تصدير الديمقراطية: كيف للسفن أن تمخر بحر الظلمات؟
صبحي حديديتصدير الديمقراطية: كيف للسفن أن تمخر بحر الظلمات؟لا يلوح، البتة، أنّ رياح الإنتخابات الرئاسية أو التشريعية التي شهدتها إيران ومصر وفلسطين والعراق مؤخراً، تجري كما تشتهي أو كانت تشتهي السفن الأمريكية التي تمخر عباب المحيط الاطلسي حاملة بضاعة الديمقراطية، أو الدمقرطة لمَن يستهويه الإشتقاق الشاقّ، إلي بلدان الشرق الأوسط… الجديد، كما أسماه الرئيس الأمريكي جورج بوش، نسخاً عن تنظيرات أصدقائه رهط المحافظين الجدد خارج الإدارة وداخلها. ذلك لا يعني، البتة أيضاً، أنّ تلك الإنتخابات لم تكن ديمقراطية جداً في فلسطين، وديمقراطية متقدّمة في إيران، ومقبولة ـ ملتبسة في العراق، وخطوة إلي الأمام في مصر، رغم ما يُقال وينبغي أن يُقال عن ظروف صندوق الإقتراع في كلّ بلد.لماذا، إذاً، تجري الرياح بما لا تشتهي سفن السادة والسيدات جورج بوش، كوندوليزا رايس، ديك شيني، إرفنغ كريستول، ريشارد بيرل، بول ولفوفيتز، دوغلاس فيث، ودافيد ورمستر؟ ولماذا تبدو وزيرة الخارجية الأمريكية وكأنها تجوب المنطقة لا لكي تحثّ الشعوب علي مزيد من الإقبال علي الديمقراطية، بل لكي تحارب أو تحاصر أو تطوّق أو حتي تنعي كلّ تطوّر إنتخابي ديمقراطي شهدته المنطقة في الأشهر الأخيرة؟ ثمة إجابات عديدة علي هذا السؤال المدرسي، بينها إجابة مدرسية بدورها، مبسطة للغاية وصائبة تماماً: ليس لائقاً بالديمقراطية التي يبشّر بها هؤلاء أن تحمل إلي سدّة السلطة، حتي في انتخابات نزيهة وعبر صندوق الإقتراع بوصفه أيقونة الديمقراطية المعاصرة، أمثال محمود أحمدي نجاد في إيران واسماعيل هنية في فلسطين من جهة أولي، أو أن تسفر عن فوز مفاجئ للإخوان المسلمين في مصر، وأغلبية غير مفاجئة للشيعة في العراق، من جهة ثانية!هذا المزاج ذاته هو الذي الذي يدفع تحرير الأسبوعية الأمريكية Weekly Standard، لسان حال المحافظين الجدد، إلي استفتاء القرّاء في مسألة فوز حماس ، ولكن علي النحو التالي المدهش التالي: حماس حققت انتصاراً كبيراً في الإنتخابات البرلمانية الفلسطينية. حين يسيطر الإرهابيون علي مقاليد الحكم بشكل ديمقراطي، هل تعتقد:ـ أنهم يمكن أن يعتدلوا في أهدافهم وبلاغتهم،ـ لن يعتدلوا، ولكن يجب أن يُحاسبوا،ـ سوف يستخدمون أدوات الحكم لتعزيز الإرهاب،ـ لن يطول الوقت حتي ينجلي الأمر .وبالطبع، ليست نتيجة التصويت مفاجئة، خصوصاً وأنّ حماس صُنّفت علي الفور في خانة الإرهاب: 5% للإحتمال الأوّل، 10% للإحتمال الثاني، 65% للإحتمال الثالث، و20% للإحتمال الرابع!ولكن ثمة إجابة أخري، غير مدرسية هذه المرّة، علي سؤال الرياح التي تجري بما لا تشتهي سفن البيت الأبيض حاملة بضاعة الديمقراطية علي الشرق الأوسط: أنّ معظم دعاة هذه الديمقراطية، المتحمسين لها إلي درجة المطالبة بفرضها بقوّة السلاح وعن طريق الغزو العسكري، يؤمنون في الآن ذاته بضرورة غسل تلك الديمقراطية ثقافياً (أي علي صعيد التراثات والأديان والعقائد)، بما يكفل تطهيرها من سلسلة أدران تاريخية خلقت نزوعات العداء للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموماً. في عبارة أوضح: إذا توجّب أن تبلغ بلدان الشرق الاوسط مستوي في الديمقراطية متقدّماً ومقبولاً ومعترفاً به في الغرب، فإنّ علي صندوق الإقتراع أن لا يمثّل قناعات المقترعين الفعلية، بل تلك التي تتناسب مع القناعات التي يقبل بها العالم الحرّ و المجتمع الدولي ، تحديداً وحصراً!وهكذا فإنهم، من جديد وعلي منوال القديم، يريدوننا أن نعيش مرحلة الـ ما بعد في كلّ شيء، علي طول الخطّ: ما بعد الحداثة، ما بعد المجتمع الصناعي، ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الإيديولوجيا، ما بعد الشيوعية، ما بعد التاريخ، ما بعد السياسة، ما بعد صدّام حسين، ما بعد الرسوم الكاريكاتورية ما بعد انتصار حماس … الحال تبدو أقرب إلي عالم أحادي تماثل وتشابه وتعاقب علي ذاته ومن أجل ذاته، حتي بات من المحال ـ وربما من المحرج ـ الحديث عمّا هو سابق لهذا الراهن وذاك اللاحق، عن الـ ما قبل أياً كانت الظواهر التي سبقته. كأنّ كل شيء حدث لتوّه، كما يستغرب الباحث الأمريكي دافيد غريس في كتابه المثير دراما الهوية الغربية : العالم يخلع أرديته واحدة تلو الأخري، من العقلانية والرومانتيكية والثورية، إلي تلك الرجعية والوثنية والمحافظة، مروراً بالليبرالية والرأسمالية والإشتراكية والشيوعية.ولكن، أليس من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت هذه الديمقراطية الأمريكية المستجلبة، أو أية ديمقراطية مفروضة قسراً بفعل الشرط العسكري أو السياسي أو الإقتصادي أو الثقافي الخارجي، هي بدورها حاضنة شروخات مجتمعية مستندة إلي انحيازات إثنية ومذهبية وطائفية وعشائرية كفيلة بإنتاج وإعادة إنتاج ما شهدناه في العراق قبل يومين، من تفجير مرقدَي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، ومقتل عشرات المواطنين في اضطرابات ومواجهات طائفية صريحة، وتصفية 11 إماماً وخطيباً سنّياً من أهالي البصرة كانوا معتقلين في سجون وزارة الداخلية، وتفجير أو استهداف عشرات المساجد السنية، واندلاع أعمال العنف في مدن بغداد والبصرة وسامراء والناصرية وبعقوبة والكوت وكركوك وصلاح الدين؟ألا تبدو هذه المشاهد وكأنها استعادة/ طبق الأصل لكلّ أحقاب الـ ما قبل في الحكايات الكبري للحضارة الغربية، من اليونان القديم، إلي روما القديمة، إلي رحلة كريستوفر كولومبوس، إلي عصر الأنوار والحداثة؟ وحين تقترن هذه المشاهد بما يشبه إصرار الغرب علي استحالة المطابقة بين ديمقراطية صندوق الإقتراع وحرّية اليقين الشخصي، كما في مثال معاقبة الشعب الفلسطيني لأنه اختار منح الأغلبية البرلمانية إلي فريق سياسي لا يحظي برضا الغرب، ألسنا نشهد اهتزازاً عميقاً في الرؤية الراسخة التي اعتنقها وبشّر بها الغرب معظم القرن الماضي، أو قبله بعقود كذلك؟ ألم تنهض تلك الرؤية علي ثلاثة أقانيم جوهرية: الرأسمالية واقتصاد السوق، وحقوق الإنسان كما تقترن وجوباً بالشكل الليبرالي (الغربي ـ الأمريكي) من الديمقراطية العلمانية، وإطار الأمّة ـ الدولة كصيغة هوية معتمدة في العلاقات الدولية؟وهذه الأقانيم بالذات، الم تكن تكتسي بهيئة مختلفة تماماً حين يتعلق الأمر بمجتمعات وثقافات العالم غير الغربي، أو هي كانت تأخذ أكثر من صيغة توتّر وتناقض مع أية مجموعة من القيم غير الغربية، الأمر الذي ظلّ يفتح باب الإجتهاد حول تصارع حضاري ـ ديني علي طريقة صمويل هنتنغتون، أو توتّر هيلليني ـ آسيوي علي طريقة برنارد لويس، أو ولادة الأيديولوجية التالية علي طريقة غراهام فوللر كما بشّر بها في كتابه الشهير مصيدة الديمقراطية: أخطار العالم ما بعد الحرب الباردة ؟ ألم تنجلِ الأقانيم ذاتها عن هيئة مختلفة حتي في قلب أوروبا، علي مبعدة أمتار قليلة من قواعد الحلف الأطلسي، في البلقان الدامي دون سواه؟ ألا تعيد رسوم صحيفة يولاند بوستن الدانمركية تذكير البشر بنظرية صدام الحضارات، وكأنّ صاحبها لم يعدّلها أو يراجعها أو يهذّب طبيعتها المانوية، أو كأنّ بعض الدوائر في الغرب تحنّ إلي البرهنة علي صحّتها، تماماً كما تتلهف بعض الدوائر في الشرق إلي جعلها وقوداً يساهم في إضرام المزيد من اللهيب؟فوللر لا يغفل الإشارة إلي التهديد الذي تتعرض له الثقافات الوطنية بفعل التعميم القسري للقِيَم الغربية، بوسائط تبادل لا قِبَل لتلك المجتمعات بمقاومتها، مثل ذلك التصدير الأخطبوطي الجبّار للسلعة الثقافية (الكتاب والفيلم والأغنية ونوع الطعام واللباس والدواء)، وصناعة الرمز الثقافي الأعلي الأشبه بالأسطورة في ذلك كله (بحيث تتحوّل شطيرة الـ بيغ ماك إلي رمز للجبروت الأمريكي السياسي والإقتصادي والعسكري، ليس في بلدان مثل الهند وماليزيا ومصر فحسب، بل حتي في بلد مثل فرنسا أيضاً). ونتذكّر في هذا الصدد أنّ صدام الحضارات، كما شخّصه هنتنغتون في البدء، لا يدور بين يسوع ومحمد وكونفوشيوس، بل حول التبادل غير المتكافيء للقوّة والثروة والنفوذ، وتهميش الأطراف لصالح المركز (الغربي بالضرورة) وتحويل الثقافة إلي وسيط للتعبير عن الأزمة بدل أن تكون سبباً فيها.وإذا كان المسلمون لا يعرفون سبيلاً إلي ردّ التهمة القائلة بأنّ الإسلام، بوصفه ديناً وعلاقة بين العابد والمعبود، هو بالضرورة المطلقة حاضنة خصبة لتوليد صنوف وأفانين الإرهاب (وهنا مغزي الرسم الكاريكاتوري العنصري والغبيّ والجاهل في آن، الذي يحوّل عمامة الرسول العربي إلي قنبلة)، فكيف إذا جاءهم مَنْ يقول: ليت البلية تنتهي هنا… المشكلة ليست في الحاضنة بوصفها عقيدة تشجّع علي الأصولية والعنف، بل في الإسلام ذاته بوصفه ثقافة للدنيا قبل أن يكون ديناً للآخرة؟ هذه، بالضبط، هي غاية البعض من استعادة اطروحة صدام الحضارات البالية إياها، أي التأكيد بأنّ الإسلام ثقافة مرشحة أكثر من سواها لتدشين الجولات القادمة من الأزمات والحروب والتحالفات في العلاقات الدولية للقرن القادم، بل ومصادرة حقّ المواطن الغربي في التعبير، وربما إحياء الفاشية والنازية هنا وهناك في العالم كما يحذّرنا دانييل بايبس! لماذا الإسلام؟ وما الذي يميّزه عن سواه من الحضارات الستّ الأخري (الصينية، اليابانية، الهندية، الغربية، الأمريكية اللاتينية، والأفريقية) التي ستتصادم وستتصارع في القرن القادم، حسب نبوءة هنتنغتون؟ باختصار، يجيبنا دعاة إحياء نظرية صدام الحضارات علي خلفية الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول العربي، لأنّ الإسلام حضارة مختلفة عن سواها، وأهلها علي قناعة تامة بتفوّق ثقافتهم علي سواها ، ولأنّ المسلمين مهووسون بفكرة تدنّي قوّة أبناء هذه الحضارة عن سواهم .سواها… سواهم… وسوانا… نحن (أبناء الغرب) بطبيعة الحال!إذا كانت هذه هي الحال في حكاية الرسوم الكاريكاتورية، فماذا يمكن أن يقول الدعاة أنفسهم عن فوز حماس في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية، مع ما يحمله هذا الحدث من دلالات إضافية ثقيلة لأنه لا يخصّ العرب والمسلمين وحدهم، بل يمسّ أمن الدولة العبرية بوصفها إسبارطة الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة كما يرسم حدودها المحافظون الجدد؟ برباره ليرنر، في مقالة نشرتها أسبوعية National Review الأمريكية اليمينية ويختصرها العنوان تماما: لن تتحقق الديمقراطية الفسطينية في أيّ يوم ، أعربت عن استغرابها من أنّ البعض ينتظر في أيّ يوم أيّ سلوك ديمقراطي من الشعب الفلسطيني، إذا كانت نسبة المؤيدين للعمليات الإنتحارية تزيد علي الـ 80%. ولكي نتأكد من أنّ الكاتبة، وليس مقالتها وحدها، خرقاء حمقاء بلهاء، أنبأتنا ليرنر أنّ الفلسطينيين شعب بلا تاريخ أساساً، فكيف يمكن لأية ديمقراطية أن تولد في صفوفهم، أو أن تُصدّر إليهم؟بالفعل… إذا كان هذا هو طراز الرياح المتوفّر، فكيف يمكن لأية سفينة محمّلة بأطايب الديمقراطية الأمريكية أن تجري، وتمخر عباب المحيط الأطلسي… بحر الظلمات؟9