النظام الأردني وسياسة وحيد القرن

حجم الخط
0

حازم مقدادي يشكل قانون الإنتخاب في الأردن حلقة ضيقة من حلقات الإصلاح الشامل التي، أي حلقات الإصلاح تلك، آن للأردن بكل تفاصيله إن يَلِجَ بها بشكل كامل وإرادة صلبة ونيّة صادقة دون أدنى مُخاتلة أو تباطؤ. ذاك أن الإصلاح الشامل في الأردن لم يصبح مُلِحَّاً فقط لما تشهده المنطقة العربية من تغيير جذري ومُنحاز للشعوب، بل لأن التجربة الديمقراطية هناك بلَغت من العمر عِتِيَّا، ما يجعلها أمام مصيرَين، فإما الإنحسار والتراجع نحو الإنقلاب على المُخرَج الديمقراطي، وهذا ما شهده الأردن إبان العَقْد الأخير، أو التطور الطبيعي نحو تعزيز ذاك المُنجَز وإن كان، أي المُنجَز الديمقراطي، بائسا وهزيلا. فبرغم أهمية قانون الإنتخاب وحساسيته، بل وتأثيره الكبير في العملية الديمقراطية بمجملها وتعزيزها من جانب، وفي الإستقرار الإجتماعي والسياسي من جانب آخر، غير أنه لا يشكل جوهَرَ العملية الإصلاحية ولا حَجَرَ الزاوية بها، وهذا ما يُفسر مساعي النظام الحثيثة لِلَفت الإنتباه بعيدا عن مُتطلبات الإصلاح المحورية وتقليص المطالب الشعبية لتصبح مرتبطة بذاك القانون فحسب، بُغْيَةَ تمرير مشروع الإصلاح المُشَوَّهِ، والخروج من عنق الزجاجة صوب الزجاجة نفسها وليس صوب فضاء الحرية والديمقراطية.غير أن النظام في الأردن، برغم موقف الحكومة المُتَعَصِّب، ما زال يحاول تحقيق إجماع وطني حول قانون الإنتخاب المطروح اليوم بشكل يحفظ له ما تبقى من ماء وجهه، عبر تعهده بنزاهة الإنتخابات وشفافيتها في كل مراحلها، مُجَانِبَاً جوهر ما تتحدث عنه القوى الوطنية حول مَتْنِ القانون نفسه لا عن تفاصيل العملية الإجرائية للإنتخابات المزمع إجراؤها مع نهاية العام الحالي. فقد بات مــــن الواضح تمــــاما أن النظام أمام حقيــــقتــــين أحلاهما مُرّ، فإما أنه لا يَعِي مخاطر قانون الصوت الواحد، أو أنه يدركها لكنه لا يسعى نحو الوقاية والتخلص منها. فقانون الصوت الواحد في الأردن أُسْتُحْدِثَ في سياق المساعي الرامية لإفراز مجالس برلمانية رجعية، تدور في فلك النظام ولا تخالفه أبدا، مما يعزز شرعية قرارات النظام ومظهره الخارجي. غير أن هذا القانون أسهم وبشكل أساسي، إلى جانب مجموعة من العوامل التي إجتمعت معه، أسهم في تَشْظِيَة المجتمع الأردني وتفتيته لفئات متناحرة على أساس إقليمي وعشائري صِرْف، بمنأى عن أي إطار سياسي أو فكري إيجابي يُذْكَر. تفتيت كذاك من شأنه أن يحقق للنظام مزيدا من التمدد والإحتواء والإستقرار على حساب التَّصَدُّع الإجتماعي بكل جوانبه. ومن هنا يمكن لنا تفسير إحجام النظام حتى هذه اللحظة عن التوجه نحو إستحداث قانون إنتخاب يراعي النسبية وتعددية الأصوات. فقانون إنتخاب نسبي وتعددي يعني بالضرورة إنفلات الأردنيين من قيود العشائرية والولاءات الإقليمية الضيقة على المَدَيين المتوسط والبعيد، مما يتعارض مع توجهات النظام الذي حاول دائما إبتداع المزيد من تلك القيود وتكريسها، وسيعزز أيضا من مخاطر إفراز مجلس نيابي شبيه لذاك الذي شهده الإردن عام 1989، وهذا ما يرفضه النظام بتاتا. بالإضافة إلى أن التوجه نحو قانون نسبي يعني بالضرورة التخلص مما اصطلح على تسميته بـ’الأغلبية الصامتة’، تلك التي تُجَيَّرُ مواقفها، غير المعلن عنها، دائما لصالح النظام وتوجهاته حسب الضرورة، وبالتالي فإن قانونا من شأنه أن يُذِيبَ ما حققه قانون الصوت المجزوء في خدمة النظام، قانون كذاك مرفوض تماما.إن موقف المعارضة الأردنية يأتي في إطار إضمحلال ثقة القوى الوطنية المختلفة بنوايا النظام وتعهداته. فقد بات اليوم من المعروف أن مطلب المعارضة الجوهري، والمتمثل بتقييد صلاحية المَلِكِ وحصرها بتشكيل حكومات برلمانية فقط، أصبح ذاك المطلب مَحَلَّ تعهد وضمانة ملكية بأن تكون الحكومات المقبلة في الأردن حكومات برلمانية. ومن هنا فإن التساؤل الأهم الآن هو: لِمَ تتمسك المعارضة بموقفها الرافض لما شهده الأردن من إصلاحات، ومتشبثة بحقها في مقاطعة الإنتخابات المقبلة برغم تلك الضمانة الملكية؟ إن إصرار القوى الوطنية على رفض قانون الإنتخاب وخطوات الإصلاح في الأردن – برغم التعهد الملكي – ليُشير وبشكل جليّ على نضج تلك القوى وإدراكها للمغزى السياسي والتفسير القانوني للموقف الملكي آنف الذكر. فالتعهد الملكي ببرلمانية الحكومات المقبلة هو تعهد سياسي مُتحرر من الإطار القانوني، مما يجعل الإلتفاف عليه والرِدّة عنه في أي وقت أمر ممكن، وذلك لإنعدام الضمانة والمرجعية الدستورية التي تكفله وتكرسه، بل على النقيض من ذلك تماما، فالمرجعة الدستورية بشكلها الحالي تشكل مظلة تُتِيح الإرتداد عن ذلك التعهد والتحلل منه في أي وقت، ومن هنا فإن القوى الوطنية لا تريد إيلاج الوطن في غياهب التأويلات وما تبيحه الضرورات من المحظورات. ومما يعزز من منطقية موقف القوى الوطنية هذا، هو أن كثيرا من المواقف والرؤى الملكية في الأردن لم تدخل في الإطار التنفيذي لغياب ما يتطلبه تنفيذها من نص قانوني ودستوري ينظم ويُشَرْعِنُ ذاك التنفيذ. ولنا هنا أن نستذكر ما جاء في خطاب الملك الأردني الراحل حول قراره المتعلق بفك الإرتباط مع الضفة الغربية في تموز من عام 1988. فبرغم أن الموقف الملكي من فك الإرتباط كان واضحا، غير أن ذاك الموقف كان سياسيا أكثر منه موقفا قانونيا، وذلك لعدم وجود ما يَلْزَمُه من قنوات قانونية ودستورية تُكْسِبُه صفة التنفيذ، مما جعل الموقف الملكي ذاك مراوحا في الأروقة السياسية فقط. ويمكن أيضا التوقف عند مبادرة الملك الأردني عبدالله الثاني التي جاءت في سياق أحدى خطاباته، وهو يؤكد على حرية الأردنيين في التعليق على قرارات الملك وسياساته، فبرغم ذاك الموقف ما زال النص القانوني والدستوري قابلا للتأويل في هذه الجزئية، وما زال الأردن يشهد بين الحين والآخر محاكمات لأصحاب الفكر والرأي الذين يُعَلِّقون على القرار الملكي وتوجهاته، بما يُسَمَّى تهمة إطالة اللسان، تلك التهمة الخاضعة للنسبية والقابلة للتوظيف في سياق الإبتزاز السياسي. إن ما ورد في التحليل الأخير ليؤكد على ضرورة تحويل التعهد الملكي لنص قانوني ودستوري مُلْزِم، مما يعزز من المصداقية والإستقرار، وينأى بنا بعيدا عن الشكل السياسي الذي يكتنف الضمانة الملكية حتى الآن. إن مفهوم الإصلاح بمعناه العام، مرتبط بمحورين، أحدهما ذِهْنِيٌّ والآخر مُمَارَسٌ، ذاك أن تطور الإستيعاب الذهني للعملية الديمقراطية والسياسية هو تطور تراكمي يعتمد إلى حد كبير على الجانب المُمَارَسِ من تلك العملية وما يتخلله من أخطاء وما يليه من إجراءات التقييم والتقويم في إطار تعزيز النهج الديمقراطي وترسيخه. غير أن الحكومة الأردنية الحالية ما زالت تعاني من قصور في المفهوم الديمقراطي وهي تطلق تصريحات تُلَمِّحُ لتجريم موقف القوى الوطنية والمعارضة الداعية لمقاطعة العملية الإصلاحية والإنتخابية وسلخ صفة الشرعية عنها، عبر إعتبار الحكومة لموقف المعارضة ذاك ‘تحريضا’. إن موقف الحكومة ذاك يأتي في السياق المألوف عن الحكومات الأردنية المتعاقبة تلك التي دأبت دائما على شيطنة كل من يعارض سياسيات النظام، بل وتذهب تلك الحكومات أبعد من ذلك عبر المزايدات الوطنية الفارغة والتشكيك في وطنية المعارضة بمختلف أطيافها وعقائدها، مما يؤكد على أن النظام الأردني برمته ما زال متمترسا في كهفه وقابعا على عتبات الربيع العربي والإنساني. ‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية