الترجمة: أيقونة أم سيمولاكر؟

حجم الخط
0

محمد برزوق في محاولتها الالتقاء بالآخر، والدخول معه في تواصل مستمر وحوار مثمر وجدال بناء، يرتكز في الأساس على مفهوم الاختلاف وتجربة المغايرة، لا بد لكل حضارة من المرور حتما بالترجمة كآلية دينامية تُغني ثقافتها وتُجددها وتُطورها، فتجعلها ترى ذاتها وهويتها في مرآة الغير. بهذا المعنى، تصبح الترجمة قنطرة عبور وانتقال بين الثقافة المحلية والثقافات الأخرى، الشيء الذي يمكنها من معرفة فكر الآخر وفهمه وتأويله والاستفادة من تجاربه. الترجمة، كما يراها هولدرلين وشليغل وغوته، هي عملية مُوَلدة للهوية ومُغَذية للآداب ومُطَعمة للفكر ومُحَولة للغة. فهي لا تقوم، كما يدعي البعض، بمحو الهوية وهدم الذات. وإذا كان المترجم، بتعبير والثر بنيامين، مدينا للأصل، فهذا لا يعني أن عملية الترجمة تنبني على علاقة الغزو والإضعاف، الحرب والهزيمة بين لغتين: اللغة المترجِمة واللغة المترجَمة. علاقة تنتصر فيها الأولى على الثانية فتفقرها وتقضي عليها.في هذا السياق، لا يمكننا سوى القول بأن الترجمة هي، في الجوهر، تجربة اصطدام أية حضارة بحدودها الخاصة وإيذان بخروجها من شرنقة الانسداد، وإعلان صريح عن انفتاحها على الآخر. في زمن كثرت فيه المعارف، واتسعت دائرة الفكر الإنساني، وانتشرت الثقافة المعلوماتية في أرجاء المعمور، أصبحت الترجمة عملية مفروضة لا مناص منها. مما يستوجب المرونة في التعامل مع هذا الآخر سواء كان تراثا، أو تاريخا، أو أدبا، أو فكرا، أو فلسفة، أو فنا… بناء على ذلك، يمكن اعتبار الترجمة لحظة عبور وسفر بين لغتين وفكرين وهويتين فيهما من الاختلاف أكثر من التشابه .في الترجمة، لا تحضر اللغة إذن كأداة محايدة للنقل، أي مجردة من حمولتها الإبستيمولوجية وعارية من بعدها الأنطولوجي وفارغة من تعقيداتها الدلالية ومنفصلة من مكوناتها الجمالية. اللغة، كما يؤكد على ذلك هايدغر، هي ”مسكن للإنسان”، بمعنى أنها شرط لوجوده ووعاء لكينونته تعبير شامل لذاتيته. الترجمة ليست مجرد عملية لغوية صرفة وبسيطة. إنها عبور فكري شديد التعقيد من لغة إلى أخرى يتم عبر عمليتين رئيسيتين ومتشابكتين: 1- الفهم و2- التأويل.ـ الفهم: ليس الفهم حالة معرفية فقط أو ملكة من بين ملكات الإنسان. إنها أكثر من ذلك، إنها حالة أنطولوجية وجودية بتعبير كادامير الذي يضع الفهم في مستوى الكينونة. فتحليل ماهية الفهم ومحاولة الكشف عن الكيفية التي بواسطتها يمكن للإنسان أن يفهم نصا أو وضعا كيف ما كان، هو في حد ذاته بحث عن ماهية هذا الكائن واكتشاف لجوهر وجوده الإنساني. ‘من هذا الكائن الذي يحدد وجوده بالبحث الذؤوب عن الفهم؟’ يتساءل بول ريكور في كتابه صراع التأويلات. يأتي الجواب هكذا: ‘إنه الكائن البشري Dasein”. إذن فالسؤال ‘كيف نفهم؟’ يصب في منطقة عميقة هي منطقة الكينونة والوجود والكائن.ـ التأويل: إذا كانت الترجمة تستدعي حضور الفهم كشرط أساسي لممارستها ولتقليص المسافات بين النص- الأصل والنص- الوصول، على اعتبار أن اللغة جد لصيقة بالفكر وخزان دلالي تكون فيه كل لفظة وكل كلمة عبارة عن ‘مونادات’ (ليبنيز) فكرية وثقافية وتاريخية واجتماعية وإيديولوجية وإبستيمولوجية تحيل إلى أنماط مختلفة، من ضمنها الفكر، فإنها كذلك عملية تأويلية. عندما ينقل المترجِم نصا من لغة إلى أخرى، فهو يعيد صياغته بواسطة دوال وتراكيب ومعاني مختلفة عن التي جاء فيها النص الأصلي، آخذا بعين الاعتبار المتلقي الذي، في الأصل، لم يكتب من أجله النص المترجَم. بعبارة أخرى، يمارس المترجم ضمنيا عملية تحويلية، لكي يربط النص المترجَم بالتصورات الممكنة التي يتحرك داخلها. بهذا المعنى، لا يمكن للترجمة أن تكون وفية أو موضوعية، لأن المترجم مقيم بين لغتين، يرحل من ضفة إلى أخرى ويبقى بالتالي مشدودا بين نسقين مختلفين يؤثران بشكل أو بآخر على ترجمته. هذه الأخيرة، وانطلاقا مما سبق، تظل قراءة دينامية تعيد إنتاج وتحويل وتوليد النص-الأصل داخل لغة جديدة، فتضيف شيئا جديدا على ما تم ترجمته وتسلط الضوء على ما هو مخفي وراء ستار الكلمات. نتيجة لهذه الرؤية التي لا تفصل اللغة عن المعنى، والترجمة عن الفهم والتأويل، تطرح علينا بإلحاح جملة من الأسئلة: ما هي طبيعة العلاقة بين النص المترجَم والنص المترجِم؟ هل هي علاقة تشابه أم اختلاف؟ هل النص- الثاني هو نسخة مطابقة للنص-الأصل أم خيانة له؟ إلى أي حد يمكن للمترجِمِ أن يكون وفيا للأنساق المختلفة التي تتحرك ضمنها اللغتين والنصين؟ هل النص المترجِم أيقونة أو سيمولاكر للنص المترجَم؟هذه الأسئلة ليست حديثة العهد. إنها وليدة إشكالات عرفها الأقدمون في ما قبل، عربا كانوا أم عجما. إنها أسئلة وليدة لحظة الترجمة، أي تلك اللحظة المفصلية التي تنفتح فيها الأنا على الغير، فتطلع على معارفه المختلفة ولغته المغايرة. كل القضية، في تشعباتها، تُختزل إذن في الصراع الدائم والمستمر بين تصورين متناقضين. الأول ينظر إلى الترجمة كاستنساخ للأصل، يستلزم شروط الوفاء والأمانة والتشابه، فيما يرى التصور الثاني أن الترجمة عملية تأويلية – تحويلية تجعل من الإبداع والتَّمَحُّل والاختلاف جوهرها. بعبارة أخرى، هناك طرف يعتقد أن الترجمة أيقونة وطرف آخر مناقض يعتبرها سيمولاكر. الأيقونة، في التصور الأفلاطوني، هي نسخة مطابقة للأصل، تنقله كما هو، وتحتفظ بهويته الأولية، فلا تحدث فيه بالتالي أي تغيير أو تحريف أو تحويل. إنها تنْبَني على مفهوم التشابه المطلق ومبدأ المطابقة الكاملة. السيمولاكر، على العكس من هذا، يقوم على مخالفة الأصل، والتنكر له، إذ أنه يفترض جوهريا علاقة معيارها اللا تشابه، وينطوي على الخلخلة ويجعل من التحويل والخدعة أهم خصائصه. يقول عبد السلام بنعبد العالي في كتابه أسس الفكر المعاصر: ‘الأيقونة (Ic’ne) صورة تتمتع بالتشابه والسيمولاكر (simulacre) صورة بلا تشابه. الأيقونة تقوم على الشبه والوحدة مع النموذج أما السيمولاكر فهو يقوم على الاختلاف وينطوي على اللا تشابه. الأيقونة تكرر النموذج والسيمولاكر يخونه ويتنطع بالنسبة إليه.’ إذا ما كانت الترجمة عملية تأويلية تحويلية، ينفتح خلالها المُتَرجِم على إبستيمي لغوي مخالف للإبستيمي الذي ينتمي إليه، فهي لا يمكن لها إذن إلا أن تكون سيمولاكر. مبعث هذا التصور السيمولاكري للترجمة راجع بالأساس إلى قناعة مفادها أن هذه الأخيرة ليست فقط نقل معنى ما من لغة إلى أخرى، وليست مقابلة لفظ ما للفظ آخر. الترجمة، من حيث هي إعادة كتابة النص ـ الأصل وفقا لنظرة جمالية، تبقى عملية إبداعية ترفض منطق الوظيفية القائم على حفظ المعنى الأصلي وصيانته وتبليغه كما هو. إن الترجمة تنم عن تنكر للتطابق، ومحو للوفاء، وإقصاء للتشابه. الترجمة، من حيث كونها إعادة الخلق، لا يمكنها السقوط في التكرار والاستنساخ والنموذجية. فهي في العمق محو للأصل وهدم للنسخة ومسخ للنموذج، تجعل من الاختلاف عنصرا بارزا في نسقها ومن الخيانة مظهرا إيجابيا بعيدا كل البعد عن المعنى الأخلاقي للكلمة. بهذا المعنى، فكل ترجمة تجعل من نفسها نسخة مطابقة للأصل ومرآة وفية له ومثالا للصدق تبقى ترجمة ضعيفة يشوبها من حيث لا تدري النقص والتشذيب. هذا التصور الأيقوني الذي يرفع شعار الأمانة إلى حدود العقيدة هو اختزالي في جوهره لأنه لا يدري أن كل ترجمة هي في الأصل تأويل للغة وتوليد للمعاني واشتغال عليها وتفكير فيها. الترجمة لا تكرر الأصل بل تنفيه، لا تنتج الأيقونة بل تولد السيمولاكر، لا تؤمن بالتشابه بل تدعو للاختلاف. فهي بذلك تضمن تلاقح الثقافات فيما بينها، وتسمح لها بالتواصل المثمر والبناء، وتجعل من الاختلاف روح الحوار بين الشعوب. الترجمة ـ السيمولاكر تتخذ من اللغة مسكنا مضيافا للآخر بينما تقوم الترجمة ـ الأيقونة بإقصاء هذا الآخر لأنها تختزله في المعنى لواحد. ‘ باحث ومترجم من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية