سورية تغرق في حمام دم.. ذبح شعب

حجم الخط
0

اصدروا الينا اوامر صريحة باطلاق النار على الاولاد والنساء والشيوخ وكل من رفض التنفيذ اعدم فورا على مرأى من الآخرينالداد باكيصعب ان نرى على وجه سعود آثار التجارب الشعورية الفظيعة التي مرت به في الايام الاخيرة. فهذا الشاب السوري الهزيل ابن الثانية والثلاثين لا يُسلم نفسه للمعاناة. نجح قبل ايام معدودة فقط بعد نوائب كثيرة ومقابل مبلغ جدي من المال في الهرب مع عائلته من بيته في دمشق المحترقة وان يصل بعد انتهاء مسار هرب طويل الى شاطىء أمان في مخيم اللاجئين دوميس، في داخل كردستان العراقية، وهو مشغول بالتنظيم الأولي وبايجاد سكن وطعام لعائلته الصغيرة التي تشتمل على زوجة وصغيرين. وما يزال لا يوجد عنده وقت للغرق في عذاب اللجوء.ان سعود وأبناء عائلته مثل سائر سكان المخيم الجدد الذين يزداد عددهم كل يوم، هم أكراد من أبناء الأقلية العرقية الكبرى في سوريا التي عانت عشرات السنين من سياسة تمييز واضطهاد وقمع من نظام البعث العربي. لكنه حينما وصلت الحرب الأهلية الى باب بيته فقط استقر رأيه على أنه حان وقت الهرب.’ان حيينا السكني في واحدة من ضواحي دمشق قد أصبح ميدان قتال بين الجيش السوري النظامي الموالي للنظام وبين الجيش الحر للمعارضة’، يقول سعود بصوت هادىء وهو يجلس على فراش في خيمة سكن لقريب جاء الى دوميس قبل اشهر. ‘أصبحت بيوتنا غرضا للطرفين، فقد أطلقوا النار علينا من كل جهة، ولم يستطع الاولاد النوم من شدة الخوف، انتقلنا للسكن في قبو، وأُصيبت بيوت الجيران. ودُمر المطعم الذي عملت فيه حتى الأساس وآنذاك استقر رأيي على أنه لم يعد سبب للبقاء تحت هذا الخطر على الحياة. فحزمنا شيئا من المتاع وهربنا على الأقدام الى بيت والد زوجتي الذي يسكن خارج دمشق. ومن حسن الحظ أننا وصلنا الى هناك من غير ان نُصاب، فقد أصبح البقاء على قيد الحياة مسألة حظ في سوريا. وأنت لا تعلم ألبتة من قد ينجم في طريقك فجأة أجنود أم عصابات مسلحة أم متمردون. فالجميع يشكون في الجميع والجميع قتلة’.كانت طريق سعود وأبناء عائلته مزروعة بالموت والدمار. ورتب والدا زوجته للفارين سيارة فروا بها الى مدينة القامشلي وهي عاصمة الاقليم الكردي في شمال سوريا على الحدود مع تركيا. وقد وصل مئات آلاف اللاجئين في الاسابيع الاخيرة الى هذه المدينة وهي من المدن القليلة التي لا تجري فيها معارك بين ناس الاسد وأعدائهم. فقد سيطرت قوات كردية بتشجيع من النظام المركزي كما يبدو على المناطق الكردية وهي تضمن هدوءا نسبيا. لكن سعود لاحظ على الجانب التركي للحدود القريب جدا من القامشلي قوات معززة من الجيش التركي. وقد خشي مثل كثيرين آخرين غزوا تركيا للاراضي الكردية واستقر رأيه في الاستمرار في طريقه نحو المناطق المستقلة من كردستان العراقية، فلا توجد خشية من غزو الاتراك لها. كانت بضعة آلاف من الدولارات حملها معه كافية ليرشو مهرب حدود قادهم جزءا من الطريق فقط وتركهم وحدهم على مبعدة يوم ونصف يوم سير عن الحدود. وقد وصل سعود وعائلته على نحو ما الى شاطىء الأمن في كردستان العراقية. لو أنهم بلغوا الى حدود العراق العربية مع سوريا لأعادهم الجنود على الحدود أو ألقوهم في الحبس في أحسن الحالات. ان كثيرا من الناس يختفون اليوم في طريق سوريا الغارقة في الدم.لم يُعترف بأن سعود وزوجته مواطنان سوريان قط باعتبارهما من الأقلية الكردية، وقد عاشا حياة بسيطة ولم يتدخلا في السياسة. ‘في بداية التمرد على النظام كنا على يقين من أنه سينتهي بنجاح في وقت قصير’، يقول. ‘قدّر الناس ان كل شيء سينتهي في شهرين أو في ثلاثة اشهر في أقصى حد. لكن ذلك استمر الى الآن نحوا من سنتين ويُقتل في كل يوم عشرات من الناس. ويصمد الاسد بفضل تأييد دول اجنبية روسيا وايران والصين ولولا ذلك لسقط. وما تزال أجزاء كبيرة من الجيش معه ايضا. وفي اللحظة التي يستجمع فيها الجيش الشجاعة ليقف الى جانب الشعب كما حدث في مصر وتونس ستحل نهاية الاسد’.أفاع وعقارب ولصوصاستعد ابراهيم، وهو قريب لسعود لبقاء طويل في مخيم اللاجئين الذي يضم نحوا من 15 ألف انسان. وقد حول الجزء الأمامي من الخيمة الى ما يشبه جوسق (كشك) يعرض للبيع في الأساس زجاجات شراب بارد على سكان المخيم. ان الحرارة الفظيعة التي تسود المنطقة في هذه الايام نحوا من 50 درجة مئوية، وصوم رمضان، وقد حرص أكثر سكان المخيم هذه السنة على صومه برغم الوضع، يجعلان بيع المشروبات عملا مربحا جدا. وقد اشترى على أقساط ثلاجة من المدينة المجاورة دُهوك، وسيعيد كل دينه قريبا. ‘سأكون سعيدا ان أعود للنوم في فراشي’، تنهد ابراهيم ابن الخامسة والثلاثين وقد كان ابناه يلعبان حوله بدمى بلاستيكية تلقوها هدايا من متبرعين محليين، ‘لكنني أخشى ان تكون بدأت في سوريا الآن فوضى كالتي في العراق. نسمع من أقرباء خلفناهم وراءنا قصصا عن اختطافات. ولم يعد للناس مال للعيش ويحاولون البقاء بالحصول على فدية. وتوجد اعمال سطو كثيرة. ان جو مافيا يسيطر على سوريا وكلما زاد الفراغ الامني في أنحاء الدولة ازداد الوضع سوءا’.يسكن أكثر سكان دوميس في خيام منظمة صفوفا. وقد بدأ القدماء يبنون باللبن ما يشبه شققا صغيرة تحت الخيام ليحموا أنفسهم من السكان الطبيعيين للمحيط الجبلي والصحراوي من الأفاعي والعقارب على اختلاف أنواعها، ومن اللصوص بين اللاجئين ايضا. وهم يسمعون التقارير من الداخل في الأساس بواسطة شبكات التلفاز العربية. ان غير قليل من الخيام في المخيم مزودة بأطباق التقاط للاقمار الصناعية وهي منتوجات ترف لا توجد على نحو عام في مخيمات اللاجئين. والاتصال الهاتفي بسوريا ضعيف جدا فالنظام في دمشق يحرص على قطع الشبكات العاملة ليُصعب نقل المعلومات ولا سيما من قبل مجموعات المتمردين. ان قناة الاتصال المباشرة البديلة هي شبكات هاتف ملتفة عن طريق تركيا.أُنشئت بين صفوف الخيام مبان اسمنتية تُستخدم كمراحيض وحمامات عامة. وللحفاظ على الحشمة قُسم مخيم الخيام الى اثنين: سكن للعائلات وسكن للعازبين. وفي هذا الجزء تنشأ في أحيان متقاربة شجارات جماعية شهدت واحدا منها نشب بعد ان اشتكى عدد من العازبين أنهم لا يتلقون ما يكفي من الطعام قياسا بكميات الغذاء المخصصة للعائلات. وكلما مر الوقت تضعضع الامن الشخصي في المخيم وزاد عدد السرقات والهجمات. والسلطات المحلية لا تفعل شيئا، وعلى عكس مخيمات اللاجئين المغطاة اعلاميا جدا في الاردن ولبنان وتركيا، لا توجد الامم المتحدة في مخيم دوميس.لا تعترف وكالات الامم المتحدة ومنظمات دولية بأن سكان دوميس لاجئون، اعترافا رسميا لأن العراق لم يوقع على مواثيق دولية لحقوق اللاجئين وليست كردستان دولة مستقلة. وهم يحفظون بقاءهم في الأساس بفضل مساعدة السكان المحليين الذين يعطفون عطفا كبيرا على اللاجئين من سوريا. ‘كنا نحن أنفسنا في وضع مشابه قبل عشرين سنة حينما هاجم صدام حسين المناطق الكردية في شمال العراق وهرب مئات الآلاف منا الى تركيا وسكنوا هناك في مخيمات لاجئين’، يقول فؤاد، وهو رجل اعمال كردي عراقي يمنح أبناء شعبه الذين يدفعون الآن ثمن الحرب الأهلية في سوريا، دعما ماليا.تأثير رمضانيصعب تقدير عدد اللاجئين السوريين الذين وجدوا ملجأ في كردستان العراقية لأن كثيرين منهم يأتون مباشرة الى بيوت أقرباء أو اصدقاء يسكنون في المدن الكبيرة. ويتم استيعاب الاكراد منهم بلا مشكلات كثيرة في المجتمع المحيط. والحكومة الكردية المستقلة ذاتيا تُمكّنهم من العمل كسبا للرزق ومن السكن ايضا خارج مخيمات اللاجئين المعدودة التي أُنشئت قرب الحدود مع سوريا. ان النمو الاقتصادي المدهش لكردستان العراقية الذي هو نتيجة الهدوء والامن اللذين يسودان مناطق الحكم الذاتي، يُنشىء ما يكفي من اماكن العمل الرخيصة للاجئين الكثيرين. في هذا الاسبوع مع انقضاء شهر رمضان، أُغرقت المدن الرئيسة من كردستان العراقية بعشرات آلاف السياح الذين جاءوا من سائر المناطق غير الآمنة في العراق العربية للاحتفال بعيد الفطر. وقد امتلأت الفنادق والمطاعم والحوانيت ومراكز الشراء الحديثة في مدن كردستان بمرة واحدة ونشأت حاجة عاجلة الى نادلين وموظفي استقبال وباعة يتحدثون العربية.وهكذا وجد علاء، ابن الثالثة والعشرين، عملا في فندق في عاصمة اقليم كردستان، اربيل. جاء الى كردستان من دمشق وحده قبل ايام معدودة واستقر رأيه على ألا يتأخر في مخيم اللاجئين. وقد حصل علاء بخلاف كثيرين من اصدقائه الاكراد على مواطنة سورية كاملة ولهذا أُلزم ان يُجند للخدمة النظامية في صفوف الجيش السوري. ووُضع في مدينة درعا، وهي ميدان المعارك الدامية في جنوب الدولة. وهو لن ينسى أبدا ما جربه هناك إذ كان جنديا منذ بدأ القتال.’أصدروا إلينا أوامر صريحة باطلاق النار على المواطنين من الاولاد والنساء والشيوخ’، يقول. ‘وكل من رفض الاستجابة للامر العسكري أُعدم فورا على مرأى من الآخرين. فلم يبق لنا مفر. ان معاملة الضباط للجنود الاكراد أصلا فظيعة مخيفة. وكان جزء من السلاح الذي أُعطي لنا بعد نشوب التمرد الشعبي من انتاج الصين. ان الروح المعنوية بين الجنود متدنية جدا، وشروط الخدمة العسكرية سيئة جدا. وسمعت هذا ايضا من رفاق آخرين انشقوا عن الجيش لكن أكثر الجنود في جيش النظام ما يزالون من السنيين. حينما انتهت فترة خدمتي العسكرية بعد سنة ونصف وأبلغوني انه أُطيلت الخدمة النظامية للجنود بسبب الأحداث استقر رأيي على الانشقاق’.برغم أن لعلاء عائلة في تركيا، استقر رأيه على الهرب الى العراق. ‘أنا لا أحب الاتراك وهم لا يحبوننا’، يقول. ‘الحياة هنا أفضل. فنحن الاكراد يهتم بعضنا ببعض. وقد رتب لي معارف من دمشق العمل في فندق’.’كانت دمشق في الماضي مدينة رائعة’، يقول يوسف، وهو من سكان العاصمة وهو منشق عن الجيش السوري ايضا. ‘عاش ناس من طوائف وديانات مختلفة فيها معا دون أي توتر. وقد تغير الوضع اليوم تغيرا شديدا. فأبناء الطوائف المختلفة ينطوون على أنفسهم ويوجد الكثير من الارتياب في الجو، وفوق ذلك الكراهية. ان النظام يعرض نفسه في الحقيقة على أنه يحارب من اجل مستقبل سوريا، الاسلاميين المتطرفين الذين يحاولون السيطرة على الدولة، لكنه في واقع الامر يلقي النزاع بين الطوائف المختلفة آملا ان يُطيل بذلك ايام حكمه’.كان يوسف منتسبا الى وحدة استخبارية سورية. وقد تعلم العبرية وتابع الاذاعة في المذياع والتلفاز من اسرائيل. وكانت مهمته الرئيسة هو وزملاؤه متابعة التقارير المتعلقة بالوضع في سوريا. ‘أدهشنا أنه تبين لنا ان الاسرائيليين يخافون جدا مما يحدث عندنا’، يقول. ‘كنا على ثقة من ان ضعف سوريا الداخلي سيُفرحهم ويخدم مصالحهم’.جاء جولار، ابن الثلاثين، الى اربيل من سوريا قبل نحو من اربعة اشهر. واستقر رأيه بعد مدة على ان يُجند لواحد من معسكرات التدريب التي انشأتها حكومة كردستان لاعداد القوة العسكرية التي تحمي المناطق الكردية في سوريا في اليوم الذي يلي سقوط الاسد. ان فرض العمل هو ان المعركة الحقيقية على صوغ وجه سوريا المستقبلي ستبدأ آنذاك فقط وأن ذلك سيصاحبه سفك دماء أفظع مما يجري اليوم على الدولة.’انشأت الحكومة الكردية قرب الحدود مع سوريا معسكري تدريب على الأقل’، يقول جولار. ‘يوجد هناك بضع مئات من المقاتلين. كان في معسكري حوالي 650 شخصا. وقد دربنا ناس قدماء من البشمارغا. عملت هذه المعسكرات في البداية في سرية مطلقة لكن قبل بضعة اسابيع وفي لقاء في التلفاز كشف رئيس كردستان الحرة، مسعود برزاني، عن وجودها’. واستقر رأي جولار بعد زمن قصير على ترك معسكر التدريب. ‘لم أستطع تحمل الجو هناك. فلم يكن واضحا من هو المسؤول وما هي أهداف التدريب وما هي خطة العمل، ولم يعطونا رواتب ألبتة. أنا لا أريد حربا ولا معارك ولا سلاحا’، يقول معلنا ويتحدث عن ان متطوعين كثيرين آخرين تركوا المعسكر هم ايضا.شارع سريع الى القاعدةيوجد تناقض كبير بين الصور وشهادات الفظاعة التي تأتي كل يوم من ميادين القتال في سوريا والهدوء المطلق الذي يسود المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق ولا سيما في جزئها الشمالي، الكردي. ان حكومتي العراق الاتحادية التي مقرها بغداد، والكردية التي مركزها اربيل تبذلان أقصى ما تستطيعان للحفاظ على هذا الهدوء، وتمنع الشرطة وحرس الحدود دخول الاجانب بصورة مطلقة تقريبا ولا سيما الصحفيين الى المنطقة الحدودية بحواجز تُنصب في الطرق الرئيسة وبتشديد التفتيش. وتُستعمل في داخل مخيمات اللاجئين ايضا سياسة شديدة الصرامة: فالصور والمقابلات الصحفية مع اللاجئين ممكنة بعد الحصول على إذن خاص فقط من السلطات المحلية ولا يُعطى هذا الاذن بسهولة.تنبع الحساسية الشديدة بما يجري في المنطقة الحدودية من سببين أولهما تحول الحدود الى قناة تدفق لرجال القاعدة من العراق الى سوريا لمساعدة قوات المعارضة ولا سيما ‘جيش التحرير’ الذي يسيطر عليه ‘الاخوان المسلمون’ السنيون. والاكراد والشيعة في العراق معنيون بمنع هذا، كل فريق لاسبابه. اذا نشأت في سوريا دولة اسلامية متطرفة بالهام من القاعدة فسيكون لذلك كثير مما يقلق الشيعة والاكراد، ولهذا يفضلون وقف النشطاء وعلاجهم قبل ان يجتازوا الحدود الى سوريا.والسبب الثاني هو الرغبة في مضاءلة تدفق اللاجئين الاكراد الكثيرين على العراق بسبب التوازن السكاني اللطيف في الدولة المتعددة الطوائف. ان الشيعة والسنيين في العراق يخشون ان يقوى السكان الاكراد في بلادهم ويخشون زيادة قوة الشمال المحكوم ذاتيا في تقرير مستقبل الدولة التي تواجه هي ايضا الانقسام والانحلال. هذا الى ان سيطرة مجموعات كردية على مناطق الاكراد في سوريا تزيد في الأمل أو في الخوف وهذا متعلق بمن تتحدثون اليه من نشوء دولة كردية كبيرة تغير قواعد اللعب الاقليمية.دُعيت في ساعة متأخرة من الليل الى لقاء مع عدد من نشطاء المعارضة الاكراد السوريين تم في بيت خاص للاجيء قديم جاء الى العراق قبل سنين. وتستمر هذه اللقاءات المخصصة للتباحث في مستقبل سوريا، حتى ساعات الصباح ويصاحبها تدخين كثيف. ان الاكراد السوريين بخلاف اخوانهم العراقيين بعيدون عن الورع الديني. وهم فيما بين أنفسهم يسخرون من ‘سكان الجبال البسطاء الذين يوجدون لأنفسهم تقاليد اسلامية لم يسمع أحد عنها ولم تنزل فيها كلمة واحدة في القرآن’. وهذا ما يجعل الاكراد السوريين ايضا يتابعون بقلق سيطرة حركة ‘الاخوان المسلمين’ بتشجيع من تركيا وقطر والسعودية والولايات المتحدة على ‘جيش التحرير السوري’ و’المجلس السوري الوطني’ الممثلين المعترف بهما لمعارضة النظام السوري.يقول لي أحد النشطاء الاكراد: ‘كنا مُهملين. ففي اطار سياسة فرض الثقافة العربية التي استعملها نظام البعث عشرات السنين محاولا محو هويتنا القومية، بُنيت في اماكن سكننا مدارس وبعد ذلك أُرسلنا الى الجامعات. حصلنا على ثقافة واسعة وفُتحت لنا عوالم اخرى وبقينا مخلصين لهويتنا الكردية. ونحن الآن ننوي ان نحصد ثمار التغيير السياسي في سوريا. لم نكن قط أقرب من الآن من نيل حقوق مساوية والاعتراف بنا أننا شعب’.ينوي الاكراد بكونهم أكبر أقلية قومية في سوريا ان يؤدوا دورا مركزيا في تشكيل صورة الدولة بعد سقوط نظام الاسد. يراوح عدد الاكراد في سوريا بحسب تقديرات مختلفة بين 2.5 3 ملايين نسمة، يشكلون 12 15 في المائة من اجمالي السكان السوريين. وقد حظر النظام المركزي في دمشق ولا سيما تحت حكم حزب البعث القومي العربي، حظر على الاكراد الحديث بلغتهم على الملأ، وألزمهم أن يُسموا بأسماء عربية ومنعهم من اقامة تقاليد دينية وثقافية خاصة بهم وسلب كثيرين منهم المواطنة. ويعيش حتى اليوم في سوريا نحو من نصف مليون كردي بلا جنسية لا يستطيعون الخروج من الدولة.مذبحة في ملعب كرة القدميفخر الاكراد السوريون بأنهم اول من رفعوا راية التمرد على نظام بشار الاسد. وقد بدأ ذلك قبل عشر سنين حينما كان الاسد الابن ما يزال رئيسا جديدا. فقد أجرت مجموعة من النشطاء الاكراد في دمشق مظاهرة هي الاولى من نوعها تأييدا للديمقراطية وتساوي الحقوق بين السوريين جميعا. واعتُقل منظمو المظاهرة بعد ذلك وأُلقوا في الحبس وعُذبوا تعذيبا شديدا وبعد ان تم الافراج عنهم اضطروا الى مغادرة الحدود السورية. وجاء ما تلا ذلك في سنة 2004 حينما تحولت لعبة كرة قدم بين منتخب كردي وآخر عربي في القامشلي الى شجار عنيف ذبحت فيه قوات الامن السورية المشجعين الاكراد. وقُتل عشرات الاشخاص وجُرح مئات وبعد ذلك زاد النظام السوري في اضطهاد الاكراد. والآن وقد أصبح تمردهم حركة شعبية أوسع، يحسب الاكراد خطواتهم في حذر كي لا يُفسدوا الاحتمالات التي تُفتح أمامهم.’الوضع في سوريا يختلف جدا عنه في العراق’، يقول واحد من كبار مسؤولي الحركة الديمقراطية الكردية. ‘فالتركيب العرقي أكثر تعقيدا ولهذا فاحتمال حل اتحادي مع حكم ذاتي واسع للاكراد ليس واقعيا كثيرا. والى اليوم يعارض السنيون في حركة معارضة النظام الغاء تعريف سوريا بأنها ‘جمهورية عربية’ وهو شيء نُصر عليه. لكن برغم جميع المشكلات التي ما زالت تواجه سوريا وتواجهنا، أصبحنا أقرب من أي وقت مضى من احراز حقوق كاملة، سيستغرق هذا زمنا آخر وستغرق سوريا أكثر في حمام دم’.يُقدر المسؤول الكردي الكبير ان العلويين لن يتخلوا عن السلطة بسهولة. ‘لن يوافقوا على انشاء دولة مركزية لا يحظون فيها بجزء كبير من كعكة السلطة المحلية’، يقول. ‘اذا خسروا السيطرة على المدن المركزية دمشق وحلب وحمص فسيحاولون انشاء دولة علوية مستقلة في منطقة الساحل شمالي سوريا. ونحن نُقدر ان هذا هو سبب القتال الشديد في مراكز الاقتصاد السني هناك. ان العلويين يقومون الآن بذبح شعب وبتطهير عرقي يرمي الى تدمير جميع المراكز التجارية والسكنية السنية لضمان تفوق الدولة العلوية المستقبلية. وقد وجدت دولة كهذه في مطلع القرن الماضي ويستطيع العلويون انشاءها من جديد. من الممكن جدا ان سوريا تواجه الانحلال الى دول طائفية صغيرة أو الى محابس. وهذا الامكان قد يخدم السياسة الامريكية ويعزز مكانة اسرائيل وأمنها. لكن هذا الحل قد يؤثر في صورة الشرق الاوسط كله فالعراق ولبنان وتركيا ايضا قد تنحل هي ايضا. ما زلنا نؤمن بأن انشاء دولة ديمقراطية في سوريا تقوم على مبدأ اتحادي ما يُلبي مطامح الأقليات المختلفة في الدولة الى تقرير المصير، أفضل. لكننا نُعد أنفسنا ايضا لتطورات اخرى تجر رسما جديدا للحدود في المنطقة’.يديعوت 24/8/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية