محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: لم يعد الاحتجاج على طقوس حفل الولاء الذي يقيمه الملك سنويا، يقتصر على متصفحي الصفحات الاجتماعية او الناشطين الشباب، وانتقل بسرعة الى الشارع ودخل على خط الاحتجاجات عشرات من قادة الاحزاب السياسية بما فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم والمثقفين والكتاب والصحافيين.وخرج مساء اول امس الاربعاء العشرات من الناشطين الى شوارع مدينة الرباط تلبية لدعوة من ناشطي حركة 20 فبراير في تجمع امام مقر البرلمان تحت شعار ‘حفل الولاء للكرامة والحرية’ ردا على حفل الولاء الذي اقيم يوم الثلاثاء الماضي.ويعتبر الناشطون والمحتجون على حفل الولاء الملكي ان طقوس الحفل بالركوع ثلاث مرات امام الملك الذي يكون على صهوة جواده، تمس بالكرامة الانسانية ومناهضة لتعاليم الدين الاسلامي الذي يأبى الركوع لغير الله.ودعا الناشطون المحتجون عبر صفحة التواصل الاجتماعي (الفايسبوك) الى الاحتشاد للاحتجاج على طقوس تتنافى والحداثة والدين، ولبى الدعوة مئات من الناشطين الا ان قوات الامن التي احتشدت قبل الموعد المحدد للتجمع انقضت على كل من اقترب من الساحة بالركل او الضرب بالعصي المرفوق بالشتائم.اصابة الصحافيينولم توفر قوات الامن الصحافيين الذين جاؤوا لتغطية التجمع واصيب جراء الاعتداء عليهم الصحافي عمر بروكسي مراسل وكالة الانباء الفرنسية وعبد المجيد بزيوات المصر الصحافي لصحيفة الصباح وتقني لموقع لكم. واضطر مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة الى الاتصال بادارة وكالة الانباء الفرنسية في باريس للاعتذار عن الاعتداء على الصحافي بروكسي وابلغهم قرارا لوزير الداخلية محند العنصر بفتح تحقيق بهذا الاعتداء.وادى اتصال الوزير الخلفي بالوكالة الفرنسية غضب الصحافيين المغاربة لعدم الاعتذار من الصحافيين المغاربة الذين تعرضوا لتنكيل وشتائم وركلات رجال الامن.وقال يونس مسكين، الصحافي بيومية ‘أخبار اليوم’ إن عددا من الصحافيين تعرضوا لممارسات عنيفة ومهينة بدون تمييز، خاصة المصورين الصحافيين ومراسلي المواقع الإلكترونية لكونهم يحملون آلات تصوير وكاميرات، وبمجرد ما انتهى التدخل ضد المتظاهرين، وجّه المسؤولون تعليمات لعناصرهم بالتوجه نحو الصحافيين وإبعادهم.وعبر مسؤول بالنقابة الوطنية للصحافة المغربية عن شجب النقابة للتدخل العنيف ضد الصحافيين، كما ندد بالتمييز الذي مارسه وزير الاتصال الذي خص مراسل وكالة الأنباء الفرنسية بالاعتذار دون غيره من الصحافيين. وقال محمد محلا، الصحافي بموقع ‘كيفاش’ إن اعتذار وزارة الاتصال لمراسل وكالة الأنباء الفرنسية للأنباء لوحده ‘هو تميز كالعادة ضد وسائل الإعلام الوطنية’، وأضاف ‘شاهدنا كيف أن الوزارة اعتذرت لصحافي يعمل في مؤسسة أجنبية في وقت لم تهتم بالمصورين الذين عنفتهم السلطات الأمنية ويشتغلون في مؤسسات وطنية، وهو أمر غير مقبول، رغم أننا اعتدنا على مثل هذا التمييز من طرف وزارة الاتصال ومن طرف جهات أخرى’.وقال المهندس أحمد بن الصديق، أحد المشاركين في وقفة ‘الولاء للكرامة والحرية’، إنه شهد بأم عينه العنف الذي تعرض له المشاركون في الوقفة وكيف إن القوات العمومية المكونة من شرطة، وقوات مساعدة، وعناصر بزي مدني كانت حاضرة بأعداد غفيرة تفوق بكثير عدد الحاضرين في الوقفة.وأوضح المهندس ابن الصديق الذي سبق له أن أعلن في رسالة مفتوحة خلعه لبيعته للملك، أن القوات العمومية بدأت باستفزاز المشاركين في الوقفة بالعنف اللفظي ثم العنف المادي من خلال الدفع والركل والرفس.وقال ابن الصديق، المعروف بمواقفه العلنية من البيعة ومن الطقوس المخزنية، بأنه نال حظه من الدفع بعنف من قبل أحد عناصر الأمن ذوي الشارات ورأى العنف الشديد يمارس على كل من حمزة محفوظ وعمر بروكسي الذي أدموا شفته، والناشط يونس دراز الذي سقط على الأرض، وأخذت منه القوات العمومية محفظته بالعنف بعد أن صوب له أحد العناصر ضربة للوجه ورأيت أثرها قرب عينه.وأوضح ابن الصديق أنه حاول الاتصال بوالي الرباط سلا حسن العمراني ولكن هاتفه لا يرد، واتصل بعدها بجامع المعتصم، مدير ديوان رئيس الحكومة، وأخبره بما حدث من عنف مجاني لا مبرر له و يدعو للاستنكار، وألحح عليه أن يخبر رئيس الحكومة بهذه المهزلة. فرد عليه المعتصم، مرتبكا، حسب تعبير ابن الصديق، بأنه لا علم له بكل هذا وإنه سيتدبر الأمر. وعاود الاتصال به ليستفسر منه لكن هاتفه ظل يرن دون رد.واضاف أنه اتصل بوزير الداخلية امحند العنصر وأخبرته بالتفاصيل كما أبلغه بدوره بأن يونس دراز، انتزعت منه قوات الأمن محفظته بالعنف فرد عليه هو الآخر أنه لا علم له بشيء قبل أن يعده بأنه سينظر الأمر ثم يتصل به، ولكنه لم يفعل.بيان الكرامةووقعت عشرات من الشخصيات السياسة وفعاليات حقوقية وإعلامية، ومستقلين بيانا يطالبون فيه بإصدار قرار رسمي، يضع حدا للبروتوكول المخزني من انحناء وركوع وتقبيل لأيدي الملك وأفراد أسرته. والبيان عبارة عن ‘عريضة شعبية’، لجمع أكبر عدد من التوقيعات التي تستنكر استمرار ممارسات قال البيان إنها تذكر المغاربة بسنوات الجمر والرصاص.وحمل البيان أكثر من 100 توقيع من بينها توقيع محمد بن سعيد ايت يدر احد ابرز رموز المقاوومة وجيش التحرير والمناضل البارز من اجل الديمقراطية بعد الاستقلال وعبد الرحمان بنعمرو (رئيس سابق لجمعية هيئات المحامين بالمغرب والامين العام لحزب الطليعة والمحامي خالد السفياني ونبيلة منيب الامينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد والبشير المهدي بنبركة نجل الزعيم المهدي بن بركة مؤسس اليسار المغربي الحديث وأحمد الريسوني الامين العام السابق لحركة التوحيد والاصلاح الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية الحاكم وعبد العالي حامي الدين عضو الامانة العامة ونائب رئيس المجلس الوطني للحزب (أستاذ جامعي) وعبد العزيز أفتاتي عضو المجلس الوطني للحزب (أستاذ جامعى/ برلماني) وعبد الله حمودي (أستاذ جامعي/ أنتربولوجي) ومحمد المرواني الامين العام لحزب الامة والمفكر والكاتب محمد الساسي (أستاذ جامعي) وخديجة الرياضي رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الانسان. وقال هؤلاء في بيانهم الذي سموه بيان الكرامة إنه لا معنى لمثل هذه الطقوس اليوم غير إهانة كرامة المغاربة والحاق الأضرارا الجسيمة بسمعة البلاد.واوضح البيان ‘إن البروتوكول المخزني من انحناء وركوع وتقبيل لأيدي الملك وأفراد أسرته لا معنى له غير إهانة كرامة المغاربة بهذه الممارسات التي ترجع إلى عهود غابرة، وتتنافى مع الذوق السليم وتتناقض مع قيم العصر. كما تذكرنا بمنظومة من التقاليد التي رافقت سنوات الجمر والرصاص ومآسيها والتقاليد التي كانت سائدة عند بعض الأنظمة قبل القيام بإلغائها بقرار رسمي في سياق عملية الإصلاح، حيث ألغاها حاكم تونس مثلا قبل أكثر من 150 سنة (1860 م).دعوة لاستفتاء حروأضاف البيان أن الطريقة الوحيدة لإثبات الروابط بين المواطن والدولة، هي وجود دستور ديمقراطي يزكيه الشعب عبر استفتاء حر ونزيه، فهو وحده الكفيل بتنظيم علاقة بين الحاكمين والمحكومين في إطار من احترام كرامة المواطنين والمواطنات بعيدا عن طقوس الإذلال والطاعة. وتعليقا على حفل الولاء، قال القيادي في حزب العدالة والتنمية الاسلامي الذي يقود التحالف الحكومي، عبد العالي حامي الدين لوكالة فرانس برس ‘لا شيء يلزمنا باقامة حفل الولاء كل سنة، والملك ليس في حاجة الى تلك الطقوس المهينة للكرامة الانسانية لكسب الاحترام’. واضاف ‘لذا وجب التخلي عن تلك الطقوس كي لا نتناقض مع خطاب الحداثة السياسية الذي نرفعه ومقتضيات الدستور الجديد’. واكد ان وزراء الحكومة ‘لم يركعوا للملك خلال الحفل وادوا تحية عادية’ خلافا للولاة والعمال وموظفي وزارة الداخلية الذي أدوا الطقس بتفاصيله. وشدد القيادي في حزب العدالة والتنمية على انه ‘لا انقسام داخل حزبه حول رفض اداء تلك الطقوس’. وتحدثت معظم الصحف المغربية الخميس عن ‘تقليص مدة الانتظار’ قبل أداء الطقوس والركوع للملك. واشارت ايضا الى ان اعضاء الحكومة الاسلامية انحنوا انحناءة بسيطة لالقاء التحية على الملك بدل الركوع المعتاد، معتبرة انه ‘تخفيف لمراسم الحفل’. وكان أربعة من وزراء حزب العدالة والتنمية الاسلامي في الحكومة الحالية من ضمن 166 شخصية، وقعوا على بيان باسم ‘التغيير الذي نريد’ في 30 آذار (مارس) 2011 في اوج الاحتجاجات المطالبة بالاصلاح السياسي. ومن بين بنود هذا البيان الدعوة الى ‘الغاء كافة المراسم والتقاليد والطقوس المخزنية المهينة والحاطة من الكرامة’. وكان عبد الاله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية، قال في برنامج على التلفزيون الرسمي ‘لن اقبل يد الملك ان التقيته كما اني لن اسلم عليه كصديق لأنه هو الملك’. واضاف ‘اما حفل الولاء الذي نحضره فيجب التراجع عنه لأننا في القرن 21 وحتى ننسجم مع العصر ومع مطالب شباب 20 فبراير ومطالب حزب العدالة والتنمية’. بيعة الرضوانلكن احمد التوفيق وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية في حكومة ابن كيران شبه في تصريح للتلفزيون الرسمي حفل الولاء للملك بـ’بيعة الرضوان’ المعروفة في التاريخ الاسلامي عندما اخذ النبي محمد عهدا من المسلمين تحت شجرة في الحديبية بالا يفروا حين ملاقاتهم للعدو. وانتقدت جماعة العدال والاحسان الاسلامية المحظورة في المغرب في مقال على موقعها الالكتروني، هذا التشبيه. وقالت متسائلة ‘متى كان نظام هو في نظر المبشرين (بافضاله) أشبه بخلافة الرسول صلى الله عليه وسلم، يحتكر الثروة والسلطة؟’. واضافت ‘هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستثمر في اقوات العباد؟ وهل راكم الثروات ليصنف ضمن اغنى اغنياء العالم؟ وهل اخضع العباد لشخصه ـ وهو اكرم خلق الله ـ فحشروا طوابير يؤدون فروض الطاعة انحناء وركوعا وخضوعا؟’. من جانبها قالت وداد ملحاف احدى الناشطات التي حاولت المشاركة في الحفل الرمزي الأربعاء، لفرانس برس ‘أضحكنا العالم فينا (علينا) بهذه الطقوس المهينة’، متسائلة ‘الا يقول الملك لنفسه حين يضع رأسه على وسادة النوم انها طقوس اكل عليها الدهر وشرب؟’. وتابعت ردا على المدافعين عن تقاليد وطقوس حفل الولاء ‘مهما حاولتم تبرير الأمر بكونه تقاليد عريقة الامر مناف للصواب’. واشارت الى ان ‘الملك عندما اراد التخلص من مثل تلك الطقوس البالية تزوج امرأة من عموم الشعب واظهرها على التلفزيون وفي بعض الأنشطة’، مؤكدة انها ‘مسألة ارادة لا اقل ولا اكثر’. اما الملك محمد السادس فقد نفى في حوار لمجلة ‘باري ماتش’ في 2004 ان يكون غير البروتوكول الملكي، مؤكدا انه ‘ارث ثمين من الماضي’. وقال ‘اشيع كما لو انني غيرت ما كان قائما بعض الشيء وهذا خطأ لأن الأسلوب مختلف’. واضاف ان ‘للبروتوكول المغربي خصوصيته (…) وانا حريص على المحافظة على دقته وعلى كل قواعده’. وتابع ‘غير انه يجب على البروتوكول ان يتماشى مع اسلوبي. ولدت وترعرعت ضمن هذه التقاليد البروتوكولية وهي تمثل جزءا لا يتجزأ من كياني، وخاصة من حياتي المهنية التي تظل هذه التقاليد مقرونة بها’. وتندرج مراسم حفل الولاء ضمن ما عرف لدى المغاربة بتقليد ‘دار المخزن’ اي مظاهر حياة العائلة الملكية وخدمها داخل القصور، وبعض ما يعرضه التلفزيون الرسمي في المناسبات الرسمية. لكن معظم جوانبها يبقى مجهولا لدى عامة المغاربة بسبب طابع السرية التي يلفها. وتكلف الملكية في المغرب للحفاظ على تقاليدها وطقوسها ما يقارب 1400 من الخدم موزعين على اكثر من عشرة قصور واقامات داخل المغرب وخارجه يخصص لهم من ميزانية الدولة سنويا، حسب أرقام نشرتها الصحافة المغربية، 2,56 مليار درهم (232 مليون يورو).