قطعة الحلوي التي تلمظ بها عبد الحكيم قطيفان: قدمتها لنا هالا محمد في طبق يقطر شاعرية وألما

حجم الخط
0

قطعة الحلوي التي تلمظ بها عبد الحكيم قطيفان: قدمتها لنا هالا محمد في طبق يقطر شاعرية وألما

أنور بدرقطعة الحلوي التي تلمظ بها عبد الحكيم قطيفان: قدمتها لنا هالا محمد في طبق يقطر شاعرية وألمادمشق ـ القدس العربي ضمن النشاطات التي يقدمها معهد دراسات الشرق الأدني بدمشق لطلابه ورواده، عرض فيلم هالا محمد قطعة الحلوي وهو فيلم تسجيلي مدته 45 دقيقة، أنتجته قناة الجزيرة ضمن مجموعة أفلام تغطي الجغرافيا العربية حول ما يعرف بأدب السجون. وقد نجحت هالا محمد في إضاءة بعض الزوايا المعتمة حول غربة السجن، ليس في داخل السجن المظلم، وإنما في داخل السجين الذي يمور بالانفعالات والمشاعر المتضاربة، دون أن يُسمح له بالتعبير عنها حتي الآن.ورغم أن التجربة مليئة بالألم، إلا أن هالا محمد الشاعرة والناقدة الصحفية نجحت بتخطي صورة القسوة في الاعتقال والتعذيب، لتقدم مشهدية شاعرية عن العمق الإنساني، مشهدية عن السجن الذي شكل ملامح هؤلاء الناس وطريقة تفكيرهم، دون أن تتحدث بالسياسة أو تتناول آراءهم أو تنظيماتهم أو معتقداتهم الأيديولوجية. وقد اختارت ثلاثة نماذج موفقة إلي حدّ بعيد، هم الممثل عبد الحكيم قطيفان، والشاعر عدنان مقداد، والكاتبة الروائية والقصصية حسيبة عبد الرحمن. جعلتهم يقدمون أنفسهم باختصار شديد يكاد يقتصر علي علاقتهم بالسجن، ثم اختارت معتقل الشيخ حسن القائم في زاوية مقبرة باب الصغير في دمشق القديمة، لتقدم من خلاله نموذجاً للمعتقل السياسي، الأسوار القديمة المتداخلة ضمن أسوار وحدود المقبرة، برج المراقبة، الأسلاك الشائكة،الأبواب الحديدية، ثم مئذنة الجامع المجاور، وصوت الأذان عند الفجر متداخلاً مع صوت نعمي عمران الأوبرالي الشجي، والذي شكل البطولة الرابعة في هذا الفيلم الوثائقي. لم تستطع الكاميرا الدخول إلي أقبية وزنازين هذا السجن، المغلق الآن، لكن أحاديث عبد الحكيم قطيفان وعدنان مقداد تناولت الكثير من التفاصيل، حجم الزنزانة، الجرذان التي تخرج من فتحة المرحاض لتقاسم السجين ما تبقي من خبزه اليومي، عالم البطانيات الذي يشكل أثاث هذا المكان، والحذاء الذي يستخدم مخدة تحت الرأس، تفاصيل كثيرة تبادلها السجينان ليس في حوار وإنما في مونولوج ينبع من ذاكرة لا تزال تغص بالألم والكبرياء المهانة، مونولوج يتقاطع ويتكامل بآنٍ معاً مع بوح حسيبة عبد الرحمن حول تجربتها التي امتدت سبع سنوات في السجن. وكانت الكاميرا التي صورت تلك الحوارات ـ البوح المنسال من الذاكرة تلتقط صورة قطيفان وتعبيرات وجهه التي تستعيد في لحظات السرد كل الألم الدفين للتجربة المسرود عنها، بينما كانت انفعالات المقداد عبر مرآة الحائط في المطعم الصغير الذي جلسا فيه لا تقل تعبيراً وعفوية وصدقاً، خاصة وهو يتحدث عن والده الذي رحل أثناء سجنه، وكان يبكي بألم وحرقة وهو يتذكر وصيته في آخر زيارة أن لا يوقع علي أي تنازل، رغم توقه الشديد لخروج ولده من السجن، وبشكل خاص عندما يتذكر بعد خروجه من السجن زيارة قبر والده.حدثنا عبد الحكيم قطيفان عن تجربة حُب جميلة تمت عبر الزيارة، ذكرتنا تفاصيلها برواية فاضل العزاوي القلعة الخامسة كما حدثنا عن علاقته بثلاث قطع صغيرة من الحلوي قدمت لهم في الزنازين، وكيف تعامل معها ومع رغبته في الحلوي، كيف حفظها في قطعة من كيس بلاستيكي واكتفي بلحس القطر الذي علق بها، لأنه يُريد استدامة هذه اللذة، لا يُريد أن يفقدها بسرعة، فهو يستطيع أن يحلم الآن بأنه يمتلك حقيقة قطع الحلوي.في التجارب الثلاث كنا نلاحظ أنّ عالم السجن هو عالم الصغائر، وأنّ التناقضات الكبيرة مع النظام والسلطة القمعية بدأت تغيب وراء الأسوار، لتتسع دائرة الاهتمامات والتفاصيل الصغيرة في حياة الأفراد، هذه الحياة التي يجب أن تستمر رغم كل شيء وهي تستمر بالأحلام، وقدرة السجين علي الحلم هي قدرة كبيرة، لكنها أحلام تبدأ غالباً من مستوي احتياجاته الغريزية، من مستوي جوعه للطعام، وحبه للحلوي وصولاً إلي العشق.تحدثت حسيبة عبد الرحمن عن فقدانها أدوات الكتابة، فيما أخبرنا عدنان مقداد عن ورق السجائر، وكيف كتب دواوين من الشعر، أو بالأحري كيف تعلم الكتابة في ذلك السجن، كيف تعلم أن يُعبر عن مشاعره، كما أخبرنا بردة الفعل الهستيرية للسجان الذي اكتشف وجود بعض الكتابات لديه، إذ تحوّل ببساطة إلي وحش كاسر فقد آدميته.وقد أشارت حسيبة عبد الرحمن إلي جانب مُهم من هذه التجربة التي تمثلت باعتقال مئات من أبناء هذا الوطن، بل من نخبته التي كانت قادرة أن تغذي حياة البلاد بالمعني الثقافي والإنتاجي العام، لكن تجربتها هي والآخرين تؤكد علي قدرة هؤلاء المساجين علي الإبداع والعطاء رغم ظروف السجن القاهرة واللاإنسانية.كما جرت الإشارة في الحوارات التي أعقبت العرض، إلي استفادة المخرجة من جماليات التصوير في منطقة الشيخ حسن، وتلك الصورة التي جمعت الأسلاك الشائكة لسور السجن مع الشاهدة التي وضعت علي مثوي الشاعر الراحل نزار قباني، مع أننا تمنينا لو خرجت بكاميرتها إلي سجون أخري لتلقط الحداثة في هذا الحقل، نعم حداثة السجون السورية التي عبّر عنها أحد رؤساء السجون بتعبير سجن خمس نجوم . وبالطبع هذا كان سيعطي نوعاً من الحوار بين الأمكنة، بين أمكنة موحدة في وظيفتها وتناقضاتها، في بنيانها وعمارتها، كما سيعطي فرصة للحوار بين التجربتين داخل هذه الأمكنة، فلكل سجن خصوصيته المعمارية وخصوصيته الإدارية التي انعكست في حياة السجناء وفي تنوع تجاربهم وفي مدي خصوصيتها أيضاً.هي تجربة قاسية ومليئة بالألم، لكنها تجربة خصبة وغنية بالطموحات والأحلام التي يُمكن أن تثمر بشكل جيد إذا ما استطاع السجين أن ينظر إليها عن بُعد نظرة نقدية فاحصة.هي بالتأكيد تركت جـــروحات نفسية لن تندمل، جروحات طالت شرائح واسعة من السجناء ومن ذويهم، ففي هذا الفيلم اختيار الشخصيات موفــــق، لكننا افتقدنا فيهم السجين الذي كان مُتـزوجاً ولديه أولاد، وعلاقة السجين مع أولاده، وعلاقة الأولاد مع الأب السجين تجربة لها خصوصيتها، فهذا الجيل الكامل من الأبناء، اعتقد أنه خضع لدرجة من الجروح النفسية لا تقل أهميّة عن جروح الآباء.ومع ذلك علق المخرج أسامة محمد، أننا وكما نندفع الآن كشعوب عربية وإسلامية لمطالبة الدنمارك بالاعتذار عن فعلة رسام الكاريكاتير الذي أساء للنبي مُحمد، فإنه كان حريا بنا أن نندفع كشعوب للاعتذار من هؤلاء السجناء الذين لم نقدّم لهم أي شيء طيلة محنتهم، أو فيما بعد، فحري بنا أن نعتذر عن ضعفنا وعن قصورنا.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية