صبحي فحماويقبل ثلاثة أيام من انتهاء مؤتمرنا الشبابي في معهد هيرشنج الألماني تدعوني ألبرتينا لحضور عيد ميلادها في مقهى خارج المبنى، وذلك ضمن عدد محدود من الأصدقاء، وفي تلك الأمسية تبلغني أنها قد دعت شاؤول إلى ذلك الحفل، فأرفضُ الحضور بحجة أن لا علاقات ودية لنا نحن العرب مع الإسرائيليين المحتلين لبلادنا، فتقول معتذرة: ‘لم أدع شاؤول لأنه صديقي، ولكنه نوع من المجاملة، ورد اعتبار لما حصل لهم، وفتح صفحة جديدة من قبلنا نحن الألمان مع اليهود.. مطلوب منا أن نُشعرهم بأولوية ما!’ لا أفهم ما هي علاقة هذه الشابة الصغيرة بجنونات التاريخ كي تدفع هي وكل شعبها ضريبة لا تنتهي بتقادم الزمن، نتيجة الحرب العالمية الثانية!؟ ولكنها عندما قالت عبارة: ‘مطلوب منا أن نُشعرهم..’ فأنا أفهم أنهم مضطرون لذلك، وكأنما يُدرّس عليهم هذا السلوك الإجباري، فأقول لها: ‘نحن العرب نحترم اليهود في كل مكان دون تمييز، ولقد عاشوا معنا في الأندلس أجمل عيش في تاريخ حيواتهم المتنقلة، وما يزال كثير منهم يعيش معنا في بلادنا العربية دون تمييز، ولكن احتلالهم لوطننا فلسطين، وتكوين دولة يهودية لهم تنفي الآخر، ولا تعترف به، وتعمل على تجريف معماره وأشجار زيتونه، وشفط مياه أباره ، وإزالة معالمه من الخارطة، وقتل المعارضين لهذه الجرائم، هي المشكلة!’ لا أعرف كيف حصل أن شاؤول اعتذر عن الحضور، تبلغني ألبرتينا بذلك قبل ليلة من موعدها، فأجهز نفسي وأذهب مع الزملاء إلى مطعم صغير قريب من المعهد، حيث وجدناها تستقبلنا وترحب بنا ثم تتصدر الطاولة التي أُعدت لنا، وعليها شرشف أبيض، يغطي تجميع ثلاث طاولات مستطيلة، وتقول:’نظراً لأن ميزانيتي محدودة، يستطيع كل واحد منكم أن يطلب علبة بيرة واحدة، أو علبة كولا واحدة، ومن يريد كأس ويسكي، فإنه يستطيع أن يشرب من زجاجة لا تخضع للحساب كنت قد أحضرتها معي’.نحتفل بعيد ميلاد ألبرتينا، ونغني لها (هابي بيرث ديه تو يو).. لا يتوج الفرح ابتسامتها وهي تطفىء الشموع الثلاث المغروسة فوق كعكتها، وكأنها تشعر بأنها تعدم سنة من عمرها..نجلس نتحدث عن مشاعر كل منا وهو يستعد للرحيل، وماذا سيعمل وهو يغادر إلى وطنه؟ يأتي دوري فأقول لهم: ‘إنني أفكر بشراء سيارة مرسيدس، وأن أقودها بنفسي عائداً إلى الأردن’. فتقول ألبرتينا:’ لماذا تشتري سيارة (مرسيدس)؟ لو كانت ميزانيتي تسمح، لاشتريت سيارة (أودي)، فهي أحدث تقنية وأجمل، ولكن حظها قليل! وتضيف ماريا التي تجلس إلى جواري، قاصدة أن تبتعد عن توني: ‘واو! أتمنى لو أسافر معك في هذه السيارة، فأكتب كتاباً مدهشاً عن هذه الرحلة العجيبة من ألمانيا إلى شرق أوروبا، فبلاد العرب!’ هي الوحيدة التي تعترف بأن بلادي هي ‘الوطن العربي’، وأما الباقون فيسمونها؛ ‘الشرق الأوسط’ دائماً يرون أنهم هم الأساس، وأنهم هم وليس غيرهم مركز الكون، وشرق آسيا هي ‘شرقهم’، (يعني تبعهم)، منذ ذلك التاريخ الذي هَزم الرومانُ فيه ‘هانيبعل الأمازيغي الكنعاني’ وأسكتوا أنفاسه في عقر داره، وبما أن بلاد العرب هي ‘تبعهم الأوسط’، فيجب أن يرجع خراجها إليهم! أفكر في هذا الخيال الأسير، بينما تجلس صديقتي الإيرلندية ماريا إلى يميني، وهي البريئة لا تعرف سر قصة ذلك البربري العربي ‘هاني بعل’ المغضوب عليه، منذ أن هاجم روما بخدعة انقلبت عليه، إذ أنه لم يواجههم مباشرة من البحر الكنعاني آنذاك، بل جاءهم بفيلته (براً، براً)، عبر أيبيريا، إلى أن غرقت فيلته في ثلوج الألب، فصرنا في عيونهم ‘بربراً’ متوحشين، ولكنهم ليسوا ‘برابرة متوحشين’ وهم حتى هذا اليوم لا يجدون مكاناً يردحون فيه، ويجربون جنون أسلحتهم المنضبة، إلا في بلادنا اليتيمة..لا تعرف البريئة ذلك وهي تهمس في أذني، قائلة بكل غيرة: ‘ولكن لماذا تشتري سيارة من ألمانيا؟ لماذا لا تشجع صناعاتكم الوطنية؟ اشتر سيارتك من صناعة بلادك!’ المسكينة متعاطفة معي، وقلقة على اقتصاد صناعة السيارات العربية، أو السيارات الأردنية بالتحديد، والتي تتوقع أنها تكتسح الأسواق العربية، وتكاد أن تغرقها بمنافساتها المتلاطمة! لا أجرؤ على أن أقول لها حقيقة عدم وجود سيارة واحدة مصممة في الوطن العربي كله، ومصنوعة بمليارات نفطه المهدور، وليس في الأردن وحدها! يزرقُّ وجهي ويحمرُّ ويخضرّ ويصفرّ..أخجل من نفسي! أقول لك بصراحة؟ أشعر أنني أحتقر نفسي، واحتقر سياسات أُمتي التي لا تضع الخطط الإيجابية، ولا تدفع باتجاه الصناعات الثقيلة، لتكون أمة صناعية بين الأمم. ماذا ينقصها كي تكون؟ ‘أن نكون أو لا نكون، تلك هي القضية’ يا جماعة، لقد قرأت تقريراً محزناً يقول إن خمسة ونصف في المائة من علماء الولايات المتحدة أصلهم من عرب فلسطين، وأن (ستيف جوبز) صاحب (أبل كمبيوتر)، هو ابن عربي سوري، وأن فاروق الباز خبير الأقمار الصناعية الأمريكية هو عربي من مصر، وكذلك أحمد زويل، وأن جبران خليل جبران وإدوارد سعيد وهشام الشرابي، وإبراهيم أبو لغد… وغيرهم كثير، قد هاجروا إلى هناك هروباً من القهر والاستعباد، ونظراً لعدم وجود مدارس مناسبة تلمُّهم، وخوفاً من التصفية الجسدية في غالب الأحيان! أمتي التي هي ‘خير أمة أخرجت للناس’، فلما تولاها ‘أولو الأمر منهم’، (ضربوها عين ما تصلي على النبي) فلم تعد قادرة على أن ترفع ظهرها! لم تعد قادرة على صناعة إبرة خياطة، أو إبرة بريموس بابور كاز..كنا نستوردها مغلفة بورقة مكتوب عليها (تشيكوسلوفاكيا)، فتدكُّ أمي بابور الكاز، وتسخن لي إبريق ماء، ثم تغسلني وأنا طفل، كما تغسل الذبيحة من الدنس! إبرة بابور كاز يا الرَّبع! ..إبرة بابور! وما يزال الشاعر يهتف فينا، ونحن نبقبق خلفه، كالديكة أمام سكين اللحام:’ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفيناً،إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌ تخر له الجبابر ساجديناً’وكان ‘نكِرةٌ’ آخر يصيح فينا منشداً: ‘لنا الصدر دون العالمين أو القبر!’ ها نحن ما نزال في القبر يا أخ العرب، بانتظار الحاكم الديمقراطي العادل، الذي سينتشلنا منه، لنستأنف مسيرتنا الحضارية المتعثرة في التاريخ!وبينما أنا أسمع التعليقات حول شرائي سيارة ألمانية، يرتفع صوت ‘عديقي’ توني الذي يزعجني شخيره في غرفة نومي قائلاً: ‘يقولون إن العرب يسرقون السيارات الألمانية، ويخرجون بها للتجارة في بلادهم، فاحذر أن تكون سيارتك مسروقة!’ فأقول له:’ إذا حصل شيء شاذ من هذا القبيل، وأنا لا أنفيه طبعاً، فتكون السيارة المباعة من ألماني إلى عربي، تتم كما حصل معي قبل عامين، عندما اشتريت سيارة من هنا، ولكن صاحب السيارة رفض أن يكتب عقد بيع وشراء بيني وبينه، وبمجرد إعطائي أوراق السيارة، قال إنها أصبحت لي، وبالفعل ذهبت لتسجيلها في دائرة السير الألمانية، فسجلوها لي بأوراقها، وخرجت دون معيقات! وحسب ما فهمت، فبعد هذا البيع، قد يقوم بعضهم بالاتصال بشركة التأمين، فيبلغ عن سرقة سيارته، فتُلصق الصورة البشعة بالعربي، ويستثنى منها الألماني، الذي بناء على تلك المعلومة المُلفقة، يقبض من التأمين الشامل ثمن سيارته!’ نخرج من الحفل فأقول له على انفراد، وأنا مغتاظ منه: ‘إن صورة العربي البشع يغرسها أمثالك، الذين يتركون جراباتهم لتنقع في المغسلة!’ لم يجبني زميلي الذي أتحمله على مضض، مرتبطاً بظروف المؤتمر. وبصراحة فأنا لا أغلق فمي متجاهلاً نصيحة الصبية الجميلة بدعم صناعاتنا العربية، بل أفتحه على اتساعه، وأدلق فيه نصف علبة الجعّة الباقية لي، مرة واحدة!