باسل أبو حمدة ثمة إصرار في أوساط النخبة المثقة في أرجاء متفرقة من العالم العربي على وسم القوى التي نهضت بالربيع العربي بالمراهقة وقلة الخبرة وحتى الصبيانية، ما يجعلها غير مؤهلـــة لمواجهة استحقاقات مرحلة انتقالية ضرورية تتطلبها مرحلة الانتقال من منظومة سياسية قائمة على التسلط والاستبداد دامت طويلا إلى منظومة ديمقراطية قائمة على دولة القانون لا تزال في طورها الجنيني، وما أفضى إلى إطلاق تحليلات عرجاء اصحابها يزعقون ليل نهار بادعات متشائمة محورها الرئيسي يشي بمصادرة مكتسبات الثورات العربية من قبل قوى متنوعة عربية وإقليمية ودولية لا مصلحة لها بالتغيير أو تسعى إلى جره إلى ساحتها وتطويعه وفق ما تتطلبه مصالحها. لا يختلف عاقلان ليس على وجود مخاوف من هذا القبيل فحسب، وإنما على قوة وجودها وسعة انتشارها وحتى صحتها، لكن عندما يعمد البعض إلى تضخيمها والاعلاء من شأنها وجعلها العنوان العريض لهذه التجارب الثورية المشرقة، فإنها تتحول تلقائيا وبالضرورة إلى عصي تحشر حشرا في دواليبها وتفتح، في الوقت نفسه، الباب على مصراعيه أمام عدد لا يحصى من علامات الاستفهام التي يلف الإجابات عليها الكثير من الغموض والشك في هوية اصحاب هذه الطرح وحول المآلات المتوارية خلفه والأجندات التي يتحرك في فضائها. تستحضر فكرة مصادرة مخرجات الربيع العربي مروحة من الأفكار والطروحات الصحيحة والمغرضة التي سبقتها ولا تزال ترافقها بإصرار عجيب أيضا، فظهرت تحذيرات من مجانية الكفاح من أجل التغيير لأنه لن يفضي لشيئ إلا لركوب قوى سلفية موجة الثورات العربية وجرها إلى ساحتها أو إلى بروز نجم تنظيمات متشددة مثل (القاعدة) أو إلى حرب طائفية أو أهلية ، فضلا عن التدخل الخارجي أو تقسم البلاد إلى دويلات طائفية ومذهبية وإثنية.لا أحد يستطيع إنكار العناصر المتنوعة المكونة لهذه المروحة من المخاطر التي تحيق بمساعي التغيير الثوري الجاري على قدم وساق في غير بلد عربي، لا بل إننا نؤكد على ضرورة التعامل بقوة معها جميعا وفي وقت واحد وذلك للحيلولة دون إمكانية تحققها كاملة أو بعض منها، بحيث يصار إلى قراءة كل منها على حدا قراءة موضوعية متأنية وعدم الاكتفاء بطرحها إعلاميا وإشاعة المخاوف منها فقط ومن ثم وضع البرامج والخطط لمواجهتا كما يجب في سياق ما بات يتردد على كل لسان حول واقع أن شعار إسقاط هذا هذا النظام الاستبداي أو ذاك لا يشكل إلا رأس حربة التغيير ومنطلقه ليس إلا وأن جملة من الجبهات الأخرى يجب أن تفتح ويتم العمل عليها كضمانة للصول بالتغيير إلى بر الأمان. بكلمات أخرى، تقف الثورات العربية عموما والثورة السورية خاصة على عتبة إنتظار سلسلة من المعالجات أو الاستحقاقات الحتمية التي بدونها ستبقى محاطة بكل تلك المخاوف، التي لا تشكل مسألة تخطيها سوى مقدمة للولوج إلى الملفات والأهداف الحقيقية التي قامت من أجلها الثورات وعلى رأسها بناء الدولة المدنية الحديثة بعد التخلص من أمراض مستعصية لها أول وليس لها آخر خلفتها أنظمة متعفنة تماهت في عدائها لكل منجزات البشرية على المستويات كافة، وهنا لا بد من لفت الانتباه إلى أن مجموعة هذه المخاوف تزداد شراسة كلما طالت فترة معالجتها، لأنها تمتلك من آليات تطوير نفسها ما يكفي ويزيد عن الحاجة إذا أخذنا بعين الاعتبار سعي الأنظمة المستبدة إلى البقاء في مواقعها أطول