القاهرة ـ ‘القدس العربي’ أقام الفنان وفيق المنذر معرضاً موسعاً بأتيليه القاهرة ضم أكثر من خمسين عملاً مختلف الأحجام لكنه متوحد الخامات حيث جاء المعرض كله من مادة الغرانيوليت التي يعد المنذر رائدا في استخدامها، حيث لم يسبقه أحد في استخدام هذه المادة في صناعة التشكيل وذلك منذ عام 1979، وقد ارتبطت هذه المادة باسمه حتى هذه اللحظة وهي تتكون من الرمل المعالج كيميائياً ولونياً بحيث يمنح سطحاً شديد النقاء ويقترب الى العقيق كما يصفه الناقد محمد كمال. وتبدو التشكيلات المذهلة للفنان وفيق المنذر شديدة التميز حال ربطها بالمادة الخام المستخدمة حيث تبدو تقنياتها المعقدة اقرب الى العمل السحري لا سيما في استخداماته لدرجات متفاوتة من اللون الواحد وهو الأمر الذي يصعب ضبطه مع مادة مثل الرمل. ورغم أن بعض الخطوط اللونية والتشكيلية تأخذ منحى هندسياً في تشكيل اللوحة الا أن انسيابية السطح ولمعانه وانسيابية اللون وتدرجاته تمنح العين راحة منفرطة لا تضاهيها الا الأجساد اللينة المنسابة والشبقة لنساء لوحات وفيق المنذر، التي يراها الفنان والناقد عز الدين نجيب آلة موسيقية يعزف عليها الحانه بتنويعاتها المختلفة ويرى خطوطه القوسية ـ حسب وصفه ـ ممتزجة بعنصر سادي ويصف الاقواس في حـــال تصـــاعدها بانهـــا تمثل بدقة الاستدارات العــــــضوية لأجـــزاء جسم المرأة ثم تتحول الى شكل قباب تعلو عند منطقة الرأس والصدر.ويقول نجيب ان الانسياب الخطي يمثل حدود الجسم وتضاريسه الجغرافية الموحية بالخصوبة أو الجنس او الرشاقة أو الدلال، أما داخل الحدود فيختلف من لوحة الى أخرى حسب الحالة المزاجية أو المعنى المركزي لدى الفنان.ولا يكتفي عز الدين نجيب بهذا الوصف بل يرى أن الجسد لدي منذر يبدو حينا مجالا للدندنة الشرقية بوحدات زخرفية عبر الزي الذي ترتديه المرأة وهو حيناً آخر مجال للتشريح الى شرائح تكعيبية أو كروية حيث تبرز مواضع الخصوبة أو الميلاد أو الاثارة، وفي مثل هذه الحالة يتجاهل الفنان وجود الرأس ليصبح الجسد خريطة جغرافية مستباحة ومخاتلة تتحول خلالها العين لتفض غموض المساحات المجهولة داخل المرأة وهي تغري بالتواصل مع كنه الحياة بأوجهها المختلفة أو تعكس حالة التمزق والاستباحة التي يمثلها نموذج الضحية. وفي احيان ثالثة يقسم الفنان جسد المرأة طولياً الى شقين، أحدهما خمري والآخر بني معتم، بما يعطي مؤشراً للنظر الى المرأة باعتبارها ذلك الكائن الذي يجمع بين النقيضين: النور والظلمة.ويربط عز الدين نجيب بين خريطة الجسد الأنثوي عند وفيق المنذر وبين مفهوم الخارطة اللونية حيث يرى أن خطوط التشريح فيه لا تنتهي عند حدوده العضوية بل تتماهى مع مفردات المحيط الخارجي حول الجسم وتمتزج بها في وحدة عضوية حتى لا تكاد تبين اين ينتهي الجسد أو أين تبدأ الخلفية فاذا كانت هذه المفردات ذات دلالات على الوطن، مثل عيدان الزرع وأعضاء الزيتون وزهر اللوتس وأصيص الزرع وقلة السبوع وسلاسل الجبال وسوامق النخيل وزجاج ماء النيل وثقوب المشربية وحروف الهليروغليفية وعين حورس تبدت لنا العلاقة العضوية التي لا تنفصم بين المرأة والوطن، ويضيف عز الدين نجيب: اننا ازاء أعمال وفيق المنذر يتحول بنا النبض الحسي الى معنى مطلق اسمه الوطن حيث يتحول المطلق من خلال الفن الى نبض حسي نعيش فيه كما يعيش فينا.أما الناقد محمد كمال فيرصد اختيار الفنان وفيق المنذر لخاماته حيث يرى أن هذه الاختيارات تتجه الى خامات تجنح نحو الخلود، حيث ان وفيق أحد رواد فن الموزاييك في مصر منذ اربعة عقود، ويري كمال ان اجادته لهذا الفن أثرت في ما بعد في نسق أداته مع خامة الغرانيوليت التي بدأ التعامل معها منذ نهاية السبعينات.ويرى الناقد محمد كمال أننا اذا تأملنا أعمال المنذر سنكتشف أن هناك علاقة وطيدة بين الخامة كمعبر تقني وبين الثقافة الروحية التي احاطت به منذ مطلع شبابه، فهو يتعامل مع السطح التصويري بتؤدة تصل الى درجة الخشوع والنقاء النفسي حتى ليخيل اليك أنه يتعبد على سجادة من الغرانيوليت، ولا تبدو رؤية محمد كمال للمرأة في أعمال وفيق المنذر مختلفة كثيراً عن رؤية الفنان عز الدين نجيب حيث يراها كمال تحتل موقعاً محورياً تتمركز حوله كل عناصر الصورة فهي عنده ـ منذ النشأة ـ الأم والحبيبة والزوجة والعشيقة وتتحرك في مشاهده بشكل ترددي بين التاريخي والواقعي، وبين المنصرم والراهن فيستطيع اختزال تلك المساحة الزمنية في لحظة تصويرية راسخة تختص العين برف الجسد النابض بالخصوبة.ويرى محمد كمال أن امراة المنذر متراوحة بين القديم والجديد بين الطبقات العليا والدنيا بين الأرستقراطي والشعبي فهو متقلب ـ حسب محمد كمال ـ بين نفرتيتي وخضرة، بين ايزيس وبهية، بين طاهرات وغانيات، بين عجينة طيعة في قبضة الرجل وكهف حصين يلوذ به من قسوة الزمان، لذلك نجد المرأة أحياناً أخرى متوجة لطائر شارد النظرات يهم بالطيران صوب السراب.ويصف محمد كمال لوحة امرأتان في حضن الشمس قائلاً انه يظهر فيها مدى التحام المرأة عند وفيق المنذر بجسد الأرض وجغرافية الوطن وهو ما أشار اليه ورصده أيضا الفنان عز الدين نجيب، ولكن المنذر لا يحتفي فقط بجسد المرأة بل يحتفي بعقلها وتاريخها، كما يري كمال في لوحة التاج من خلال تركيزه على الوجه الأنثوي المتقد والذي يحاور طائرا أبيض في حراسة الشمس داخل تكوين بدا كنقش تاريخي على جدران منهكة نطقت بكفاح حواء، أما بقية الجسد فيزحف عليه اللون الأزرق من أسفل وكأن النيل في لحظة فيضان وكأن رأس حورس يتوج رأس ايزيس، وفي الخلفية ظلت الشمس منظومة النخيل في لحظة شفق، فبدا وكأنه يقذف من احشاء الأنثى وتعاشقت كل هذه المفردات بشكل تعبيري ـ حسب محمد كمال ـ حيث تماهت الأرض مع الرحم والسعف مع الشعر والتمر مع الثديين. ويختتم محمد كمال حديثه عن وفيق المنذر قائلاً انه ادرك بستان الروح وقطف منه ثماراً من نور مذاب نقش بها نمارقه المصفوفة من خدع الخلود الأبدي.والفنان وفيق المنذر تخرج في كلية الفنون التطبيقية وهو عضو في العديد من النقابات مثل نقابة التشكيليين والمهن التمثيلية والغوري وأتيليه القاهرة، وله مقتنيات في متحف الفن الحديث ووزارة الخارجية ودار الأوبرا، وعدد من المجموعات الخاصة وقد حصل على جائزة عيد العلم عام 1956 وجائزة التصوير في فن الموزاييك في صالون القاهرة عام 1960 والجائزة الأولي في نفس الصالون عام 1962 ثم في الحفر عام 1964 حصل على ميدالية ذهبية وشهادة تقدير من الجمعية العربية للفنون والثقافة والاعلام.وقد أقام الفنان وفيق المنذر أول معرض خاص له في 10/4/56 ثم توالت معارضه في مصر وخارجها وكان آخر معرض قبل هذا المعرض قد أقيم في دار الأوبرا في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2001.