السوريون وإرادة الحياة.. يستقبلون العيد تحت قصف الطيران

حجم الخط
0

خالد كنفاني رغم الحقيقة القائلة بأن السوريين على اختلاف ثقافاتهم وأطيافهم وخلفياتهم الاجتماعية يتكلمون في السياسة من أوسع أبوابها، ورغم أن أي مجموعة من السوريين قادرة على رسم سياسة العالم خلال جلسة أرجيلة وتحليل المعطيات والأخبار وتقرير مصائر الدول أثناء وليمة عشاء بسيطة، ناهيك عن الوعود التي اعتاد أي سوري أن يطلقها للآخرين فيما لو أصبح رئيساً ‘ليوم واحد فقط’، أقول رغم ذلك كله فإن السوريين بشكل عام شعب يحب الحياة والإعمار والزواج والإنجاب والاستقرار وليسوا ميالين للفوضى والتغييرات الكبيرة المفاجئة. أسوق هذا الكلام وأنا أشاهد تقريراً لقناة عربية عن الناس في إحدى بلدات الريف الحلبي. كان عدد من الشبان يعيدون ترميم محالهم التي كسرها ‘حماة الديار’ ونهبوها ولم ينسوا أن يحرقوها أثناء طريقهم الطويلة إلى ‘التطهير’. كان أحد الشبان يتكلم بثقة بهرت كل من شاهد التقرير، كان يقول ببساطة شديدة: ‘لديّ عائلة وعليّ أن أعمل لكي أطعمهم’، كل ذلك يحدث وسط أزمة اقتصادية خانقة وشحّ رهيب في كل شيء. كان الناس في هذه البلدة يمشون في السوق المتواضع وبعض الأمهات يشترين لأطفالهن ما استطعن عليه من بعض الحاجيات قبل العيد الذي يطل على السوريين بأتعس حال وأسوأ مطلع. يستقبل هؤلاء العيد القادم على أصوات المدافع وتحت قصف طيران الموت ولكنهم يقتنصون أية فرصة لعيش يوم واحد طبيعي دون هروب أوخوف أو ذعر.إن هذه الإرادة العجيبة في الحياة تفرض حقيقة هامة مفادها أن الكثير من الأعمال العنيفة أو الدموية لا يمكن دوماً نسبتها إلى السوريين فقط، مثلما أن طول أمد الأزمة قد يطبع السوريين بطابع جديد من العنف لا نريده ولا نسعى إليه. ومع الأيام يثبت لنا أن البطء المتعمد في التعامل مع الثورة السورية في الخارج وكذلك التضارب المقصود في المواقف هدفه إشعال هذا البلد وتحويل السوريين من سكينتهم وسلامهم الداخلي إلى مجموعات عنفية لا تتقن سوى السلاح ولا تفهم سوى لغة الدم. ومع استمرار التجاهل العالمي لكل ما يحدث في سوريا تسير البلاد نحو منزلق خطير دخلت أوله بالفعل، ويوماً بعد يوم يعتاد السوريون وغيرهم على مشاهد الدم وأخبار القتلى والجرحى في ساحة معركة مفتوحة على كل الاحتمالات.وسط كل ذلك تتواصل المهازل الدولية سواء في الشرق والغرب. وتواصل حسناء الخارجية الأمريكية جولاتها بينما وزير دفاعها البشوش يتحدث عن إمكانيات واحتمالات وتكهنات، هي مجرد كلمات يلقيها هنا وهناك حتى يتلقفها أغبياء المعارضة الذين لا يزالون يعوّلون على المجتمع الدولي الساقط أخلاقياً وأدبياً منذ زمن بعيد. لا يزال نفر من هؤلاء يرى أن بعض الاجتماعات والخطب الرنانة سوف تسقط النظام السوري وتحملهم إلى مقرات الحكم في سوريا مثلما فعلت المعارضة العراقية بعد صدام. يفاجئنا الملك السعودي كالعادة بصحواته غير المتوقعة، فقد رأى جلالته في إحدى تلك الصحوات على ما يبدو أن يدعو رؤساء الدول الإسلامية إلى وليمة إفطار عملاً بالمثل القائل: ‘طعمي التم تستحي العين’ وارتأى طال عمره- أن يجمعهم الآن وفوراً لقمة تضامن إسلامي لم يعرف الكثيرون وخاصة في جزر القمر والسنغال ونيجيريا وجيبوتي معناها ولا مبناها. وهكذا تمّ إخلاء معظم فنادق مكة المكرمة وتم بكل بساطة إلغاء كل الحجوزات المسبقة (في سبيل الله) وتمت إقامة وليمة فطور مهيبة سبقتها آيات القرآن لمباركة هذا الجمع الذي قد يصيبه حاسد في مقتل والقهوة المرة التي كانت تطوف على المدعوين خشية أن يناموا أثناء إلقاء جلالته كلمته التي استحلف بها الحاضرين أن يتضامنوا. كانت الوليمة مهيبة إلى حدّ أن أحد المشاهدين يقول أن عيونه اغرورقت بالدمع على هذا الجمع الحاشد أنه استبشر بتحرير المقدسات قريباً. ما أقصر ذاكرتنا وما أسهل خديعتنا وبعد ساعات من الاجتماع خرج المجتمعون بقرار تاريخي زلزل أركان الدنيا وفجر قنبلة في وجه النظام السوري لن يسعه أن يتحرك بعدها أبداً، لقد تمّ تعليق عضوية سوريا في المنظمة. ارتاحت نفوس المنظمين والحاضرين، فعلى الأقل لن تذهب الوليمة سدى، وأطنان الطعام التي تم رميها في القمامة بعد الوليمة كافية لإطعام سوريا بأكملها. ولم ينسَ المجتمعون أن ‘يشجبوا’ قتل المسلمين الروهنغا في ميانمار التي تحكمها اليوم واحدة من أقدم المناضلات في مجال حقوق الإنسان، ولكنه كرسي الحكم الذي باركته السيدة كلينتون ولن تجرأ دولة خليجية واحدة على مجرد إدانة أمريكا لدعمها نظام الحكم في مينمار.يبدو أن قراراً اتخذ في كل دول العالم مفاده أن لا تتم تسوية الأوضاع في سوريا قبل أن يفنى كل شيء، البشر والحجر والجيش والبنى التحتية والفوقية، حينها سيدخل علينا الفاتحون المبشرون بحياة جديدة على أيدي شركات المقاولات وإعادة الإعمار. وما طول أمد الثورة وتشعب أزمتها إلا ملامح لهذا المستقبل الغامض الذي يتم رسمه لهذا الوطن الجريح. وتخرج التحليلات علينا يومياً لتخبرنا عن الانتخابات الفرنسية والأمريكية وها قد انتهت الأولى ولم يتغير شيء وستنتهي الثانية ولن يتغير شيء إلا بأيدي السوريين أنفسهم.السوريون يريدون الحياة ولا يريدون الموت، يريد الواحد منهم أن يرى أطفاله يكبرون ويتعلمون ويصلون إلى ما يطمحونه في هذه الحياة، ومهما عملت آلة القتل فيهم فإنهم باقون والحكم زائل. ستكون الطريق طويلة ومليئة بالأشواك والعثرات والسقطات والدماء والتضحيات، ولم يكتب التاريخ إلا هكذا. لم يكن التغيير يوماً ما ناعماً وسهل المنال، وسيفخر أولادنا بما فعل آباؤهم مثلما يفخر آباؤنا اليوم بعد أن قام أبناؤهم بما عجزوا عنه في وقت ما.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية