أسامة عرابي ‘يستلهم الناقد والمخرج والمعد المسرحي والدراماتورج والمترجم المصري مهدي الحسيني، القصيدة الدرامية الطويلة ‘سرحان والماسورة’ للشاعر والقائد السياسي الفلسطيني..والمناضل الوطني والأممي الشهيد ‘توفيق زياد’، في صياغة ‘غنائية فلسطينية’، كتبها على طريقة التمثيلية التلفزيونية أو السيناريو السينمائي؛ رغبة منه في الاحتفاء بجوانب العمل كافة ؛ ولتأكيد لحُمته وسَداه، إلا أنها اتسمت بطلاقة فنية، وجسارة في التعبير الموسيقي، مستوحيًا مناخ الألحان الفلكلورية الشعبية الفلسطينية ورقصاتها وآلاتها الموسيقية وأزيائها وقسمات الأمكنة وأجوائها، دون التزام بحرفيتها، وإن اقترب من قوالبها ومادتها، في تحويرات حرة تبرز آثارها الصوتية، وتوزيعاتها النغمية التي تشيعها حركة العزف بفورانها الأسلوبي؛ فيمسي بمنجاة من الخطابية والحشو، محافظاً على إيقاعها الميلودي المتوتر، وحيوية هارمونيته، من خلال تقنيات القطع والترديد والتنويع والتقابل والتآلف والتزامن، عبر سياق درامي يُفيد من تجارب عالمية، تحولت فيها الأوبرا إلى سيمفونية شاسعة الأرجاء والأبهاء؛ مما يسمى بـ’الألحان المميزة’LEITMETIFS التي تقوم فيها مقام الأساس الروحي والبنائي في آن واحد.وهذا بتعبيرمهدي الحسيني:’لا يتم إلا بواسطة مؤلف موسيقي، له قدرة التعامل مع الفكر؛ ليضع للعمل معادلاً موسيقيّاً، ومع الفكرة الأساس ليضع لها معادلاً مماثلاً مُمَثَّلاً في نغمة رئيسة، ومع الكلمة كوحدة أساس أولى في الغناء المسرحي.كما يملك القدرة على البناء السيمفوني؛ ليتطابق مع طبيعة البناء الدرامي المسرحي.’وبذلك تحوَّل ‘سرحان العلي’ الفلاح البدوي الذي ينحدر من عرب الصقر قرب ‘تل الحارثية’ إلى بطل من أبطال ثورة 1936ضد الانتداب البريطاني ؛ بنسفه ماسورة بترول تتمدد في منطقته هذه، وتمد قوات الاحتلال بأسباب الحياة. وانتقل بذلك العمل الفني من حدث وطني يرتهن بعام 1936، إلى أفق مفتوح يضم في إهابه القضية الفلسطينية في مراحلها كافة، خالقاً ذاكرة وطنية تحاور مصيرًا مشتركاً، يتطلع إلى فسحة زمنية تحتضن فضاء حرّاً.ولأن التراجيديا القديمة نهضت أساساً على الشعر، فقد قامت الدراما على الموسيقى التي تُعَدُّ بدورها صورة للشعر في أعلى مراتبه، عبر ارتباط التعبير الإنساني الخالص بالكلام والغناء والملامح ؛ كلٌّ وفق قوانينه المتناغمة مع كلية العمل الفني المعقدة. وبذلك لم يقتصر دور الموسيقى على مَهَمَّة التعليق على الشعر، بل عمدت أيضاً إلى التعليق على الدراما نفسها، بتعبير ‘برنارد شامبينيول’.ولم تقنع الأوركسترا السيمفوني بدور القيثارة الهائلة المصاحبة للألحان، بل غدت جزءاً رئيساً من نسيج العمل الدرامي، إلى جانب الصوت الإنساني ؛ داعميْن وحدة المسرحية واتساقها مُذ البدء إلى الختام، وكأنه ‘ميلودية من دون نهاية’. الأمر الذي دفع ‘مهدي الحسيني’ إلى القبض على لحظة ‘التخيل السمعي الحي التي تصاحب الغناء والحركة والاستعراض معاً ؛ من أجل تكوين نظرة كليَّة شاملة للنص الشعري في جوهره الدرامي وصورته المسرحية ؛ ومن ثَّم الحفاظ على الوحدة العضوية بين النص، وبين الموسيقى ‘ ؛ ذلك أن الانفصال والتباعد عند المؤلف بين المؤلفين الموسيقيين الدارسين أكاديميّاً، وبين الملحنين الدارجين الذين لم يعرفوا طريقهم إلى الدراسة الأكاديمية، ولا دراية لهم بالبناء السيمفوني، وإن كان لبعضهم حظ من الدراسة والمعرفة وخبرة الاستماع والتذوق وملكة خلق اللحن، إنما ‘يعكس شرخاً حضاريّاً شاملاً مؤسفاً، علينا أن نجتهد جميعاً كي نعالجه، والمسرح واحد من ميادين العلاج’. غير أن هناك ‘قلة نادرة’ يسميها : سيد درويش والرحابنة وملحني الصور الإذاعية الشهيرة بإذاعة القاهرة في الأربعينيات والخمسينيات، حاولت رأب الصدع ؛ محاولةً ‘إنشاء بناء موسيقي مسرحي شامل نابع من تصور فلسفي، وإحساس وجداني كلي، لنص العرض، وكذا القدرة على وضع ألحان وأنغام عربية صميمة وجذابة، وتقديم غناء خالٍ من اللكنات الأجنبية و النبرات الغربية، ثم القدرة على التعامل مع التفاصيل : مع اللحظة والكلمة والإشارة والحركة… وحتى الصمت والسكون تماماً..’ بيْدَ أن ‘مهدي الحسيني’ خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، قسم الأدب المسرحي والنقد عام 1968م، والذي انتظم في الدورة الثانية لدراسات السيناريو التي نظمتها مؤسسة السينما ابتداء من 1965إلى 1968، يحرص على تقديم لوحة تشكيلية تستخدم مفردات العمل الفني باقتصاد وجمال، وبإيقاع ‘يجمع بين السريع والمتأمل، والظاهري والداخلي في الآن عينه’، متمسكاً بضرب من ‘الممثلين الذين يجيدون الغناء والرقص، والمغنين الذين يجيدون التمثيل والرقص، والراقصين الذين يجيدون التمثيل والغناء ‘ وإن كان هذا أمراً يصعب تحقيقه بشريّاً، على الرغم من أن ‘بيوت العوالم في الماضي كانت تخرِّج لنا فنانات وفنانين من هذا النوع الرفيع المتمكن ‘( راجع تاريخ وأعمال وفن الفنانة القديرة الراحلة نعيمة عاكف، وأعمال مؤسس شركة صوت القاهرة الفنان محمد فوزي، وكلاهما تخرَّج في مدرسة العالِمة الشهيرة عايدة صابر نجمة مدينة طنطا في الثلاثينيات )، بينما ‘تقصر معاهدنا الفنية و( أكاديمية ) الفنون عن تخريج فنان شامل واحد بمعنى الكلمة، على الرغم من كثرة الدكاترة!’.من هنا ؛ لم يجد ‘مهدي الحسيني’ بُدّاً من نصح المخرجين الذين يودون التصدي لهذا النص المسرحي الذي أتمَّ صياغته في عام 1973، ونشره أخيراً في ‘مكتبة الورد للنشر والتوزيع’، بـ ‘تسجيل الأصوات وإذاعتها بطريقة الـPLAY BACK، أو أن نضع الأوركسترا والكورال في حفرة، وليغنِ على المسرح من يستطيع الغناء..’ وبذلك كتب مهدي الحسيني ‘الصقر الفلسطيني انطلاقاً من فهم لديه يرى أن المسرح فن مركب يشارك في بنائه فنانون مختلفون، يقومون بالتوفيق الواعي والمنظم بين كل هذه الفنون المسرحية (الكلمة التمثيل الموسيقى الرقص السينوغرافيا ) في تصور موحد متجانس متناسق، ويعزو الافتقار إلى ذلك الآن إلى غياب ‘التيار الفني الذي يصبغ الفنون كافة بصبغته ‘؛ ومن ثَّم عدَّ عمله هذا ‘محاولة لدفع هذا التيار من ناحية، ولتأكيد تصور معين لشكل مسرحي جديد قد يغذيه هذا التيار من ناحية أخرى’، مؤمناً بأن اتباع المنهج العلمي هو نصف الموهبة. وقد وجد مهدي الحسيني في أشعار الشاعر الفلسطيني الشهيد’توفيق زياد’ الذي خرج من معطف الشاعر الفلسطيني الرائد ‘إبراهيم طوقان’، طاقات هائلة تحتفي بتعدد الأصوات، فجمع بين قصيدته ‘سرحان والماسورة’ وأشعار أخرى له أعانته على خلق مواقف درامية جديدة تدعم فن العرض المسرحي، وتوسِّع إطار الحدث الأصلي. حيث لاختيار مهدي الحسيني شخصية ‘سرحان العلي’ بُعد طبقي حيوي، حثَّه على تبيان الفارق بين ما فعلته النخبة العربية الفلسطينية المهادِنة، وما صنعته الأكثرية الكاثرة من الفلاحين الفلسطينيين الذين حملوا السلاح في ثورة 1936- 1939ضد الحكم الاستعماري البريطاني، والكشف عن ماهية الوعي التاريخي الفلسطيني الشعبي الذي ظل مهملاً ومنزوياً ردحاً من الزمان طويلاً، مفيداً من المفاهيم التي طوَّرها حول الذاكرة الشعبية والوعي الشعبي أنطونيو غرامشي وراناجيت جوها، وجماعة الذاكرة الشعبية، ورايموند وليامز وآخرون. لهذا تبدأ ‘أوبرا الصقر الفلسطيني’بإهداء يقول : إلى الشعب الفلسطيني البطل.. ثم قدَّم لنا الكاتب توطئة أو تَقدُمة دعاها باسم ‘النغمة الصحيحة’شرح من خلالها المواضعات العامة التي أحاطت بالقضية الفلسطينية، ونظرة النظام الرسمي المصري إليها، وطرائق تعامله معها عبر الأجهزة الأمنية، وبيروقرطيي م.ت.ف الذين يديرون مكاتبها وإعلامها بالتنسيق مع ضباطها ؛ الأمر الذي انعكس على ذلك التناول السياسي الديماجوجي الذي يسطِّح القضية، ويفرِّغها من أبعادها الحقيقية، ويحرف النظر عن رؤية الواقع بعلاقاته المتشابكة ؛ مما دفع شاعرنا الكبير ‘محمود درويش’ إلى القول : كم كنا عرباً في إسرائيل، وكم أصبحنا فلسطينيين في البلاد العربية ‘! وقد نجح مهدي الحسيني في أن يربط باقتدار بين تجربته الشخصية في كتابة سيناريو فيلم يجسِّد المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، من خلال معركة الكرامة في 21/ 3/ 1968؛ إحدى قواعد المقاومة الفلسطينية في الأردن التي اشتبكت والجيش الأردني مع المدرعات الإسرائيلية، وألحقا بها خسائر فادحة ؛ حتى عُدت هذه المعركة الانطلاقة الثانية للثورة الفلسطينية.. وبين احتضانه مجموعة من الفنانين الشباب الذين يدعون إلى ‘غناء مصري جديد، وموسيقى جديدة بعد فشل جعجعة أناشيد الحرب’، على نحو ما فعل مع هذا الشباب الجميل الذي انتظم في ‘كورال الطليعة’ بقيادة الموسيقار الكبير الراحل ‘عبد العظيم عويضة’، و’د.علاء الدين مصطفى’ أستاذ الهارموني ونظريات الموسيقى بكونسرفاتوار القاهرة، و’د.عادل كامل حنا’ أستاذ الهارموني بالكليات والمعاهد الموسيقية.. فتماهت بذلك تجربة مهدي الحسيني الخاصة مع تجربة الوطن المريرة العامة. وباتت سيرة الوطن في ‘أوبرا الصقر الفلسطيني’، هي سيرة المواطن من دون فصم لأحدهما عن الآخر.. انطلاقاً من اقتناع لديه يرى أن تجارب الإنسان ليست ملكاً شخصيّاً له، بل هي ملك للتاريخ، الذي هو بالطبع ملك للجميع ؛ لكل الناس، وفي كل العصور.وهو ما يقتضي من المرء أن يكون صادقاً في الكشف عنه، وعن أحداثه وتداعياته على الأصعدة كافة. وهو عين ما توخاه المؤلف وهو يستعيد هذه الفترة العصيبة من تاريخنا، بعدما شهدت انحياز النظام إلى جانب الإعلام على حساب الثقافة، والتضييق على الحريات، وحصار الفن الجاد. وقد عثر مهدي الحسيني على ‘النغمة الصحيحة’ باختياره الموفق لشعر المقاومة الفلسطينية الذي جسَّد هوية شعبه الوطنية والعربية، ونضاله الأسطوري في مواجهة المخططات الصهيونية الممنهجة لاقتلاعه، وطمس حقوقه التاريخية، وأسهم في إغناء الشعر العربي بحساسية جديدة، وتصورات مغايرة لماهيته التقليدية وتقاليده الموروثة. ووجد مهدي لدى الموسيقار عبد العظيم عويضة طموحاً فنيّاً لتقديم المختلف الذي ينبع من تحولاته المتعددة، وترحاله السندبادي إلى أرض الظلال، كما لمسناه مثلاً في موسيقاه المصاحبة لمسرحية ‘أنجولا’ أو ‘الغول’للمسرحي العالمي ‘بيتر فايس’. وبذلك استطاع مهدي وعويضة أن يردا الاعتبار للقضية الفلسطينية ؛ بوصفها المنطلق والمحرِّك الذي يحدد النظرة والموقف والسلوك، وانعكاساتها على المصير والمستقبل العربييْن. من هنا ؛ اجتذبت هذه التجربة عدداً من الفنانين الدارسين مثل السوبرانو ‘سيدة مدبولي’، والألتو ‘سلوى إمام’ عضوتي كورال أوبرا القاهرة، والفنانة المرموقة ‘إنعام الجريتلي’، ومجموعة من طلبة القسم الحر المسائي لمعهد الموسيقى العربية. وكان طبيعيّاً ألا تعثر الفنانة ‘عفاف راضي’ لنفسها على موطئ قدم بين مجموعة آمنت بالفن صوتاً جماعيّاً دراميّاً، لا عملاً يمجِّد دور النجم الفرد، مهما كانت أهميته. وبفضل المناخ الصحي الذي أشاعته هذه التجربة الثرية ؛ تحمس نفر من الفنانين للمشاركة في إحياء ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية في يناير 1970، مثل الممثل الناشئ حينها ‘محمود ياسين’، وطالبة معهد التمثيل آنذاك ‘فردوس عبد الحميد’، والنجم القدير ‘عبد الله غيث’، بعد أن اختار كل منهم قصيدة من ‘ديوان الوطن المحتل’ لشاعر من شعراء المقاومة الفلسطينية، فكان الجمهور بها حفيّاً ؛ مما أثبت خطل الدعايات الكاذبة التي تروجها الأجهزة الأمنية المشبوهة عن الفلسطينيين وثورتنا الفلسطينية المسلحة، وأثبتت أن القضية الفلسطينية لا تعني الفلسطينيين وحدهم، وإنما تعني كل مواطن عربي، وأي محاولة لتأجيل سؤال الديمقراطية مصادرة للحل الحقيقي. لذلك كان من البدهي أن تنتبه القوى اليمينية وعملاؤها إلى ‘كورال الطليعة’ ودور مهدي الحسيني الأب الروحي لهذه التجربة، في وضع الفنان المصري على الطريق الصحيح ؛ ليلتقط النغمة الصحيحة، والبوصلة الهادية إلى التاريخ. فلم تنِ الأجهزة الأمنية تزرع الفتن والدسائس بين رفيقي الدرب (مهدي وعويضة ) وملاحقتهما بالشائعات المغرضة، ومحاولة إغواء عبد العظيم عويضة واستقطابه باعتماده ملحناً بالإذاعة ؛ مقابل أن يُسْلِمَ قياده لهم، ويقبل توظيفه على النحو الذي يرومون. ثم القبض على مهدي الحسيني مرتيْن إبان الحكم الساداتي بتهمتيْن ملفقتيْن ضاحكتيْن ؛ الأولى غامضة مجهولة، والأخرى تدبير مظاهرات عمال حلوان التي لم يكن له بها أدنى صلة، فضلاً عن اضطراب أموره المالية والحياتية. فدبَّ الخلاف بينهما (مهدي وعويضة) إثرمشاركة عدد من أعضاء ‘كورال الطليعة’ في مسرحية ‘النار والزيتون’ للكاتب الكبير ‘ألفريد فرج’، وعدم اقتناع عويضة بالحجة التي ساقها مهدي لتبرير ذلك، بأن المشروع قد أقيم أصلاً لخدمة قضية، والمسرحية تعالج القضية نفسها، والكورال لم يقم لحساب ملحن واحد هو عويضة، بل هناك ملحنون آخرون من مصلحة قضيتنا أن نعمل معهم، وأن يعملوا لها، وهكذا تم الانقسام والتشرذم ! وفي هذه الفترة، تعرَّف مهدي الحسيني إلى الفنان ‘سيد شعبان’ السوليست في أوبرا القاهرة، فتطوع لتدريب مجموعة ‘كورال الطليعة’ على أغاني مسرحية ‘النار والزيتون’ التي اتخذت شكل المسرح التسجيلي الذي يستعين بكل وسائل العرض: الدراما والغناء والرقص والمسرح السحري. وشاطر سيد شعبان مهدي الحسيني الحلم في تحقيق تواصل جماهيري واسع يتخطى مأزق ‘كورال الطليعة’ التي حصرت نفسها في إطار نخبوي ضيق، حرمها من الوصول إلى قواعد شعبية عريضة تتيح لشرارة الفن أن تنقدح، ويتماس القطبان ؛ ليُحدث التفاعل المنشود أثره.. طالباً من مهدي تغيير اسم الفرقة من ‘كورال الطليعة’ إلى ‘كورال النيل’، من دون أن يعني ذلك تخلياً عن القضية الفلسطينية والإعراض عنها. وهو ما تجلى في اختياراته الشعرية المتعددة.غير أن ريح السَّموم التي عدت على مصر، لم تسمح لهذه التجربة بالاستمرار، فوئدت في المهد صبية ؛ نتيجة تسويد ثقافة التبعية والتهادن، وإبدال الأصدقاء بالأعداء. بيْد أن مهدي الحسيني أفاد من هذه التجربة أيما إفادة، وأيقظت فيه ‘حلم أن يعود المسرح الغنائي المصري للعب دوره الرائع الذي قام به قبل وإبان ثورة 1919المجيدة وبعدها’، وجعلت انتباهه ‘للغناء والموسيقى أكثر إرهافاً، وأعمق وعياً، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بعمل مسرحي’. فالموسيقى كما نعلم مرآة للعصر، وذات وشائج وثيقة بغيرها من سائر الفنون.غير أن مهدي الحسيني اليقظ راح ( قبل عاميْن من هذه النهاية التدريجية، يخطِّط أو يمهِّد لمشروع قيام فرقة غنائية لشعر الأرض المحتلة عامة، وأشعار المقاومة الوطنية خاصة، من بعد أن قرأ في مجلة ‘الطريق’ اللبنانية قصيدة درامية طويلة ل ‘توفيق زياد’ باسم ‘سرحان والماسورة’، فأعد لها معالجة مسرحية، استقر على صيغتها النهائية في ديسمبر 1972تقريباً، أو مطلع عام 1973، وأطلق عليها اسم ‘الصقر’ ). وقد تحمست السيدة ‘نائلة زياد’ أرملة الشهيد ‘توفيق زياد’ لإنتاجها، بعد أن عثرت عليها بين أوراق زوجها، وبرؤية إخراجية للمؤلف نفسه. إلا أن الممول الأردني سحب عرضه لأسباب لا ندريها، والسيدة نائلة لا تملك من عَرَضِ الدنيا الزائل شرو نقير. ومات المشروع، بعد أن لاذ صاحبه بالصمت والصبر في هذه الدنيا الظالم أهلها ! حتى نهض مهدي بنشرها بين دفتي كتاب، فأتاح لنا أن نتعرف على عمل كبير بكل المعايير كما سلف.’ كاتب وناقد من مصر