‘حياة مستعملة تشحن بدون أن تمسّ’!

حجم الخط
0

التحديق بأكثر من 750 ألف شخص:أحمد الزعتريأمقت الأفكار الكبيرة. الذاكرة الجمعيّة والقضايا العامة. أكره الأسماء الكبيرة والحضارات التي نجت حتى اليوم. أكره الاحتلال لأنه يضفي على المُحْتلِّين قداسة يتعذّر الشفاء منها. أكره السلطات بكل أشكالها: العاطفيّة، والمعماريّة. أكره الجمال، والانطباعات عن الجمال، وأي نوع من الصناديق بزوايا نظيفة.أنا مغرم بفكرة أنني أمقت دفاتر الملاحظات الكبيرة وأغطية أقلام الحبر البيضاء. أكره الهويّات والأسماء من ثلاثة مقاطع. أكره النباتات التي تذوي بسرعة. أكره الأطفال لأنني أفكر فيهم على أنهم نباتات تذوي بسرعة.أميل للهشاشة: للأشخاص المعطوبين، المنهكين من داخلهم، المُستهلَكين. فقدانهم للقدرة على الحكم، أسلوبهم المَرَضيّ في التردّد، وحقيقة أنهم قليلون جداً.*أحياناً أقوم بذلك في عمّان: أغلق الموبايل، أمتنع عن الدفع لاشتراك الانترنت، وأنفق آخر مبلغ لديّ على وجبة مليئة بالدهون، وأبقى في المنزل لأسبوع أو أسبوعين.اليوم الأول هو الأصعب، بعده تأتي النبرة الاستسلاميّة لليوم الثاني. وفي اليوم الثالث، كل شيء يبدو مجزياً، خاصة التعوّد على نوبات الصداع المزمن.هنا السرّ في التكنيك: أن أصبح متقشّفاً. مينماليّاً يسعى للتخلص من أكثر عدد من وسائل التعبير والتواصل. عندها فقط أذهب إلى النوم وأنا أحلم بمذاق القهوة والسجائر صباحاً.وعندها فقط يصبح الاستماع إلى Adageio – الحركة الرابعة من السيمفونيّة الخامسة لغوستاف ماهلر برؤية ليونارد بيرنشتاين، أمراً يعزّز من إمكانيّة تحطيم المشهد، الذي أراه من النافذة، ببطء إلى قطع صغيرة وبائسة.موسيقيّاً، Adageo هي إشارة لعزف الحركة بدرجة بطيئة. أسرع بقليل من إشارة Adagio.رغم أن قائد الأوركسترا الأشهر النمساوي كاراجان أدى الحركة بحرفيّة أكبر، إلا أن هذه الحرفيّة كانت مقتل رؤيته. في نسخة كاراجان ثمّة نزعة للتخلّص من التفجّع العاطفي من خلال إحكام السيطرة على الخطوط الداخلية للحركة. ثمّة تعمّد واضح لشدّ نوتات الحركة حتى تبدو كأنها عدة حركات مفتعلة في واحدة. بينما تبدو نسخة بيرنشتاين أبطأ قليلاً، مع منح الحرية في أن تذوي نهاية النوتات في سلسلة من الأنسجة التي تتهالك ببطء.حتى يبدو أن كل شيء يهطل من حولي كثلج بطيء. وهذا ما شعرت به عندما شاهدت فيلم Marina Abramovic: The Artist is Present.كنت قد قرّرت أن لا ألتزم ببرنامج زياراتي في ذلك اليوم، وأذهب بدلاً من ذلك لحضور العرض الأخير للفيلم. وكنت قد حسمت الأمر وأنا في طريقي من شيكاغو، حيث جلست إلى جانب صبيّ يشاهد أفلاماً قصيرة اقتبست عن روايات كلاسيكيّة. جين أوستن وما إلى ذلك.وبينما كنت أقلّب في حقيبتي، عثرت على إعلان للعرض لم أذكر من أين حصلت عليه.كنت غارقاً بعرقي. وبحاجة ماسّة إلى حمّام، وثياب نظيفة، وسيجارة. مفكّراً بأنني أريد كتابة إعلان أبحث فيه عن رجل ملتحٍ، يرتدي حذاءً أخضر وملابس داكنة كان يستقل طائرة خطوط دلتا من مطار أوهاير في شيكاغو إلى مطار JFK في نيويورك.وعندما قرأت الإعلان، رميت خيطاً بين ذلك اليوم- الخميس، إلى يوم العرض- السبت.يحكي الفيلم قصة عرض الفنانة مارينا أبراموبيتش في متحف الفن الماصر بنيويورك سنة 2010. العرض، الذي استمر لمدة 3 أشهر، لم يتضمّن سوى جلوس مارينا على كرسي في غرفة فارغة، أمام كرسي آخر، لتحدّق فيمن يجلس عليه بدون أية كلمة للمدّة التي يتحمّلها.كل يوم، وعلى مدار 3 أشهر، تجلس مارينا من الساعة 9:30 صباحاً إلى 5:00 مساءً لتحدّق في زوار المعرض الذين كانوا مثل الفنانة: لم يفهموا اللعبة العبثيّة هذه.في البداية، جلس العابرون، صدفةً، مشكّكين ومتحدّين وبلا أدنى عاطفة. كانت مارينا تتلقى كل شخص بنفس الاهتمام. فبين ‘جالس’ وآخر، كانت تغمض عينيها بانتظاره، وعندما تشعر به يقترب ويجلس، كانت تفتح عينيها وتحدّق.حدّقت مارينا بأكثر من 750 ألف شخص. كانت مهووسة بالناس الذين لا تعرفهم. في طفولتها، لم تعرف الفنانة الصربيّة أحداً إلا عائلتها. كان والداها يحاربان ضمن الجيش اليوغسلافي في الحرب العالمية الثانية. وكان عليها أن تكبر كجنديّ يرجع إلى منزله قبل العاشرة مساءً. كان الجو في المنزل انعزاليّاً وشاقّاً. ولم تستطع والدتها حتى التربيت على كتفها بحجّة أنها لا تريد إفساد ابنتها.وللتخلّص من كل ذلك، ومواجهته، قدّمت مارينا عروضاً وهي تعذّب نفسها بالسكاكين مرتديةً قبعة جندي، ضربت نفسها بسوط على ظهرها العاري، مشّطت شعرها بعنف وهي تصرخ ‘على الفن أن يكون جميلاً’، انخرطت في مباراة صفع لمدة 6 دقائق مع شريكها أولاي، تنفسّت الهواء من فمه لمدة 7 دقائق. ومعاً، قاما برحلة من طرفيّ سور الصين استمرت 3 أشهر ليلتقيا في المنتصف ويفترقان إلى الأبد.عذّبت مارينا نفسها بنَفَسٍ طقوسيّ في معبد لا يمكن لها إلا أن تشير إليه على أنه يمثّل والديها. لكنها في نفس الوقت، شعرت بالحاجة للتعويض. ولم تكن لتشعر بهذه الحميميّة مع الآخرين إلا إذا دعتهم إلى هذا المعبد.بكى الكثيرون وهم جالسون مقابل مارينا التي تحدّق بهم: وحيدون يفتقدون إلى الاهتمام، مثل مارينا، غير مصدّقين بأن ثمّة شخص مستعد للجلوس والتحديق بهم.في السنة الماضية، تعرّض صديق لجلطة دماغية ذهب إثرها في غيبوبة عميقة لعدة أيام. وعندما استيقظ لم يتكلم أي كلمة حتى الآن.قال الأطباء أن ليس هناك سبب طبي لذلك. وأنه يمتنع عن الكلام برغبته.بعد أن استيقظ من غيبوبته قمت بزيارته في غرفة العناية الحثيثة التي يمنع فيها استقبال أكثر من زائر واحد كل مرة. تعليمات كانت تنتهك بصورة مستمرة، خاصة من قبل زوجته، وصديقته.عندما وصلت، كان شقيقه وصديقه يحتلان الغرفة. كان صديقي مستلقياً على السرير، يبدو بصحة جيدة، محدقاً طيلة الوقت بالمنظر من وراء النافذة. بينما كان زائراه يتحدثان عن الثورة المصريّة.عندما رآياني قاما بإخلاء الغرفة، لأجلس على كرسي مقابل سريره، محاولاً أن أتحدث إليه رغم أنني لم أكن واثقاً في أنه يميّزني وهو يحدّق هكذا في الفراغ.في لحظة معيّنة، مدّ يده إلي يدي وأمسكها. وبقينا 5 دقائق ونحن نحدّق في بعضنا.لم أستوعب ماذا كان علي أن أفعل في البداية. لذا، حاولت تخطّي الإحراج الذي غمرني وأنا أردّد عبارات غبيّة مثل: ‘ يا رجل، اخلص من هذا وسأعزمك على أحلى كاس بيرة’.لكنه لم يكن يتجاوب. كان فقط يحدّق بي حتى فهمت الأمر وتوقّفت عن الكلام وحدّقت به.عندما كانت مارينا تحضّر لعروضها في متحف الفن المعاصر، قامت بدعوة فنانين شباب إلى ورشة عمل في منزلها. هناك، حيث ألزمتهم بالصوم لمدة ثلاثة أيام، درّبتهم على الجلوس في الغابة بشريط أسود على أعينهم لساعات، السباحة في النهر البارد عراة، والنظر في المرآة لساعات.اخترعت مارينا العزلة بالسير مباشرة، وبكل سذاجة إلى الـAdageio.في العام 1987، قام الموسيقيّ جون كايج بكتابة مقطوعة As Slow As Poible. والتي لم يبدأ عزفها إلا في العام 2001 بكنيسة القديس بورخاردي في ألمانيا على أن تنتهي في العام 2640.أريد أن أكتب عن كل هذا البطء.*العنوان من قصيدة لعبّاس بيضون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية