خيري منصورفي الأدبيات والامثال الانغلوساكسونية يقترن طائر السنونو بالربيع، ويكفي لواحد منه ان يعلن الربيع ويبشر به، وهذا بحد ذاته ليس من التراجيديا في شيء، لكن ما اقترن بالرّبيع في بلادنا هو رماد بشري، او فحم بشري لا حجري، عندما أشعل التونسي البوعزيزي النار في جسده ولم يخطر بباله انه يستبدل السّنونو بالفينيق او العنقاء، في ثقافة تتأسس فيها القيامة على الاحتراق . واذا كانت تراجيديا الربيع لم تصل ذروتها الدرامية بعد، ولم يكتب عنها ما يليق بما نزف من دم وما تساقط من مفاهيم وما جرى تفكيكه من بنى، فإن هناك من سارعوا الى الكتابة عن كوميديا هذا الربيع، وحين وقعت عيناي بالصدفة في احدى المكتبات على عنوان جاذب هو كوميديا الربيع العربي لمؤلفه وليد كمال توقعت على الفور ان ما يحتويه الكتاب هو شيء آخر تماما، لكنني سرعان ما فوجئت بأنه حشد للطرائف والنكات السياسية التي افرزها الحراك العربي خلال العامين الماضيين، وبالرغم من ان ما وجدته بخلاف ما توقعته الا ان هذه المادة الخام تصلح للفحص والاستقراء السايكولوجي شأن النكتة السياسية في العالم كلّه، فهي ليست مجرد مفارقة لغوية او برقية تستهدف الاضحاك، لأنها غالبا ما تبكي، وحين قرأت دراسة عن النكتة السياسية في اسرائيل عرفت من خلال النكات الاكثر رواجا اكثر مما عرفت من خلال ما قرأته لأبرز الكتّاب والروائيين والشعراء في اسرائيل، رغم ان بعض هؤلاء وربما اهمهم يهودا ايمحاي يبني قصائده القصيرة على غرار معمار الطرفة، لهذا تبدو نعومة مفرداته وسلاسة اسلوبه كما لو انهما محاولة ماهرة لتهريب افكار لا تخلو من العنصرية، وتلك بالطبع حكاية اخرى لها مقامها .والكوميديا سواء كانت ربيعية او خريفية او ناتجة عن فصل خامس خارج التقاويم ليست معزولة عن التراجيديا، لأن الحمقى وحدهم من يتصورون ان الكوميديا تخلو من الدموع كما قال بول فاليري .وهنا اتذكر تلك المفارقة الغريبة عندما ترجم العرب لأول مرة مصطلحي التراجيديا والكوميديا، فهما المديح والهجاء، تبعا لثقافة ارتهنت زمنا لهذه الثنائية الجاهلية، واحيانا تعلو قامة التراجيديا كثيرا عن قامة الضحية بحيث تبقى دونها إما لعدم استيعاب الحدث الجسيم او تأقلما ماسوشيا مع الألم والظلم، وقد تكون التراجيديا الفلسطينية من هذا الطراز، لأنها لم تكتب بعد والكثيرون ممن استطالوا وحاولوا تسلقها سقطوا في ظلالها مضرجين بالحبر والخيبة معا . اما الدم فقد بقي في العناقيد العالية.نعرف ان مصطلح الربيع العربي استعير من ادبيات الحراك الاوروبي في القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1848، العام الحاسم في تاريخ القارة، والذي صدر فيه البيان الشيوعي الماركسي، والمرة الثانية التي استخدم فيها مصطلح الربيع كانت عام 1968 في براغ عندما دخل الجيش السوفييتي الى غرف النوم كما يقول احد مؤرخي الحدث .ربيعان اوروبيان يفصل بينهما قرن وعشرون عاما، كما يفصل بيان ماركس وثورة اكتوبر الروسية سبعون عاما … والفارق بين ربيع تاريخي حدث في سياقه العضوي والجغرافي معا وبين ربيع آخر لا نحتاج الى حشد القرائن والحيثيات لقياس منسوبه سياسيا وثقافيا وحضاريا، هذا مع وعينا بأن القطفة الأولى لأي حراك شعبي ليست مقياسا يحتكم اليه، فالثورة الفرنسية ولد من رحمها امبراطور هو بونابرت لكن الامر تغيّر فيما بعد، وما يغيب عنا احيانا هو صلب جدلية التاريخ وولادة النقيض من النقيض، وهنا نستذكر بالحاح ما كتبه ديفيد كوت عندما تحدث عن تجربة د. فرانز فانون الذي ناضل على جبهتين، جبهة اللون وجبهة الاستعمار، يقول كوت : الرأسمالية خلقت ماركس والفقر خلق غاريبالدي والاوتوقراطية الروسية خلقت لينين والاستعمار البريطاني خلق غاندي، وانا اضيف اليه بعد اربعين عاما من صدور كتابه ان الرّجل الأبيض هو ايضا الذي انتج فانون وسيزير وسنغور وسائر السلالة ممن سماهم سارتر في جمهورية الصمت الاورفيوسات السّود .وبالرؤية ذاتها فإن الاحتلال ينتج المقاومة لكن رغما عنه، مثلما انتج الاستعمار حركات التحرر والاستقلال رغما عنه، وهذا ما يفسر لنا اطروحة ماركس المضادة للاسطورة الصهيونية التي زعمت ان اليهود عاشوا رغما عن التاريخ، فهو يرى العكس وهو انهم عاشوا بفضل التاريخ وليس رغما عنه .* * * * * * * * *اختصر اسلافنا العرب مصطلح التراجيكوميديا بعبارة واحدة هي سرّ البلية ما يضحك رغم انهم لم ينسوا الوجه الآخر لهذه المقولة الشعبية، فقد ابكاهم الضحك ايضا، واستعاذوا منه كما يستعيذون من الشياطين لأنه قد يكون نذير شؤم في اليوم التالي… والضحك ليس كله ذا مذاق واحد، لأن واحدا من أهم من كتبوا عنه وهو الفيلسوف هنري برغسون قال ان بعض الضحك شديد المرارة، وهذه عبارة تذكّرنا بما قاله فيدل كاسترو قبل نصف قرن لأحد محاوريه من المثقفين الفرنسيين، فقد قال له ان الكوبيين وحدهم من يعرفون مرارة السّكر، بعكس كل شعوب الارض التي تستخدمه لكسر المرارة .ونعرف جميعا على تفاوت التحليل والادراك ان القطفة الاولى للحراك العربي لم تكن متوقعة لدى الحالمين بالتمدين والتحديث ودمقرطة الحياة بكل نسيجها وليس بعدها السياسي فقط، وشعوب منطقتنا خصوصا من يعيشون على حوض البحر الابيض المتوسط يعرفون اكثر من سواهم مرارة القطفة الاولى لمواسمهم خصوصا موسم الزيتون، فهي لاذعة واحيانا فجّة خصوصا عندما يستبقون أوانها لتباع باسعار مرتفعة، لكن ما ان يستقر الموسم حتى يأتي دور الغربال والتصنيف والمفاضلة . * * * * * * * * *ان من بكوا لعقود حتى الضحك، ومن ضحكوا حتى البكاء لا بد ان لديهم تعريفا آخر لثنائية التراجيديا والكوميديا لأن التاريخ الماكر يحذف الفارق احيانا سواد أبيض وبياض اسود، ولكي لا تبدو هذه المقاربات مجازية وتلاعبا بالالفاظ، علينا ان نبحث عن النقطة السوداء في اقصى البياض والعكس ايضا، وهذا ما قاله والت ويتمان في زمن لم تكن فيه امريكا قد انقلبت على ما تسميه في أدبياتها الا فكار الرائدة والانسانوية الجديدة التي انتهت بشعار خادع في الحرب الكونية الثانية وهو تصفية الاستعمار، اذ سرعان ما تحولت الامبراطورية التي غابت الشمس حتى عن عاصمتها وليس فقط عن ملكوتها الكوني .لا بد اذن من فك هذا الاشتباك بين تراجيديا اعلى قامة من ضحاياها وبين كوميديا مبللة بالدموع .وقد يكون الوقت مبكرا على مثل هذه المهمة العسيرة لأنها مهددة بالارتطام بوعي سالب وبفوضى مسلحة تشبه الحرية .وسواء تولى الاعلان عن ذلك الربيع طائر السنونو او عن هذا الحريق طائر العنقاء فإن التاريخ والاسطورة ليسا نقيضين، كما انهما ليسا توأمين ايضا، وما يحدد القرابة بينهما هوة النزعة المزمنة لأسطرة التاريخ والحلم الأبدي بِتَرْخَنَة الاسطورة !