فترة ممكنة في حركة معاكسة لمسار التاريخ الذي لا مكان فيه لمفردة السكون. من نافلة القول إن هذه الدعوة لا تشمل التجارب الثورية التي لم تجتز بعد مرحلة اسقاط الأنظمة، بل إنهى تعنى كذلك بتلك التجارب التي تخلصت من أنظمتها الاستبدادية قولا وفعلا، لا بل إن هذه ألخيرة ربما تكون أو لا بد أن تكون معنية أكثر من غيرها في التعامل مع هذه المروحة من الهداف والمخاطر، وبذلك تصبح مقولة (مصادرة الثورات) أو الحيلولة دون مصادرتها جزءا لا يتجزأ برنامج عملها الطويل، الذي له وله فقط تعود إمكانية نيل شرعيتها من خلال استقطاب مزيد من الفئات والقطاعات الجماهيرية حولها في حركة دؤوبة لا تعرف الهدوء كفيلة بسد الطريق على الأصوات المغرضة التي يتلطى أصحابها خلف طرح شعرات حق يراد منها باطل كما يقال.إذا تتبعنا خطوات الحراك الثوري في مخرجات الربيع العربي وما أحاطه من مخاوف وعراقيل، نجد أنه كلما كانت تتسارع تلك الخطوات صعودا، كانت تتنحى تلك المخاوف كما حدث في الحالتين التونسية والمصرية، وكلما تباطأت ذاتيا أو موضوعيا أو كلاهما معا، كانت المخاوف تتوالد وتنمو بين ظهراني هذا المشهد التغييري، الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابها وفاجأ الجميع ، كما يحصل في الحالة السورية، على سبيل المثال، مع بقاء الباب مفتوحا لمزيد من المفاجآت في بلدان عربية أخرى لا تزال على على قائمة استحقاق التغيير فيها. لكن على هامش بورصة التهديدات التي تحيق بتجربة كالتجربة السورية،على سبيل المثال، ثمة مسار آخر تتكشف على ضفافه العديد من المهمات ذات طبيعة إستراتيجية بالغة الأهمية ومن حسن أنها تتكشف وتتبلور معبرة عن نفسها من خلال حالة الترابط التاريخية بين المكون الرئيسي للثورة وأهدافها المبدئية من جهة وبين مجموعة من القضايا التي لا تقل شأنا عن أهداف الثورة الرئيسية وهي تتعلق في المقام الأول بقضايا تحيط بالثورة لكنها تتقاطع معها وتشكل جزءا من التغيير عند مستوى معين ومن بين أهمها تبرز مسألة ما يطلق عليه جزافا قضية الأقليات، التي يحاول بعض مكوناتها استغلال الحظة الحرجة التاريخية التي تشهدها سوريا بإتجاه تحصيل أكبر قدر ممكن من المكتسبات حتى لو جاءت على حساب الثورة وتحقيق أهدافها بأقصر وقت ممكن وبأقل التكاليف. مواجهة هذا النوع من المعوقات، يجب أن يسير، في ظني، جنبا إلى جنب مع الهدف الرئيس للثورة المتمثل من نظام الاستبداد، بحيث يخدم الواحد الآخر ليس من خلال ما دأبت عليه قوى المعارضة السورية في عقد مؤتمرات موتورة ومتسرعية بين الحين والآخر أو في هذا البلد أو ذاك ولكن من خلال استحداث آليات منظمة وممنهجة تضمن بقاء باب الحوار مفتوحا بين مكونات الشعب السوري كافة من دون إستثناء أحد وبعيدا عن المعالجات الشكلية والأحكام المسبقة، التي لا تفضي لشي ما خلا إطالة عمر النظام السوري وزيادة جرعة معاناة السوريين. في المقابل، فإن التصدي السليم والشفاف لمجمل تلك المعوقات على مختلف أنواعها، من شأنه أن يسد الطريق على كل محاولات وضع العصي في الدواليب وخاصة محاولة الحط من قيمة المنجز الثوري في تجربة كالتجربة السورية، على سبيل المثال، والتقليل من قدرة طلائعها على التحيليل والتفكير السليمين واجتراع الحلول للمشكلات التي تواجه ثورتهم والمضي قدما في ثورتهم نحو تحقيق غاياتها المنشودة.’ كاتب فلسطيني