود الذوق إلى حشو، وتطويل، يدفع بالقارئ لترك الكثير من الصفحات دون قراءة وتخطيها لما بعدها طمعًا في الفائدة. ولم يشأ المؤلف أن ينتقل من الصوت، وهو الأدنى في البنية اللغوية، إلى الكلمة ملتزمًا ما حدده اللغويون من تدرج في طبيعة التسلسل اللساني، وإنما نجده يتخطى الكلمة إلى التركيب. والتركيب يتألف من كلمات أدناها اثنتان. وفي هذا الفصل يسعى للكشف عن تماسك البنى الأسلوبية، واتساقها عبر ما يسمى بالوصل، ومعاينة ‘ طبيعة هذا الوصل في مقاطع شعرية عدة، وتأثير المواضع التي يفضي فيها الوصل إلى بنى لسانية استطرادية تصريحية، فضلا عن رصد الانزياحات التركيبية التي يرتكبها النصّ السيابي. والمعروف أنَّ وضوح الهدف يؤدي بلا ريب لوضوح الإجراء، والمؤلف – ها هنا – يخلط بين دراسة التراكيب وهي دراسة تحيل إلى دراسة الجملة باعتبارها الإطارالذي يلتحم فيه التركيب بآخر، ويندمجان في جملة واحدة، ودراسة أخرى ذات طابع نحوي تعرف باسم قواعد النص text grammar وهي دراسة لسانية تتجاوز الجملة إلى دراسة البنية الكبرى macro structure بتعبير فان ديك Dijk ولهذا نراهُ يشير إلى الحذف، وإلى التماثل التكراري، وإلى علاقات التضامّ، أو التماسك cohesion وإلى ما يسمى بالإحالات، وإلى الفصل والوصل، وتقسيم النص الواحد إلى عدد من البنى الموضعية التي تتفاعل وتتحد في إطار البنية الكبرى عن طريق القواعد الموسومة بقواعد النص.وحتى هذا الجانب لم يسلم للمؤلف كله، فهو يستطرد مثلا- من الكلام على ما يعرف بالتمَفْصُل، الذي أطلق عليه فان ديك Dijk تسمية تقابلُ بالعربية ( الفصل) disjunction – وهو شيء يوقع الائتلاف والتماسك فيما هو مختلف ومتفرق متباين- نقول: يستطرد من ذلك إلى الكلام على المكونات النحوية المباشرة للجملة العربية، منتفعًا ببعض ما قرأه عن النحو البنيوي عند بلومفيلد، وعن نظريته المعروفة بنظرية المكونات المباشرة. وهذا شيءٌ يتكرّر في الكتاب مرارًا (على سبيل المثال ص 171 وص172 ) ومع هذا لا ننكر أنَّ بعض ما جاء عنده من تحليل للنصوص قد وفق فيه، بشرط ألا ينظر إليه من زاوية التحليل الأسلوبي المباشر، أو الخالص، وإنما من زاوية الاتكاء على ما يعرف في اللسنيات باسم ‘ تحليل الخطاب ‘. ولعل المؤلف نفسه قد أدرك ذلك، واعترف بما في الفصل من مشكلاتٍ، فصرح في ختامهِ، قائلا ‘ حرصنا على معالجة التركيب في ضوء الإيقاع تارة، وفي ضوء نفسية السياب تارة ، وفي ضوء الدلالة تارةً أخرى ‘. ولا يحتاج الأمرُ مع هذا التصريح المُبين دليلا آخر على تسرّع المؤلف، وبعده الواضح عن اتباع الأسلوبية الدقيقة في قراءة النصوص.أما الفصل الثالث والأخير ، فعدا عن أنه مشتركٌ مع مع الفصل الثاني في كثير من الجوانب، ولا سيما الجانب المتصل بقراءة المؤلف التأويلية لبعض الاقتباسات التي أوردها من شعر السياب، فقد جاء أقصر فصول الكتاب 198- 247 مع أنَّ طبيعة الدراسة تتطلب أن يوفي المؤلف هذا الجانب حقه، فغاية الشاعر من شعره هي أن يقول شيئا، وهذا الذي يقوله يتكشف في ما يسمى بالمستوى الدلالي، وقد جاءت معظم شواهدهِ منْ ‘ أنشودة المطر ‘ مما يعني أن المؤلف تجاهل أكثر قصائد الديوان، فهلْ كانت دلالات هذه القصيدة من السعة بحيث تغني عن سائر القصائد؟ لا نظن ذلك ! أما التفسيرات والشروح التي أفضى بها لرموز القصيدة، والعلاقة الجدلية فيها بين الدال والمدلول، فعلى الأغلب، والأعم، والأرجح، لا تختلف عن الجم الكثير الذي قيل فيها، وكتب، ولا عن الذي قيل في شعر السياب عامة، وكُتب. وكنا نحسب أن دراسة المؤلف، وهي عن ‘ البنى الأسلوبية ‘ في شعر السياب تضيف جديدًا غير القول بأن الحصاد يرمز إلى العطاء والخير، وأن الجوع يرمز للمعاناة والفقر والاستغلال والجشع، وأن الجراد والغربان يرمزان للاستبداد والاضطهاد الطبقي والاجتماعي، وأن التنافر بين العشب والجوع يرمز للواقع، بما فيه من طابع غيرر عقلاني، وصراع عبثي مستمر، وأن الموت والميلاد يرمزان، في نهاية القصيدة، لرؤيا الشاعر في حسم الصراع لصالح الطبقات المنسحقة المقهورة، وهذا كله قيلَ في شعر السياب عامة، وفي هذه القصيدة خاصة، وإذا كانت البنى الأسلوبية لا تضيف جديدًا لما قيل، فما مسوغ وجودها، وما جدوى اعتمادها منهاجًا في النقد والقراءة؟ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية