عزت القمحاوي أرقام الشهداء لا تقول كل شيء، حتى أرقام شهداء الثورة السورية الاستثنائية المفزعة لا يمكن أن تنقل صورة دول وقعت رهينة عصابات تنكرت عقودًا في صورة حكومات نظامية.موت الابتسامة بفعل الفزع اليومي لا يمكن أن تلحظه مراصد الثورات ولا جمعيات حقوق الإنسان، ولا يمكن للكاميرا النهمة للأشلاء أن ترى ملايين الشهداء المحسوبين في عداد الأحياء. ولذلك لا يمكن للعدالة أن تتحقق على أي نحو، حتى لو تسلم السلطة بعد العصابة أكثر الثوريين نقاء؛ إذ كيف ـ مثلاً ـ يمكن إعدام بشار الأسد بضعة وعشرين ألف مرة قصاصًا لبضعة وعشرين ألف شهيد من المؤكد أن أغباهم أذكى منه وأكرم؟ ومن الطبيعي والحال كذلك ألا نتحدث عن قصاص للشهداء الأحياء الذين يعيشون الفزع والموت ألف مرة في اليوم. لكن استحالة تحقيق العدالة الكاملة لا يعني التخلي عنها تمامًا، بل وإلباس القتلة ثياب الأبطال وتقليدهم النياشين، في نوع من الصفقات أو المواءمات السياسية التي تزيد الأحياء شهادة وفزعًا.’ ‘ ‘باسم هذه المواءمات ذهب علي عبدالله صالح بجرائمه مثلما ذهب مبارك، ومثلما ذهب وزير دفاع مبارك ورئيس أركانه، وقد خرجا مع معظم أعضاء المجلس العسكري في صفقة مواءمة جديدة تقلل من قيمة الترتيب الجديد للأوراق. وهذه المواءمات هي بداية اغتيال الثورات وسرقتها، تشهد بذلك اشتباكات اليمن الأخيرة، كما يشهد الانسداد السياسي المصري الذي لا يبشر بأي خير.ربما لم يجتمع المصريون بعد الثورة على شيء قدر اجتماعهم على الفرح بإزاحة فريق الماضي الكريه، لكن الفرقة تبدأ عند الحديث عن المستقبل. كان أمرًا مسفًا أن يبقى رجل مريض ومسن على رأس أكبر جيش عربي، لا يحسن إطلاق الرصاص إلا باتجاه الداخل. ولم يكن ضيق شباب العسكريين بأقل من ضيق شباب الثورة أو ضيق الرئيس المنتخب. وكان الضيق داخل الجيش سببًا في تقليل عدد الشهداء في الشارع خلال الفترة الانتقالية التي كان المشير المقال ومجلسه المسن مسئولين عنها، والضيق العسكري نفسه هو الذي أنجز مهمة التغيير التي حملت توقيع الرئيس، كما أن مواءمات الكهنوت العسكري هي نفسها التي فرضت منح الأوسمة للعسكر بينما كانت جرائم الفترة الانتقالية تحتم القصاص منهم.’ ‘ ‘ادعاء حماية الثورة ثبت زيفه منذ سقط أول شهيد بعد تنحية مبارك بأيام، ومنذ إهانة الفتــيات بتوقيع فحوص العذرية عليهن. والمن المكرور على المصريين من خلال التذكير بدموية الجيش في ليبيا أو سوريا كان مفضوحًا هو الآخر، فالعنف في الحوار مع قوى الثورة والعنف في قمع المظاهــــرات يؤكدان أن مبارك كان سيصنع ما صنعه القذافي لو كان الجيـــش بيده، ورجاله الذين خلفوه كانوا سيفعلون الشيء نفسه لو ضمنوا التوازن فوق ظهر الجيش والمجتمع معًا. لكن من سوء حظهم أن قوى الثورة كانت أقوى مما هي في ليبيا، والجيش لا يدين لطائفة أو حزب وقياداته الأصغر سنًا ليست ملزمة بحماية فساد القلة المسنة.مع ذلك لم تعدم هذه القلة المسنة حيلة في فرض الفزع على المجتمع المصري بإفلات الأمن وإصابة مدنية الدولة بالوهن وتسميم الطبخة السياسية التي وضعت البلاد في يدي التيارات الدينية بكل أطيافها. ‘ ‘ ‘من يمضي في شوارع القاهرة اليوم يعرف معنى الفزع، معنى قتل الابتسامة وقتل الأمل، معنى أن يكون للإنسان مظهر الحي، بينما هو في عداد الشهداء.الأسوار والحواجز تمزق أوصال مدينة كانت يومًا جميلة، التراب يغطي كل شيء: الأرصفة، الهواء، جدران العمارات الفخمة وحتى الوجوه. الباعة الجائلون يحتلون، لا أرصفة المشاة بل نهر الشارع في قلب القاهرة الخديوية، يبيعون ملابس رثة ونفايات صينية. بضائع تافهة يعجز المرء عن تصور فائدة لبائعها أو مشتريها. من الواضح أن إغلاق كل سبل الرزق الممكنة باستثناء هذا النشاط كان هدفه إطلاق الفوضى كخط بلطجة ثان. وسيحتاج هذا الوضع إلى رؤية ثم قوة استثنائية لإزالته وإعادة المدينة إلى مدنيتها.لكن المواءمة التي حتمت خروج ضباط مبارك مكرمين لا محبوسين تؤكد غياب الرؤية وغياب القوة اللازمة لإزالة البلطجة الرثة المسكينة. وعلى المصريين أن يعيشوا شهداء الفوضى رهائن في شوارع مزدحمة لا تفضي إلى أي مكان.qpl