شيء من عَتريس!

حجم الخط
0

خيري منصورانه سؤال مزمن، ذلك المتعلق بتحويل روايات الى افلام سينمائية، فما الذي تخسره الرواية سينمائيا وما الذي تكسبه جماليا وفكريا؟ ان اول ما يخطر ببال القارىء العربي ازاء هذا السؤال هو روايات نجيب محفوظ، وأبرزها الطريق وميرامار والثلاثية واللص والكلاب، رغم ان هذا السؤال يشمل روايات اخرى من العالم منها ذهب مع الريح وأربع وعشرون ساعة في حياة امرأة وروايات همنغواي خصوصا ذات الصلة بالحرب العالمية التي كان الروائي مراسلا صحفيا وحربيا فيها. وأذكر ان اول تجربة قدمتها في هذا المجال كانت رواية ستيفان زيفايج اربع وعشرون ساعة في حياة امرأة من خلال برنامج تلفزيوني عن السينما، ورغم ان الجهد المبذول في الاخراج وما اضافه وحذفه السيناريست الا انني احسست بأن الرواية خسرت شيئا ما لعله من ابتكار خيال القارىء، الذي تعامل معها كممكنات ومع شخوصها من خلال مخزونه في الذاكرة واللاوعي، ثم تكررت الملاحظة مع رواية زوربا لكازانتزاكي، رغم نجاح الفيلم والبطولة الاستثنائية لانطوني كوين، وكذلك في رواية العرّاب لماريو بوزو، وما بذله مارلون براندو من جهد لتعويض المفقود الروائي في الفيلم، هذا اضافة الى اعمال محفوظ التي تعرضت سينمائيا الى حذف واضافات لمشاهد اعتبرها المخرجون ضرورات سينمائية . والمرات القليلة التي التزم بها السيناريست والمخرج بالنص الروائي لم تكن تجارب ناجحة بالمعيار الشعبي الذي هو في نهاية المطاف تجاري ومنها نصوص يوسف ادريس وبالتحديد قاع المدينة . لكن القصة التي تحولت الى فيلم حقق نجاحا واسعا هي شيء من الخوف لثروت اباظة، رغم انها كانت بحاجة الى شيء من الاضافة والاطالة شأن قصة قنديل ام هاشم ليحيى حقي، ففي الحالتين كان لا بد للقصة ان تستطيل وتقارب الرواية سينمائيا، رغم انها بقيت في نطاق التعريف الفني الدقيق للقصة.واذا كانت ثلاثية محفوظ قد اختزلت في الذاكرة الشعبية من خلال السينما الى شخصية سي السيّد ‘احمد عبد الجواد’، فإن قصة شيء من الخوف اختزلت ايضا الى عبارة واحدة هي زواج فؤادة من عتريس باطل .. وهكذا تحولت كلمة باطل من صوت جماعي في فيلم الى شعار في مظاهرات سياسية صاخبة، هذا بالرغم من ان احمد عبد الجواد ليس مجرد رجل شرقي نموذجي في تعامله مع الابناء والزوجة، وليس مجرد باتريارك يجسد أعراف الطبقة الوسطى في النصف الاول من القرن الماضي، انه بقدر ما كان جلادا عانى آلام الضحية، سواء من خلال فقدان ابنه الذي قتل في مظاهرة او من خلال معاناة الشيخوخة وما فعله الزمن بعافيته وعنفوانه، بحيث كان في النهايات ينزوي في حجرته ويبكي …’ ‘ ‘في شيء من الخوف انصرف الانتباه النقدي والسينمائي الى الثيمة المحورية في القصة وهي الصراع بين الاقطاعي والفلاحين واستبداد عتريس الحفيد عن الجد الاكبر عتريس، فالاسم بحد ذاته يوحي بعدم المرونة والتسلط بعكس ما كان نجيب محفوظ يفعل عندما يعطي لشخوصه اسماء مضادة لتكوينها، فصابر الرحيمي في ‘الطريق’ نافد الصّبر وقاتل، والمومس كريمة وبطل اللص والكلاب ليس سعيدا بل في ذروة الشقاء.في شيء من الخوف ثمة شخصية تبدو ثانوية او مجرد استكمال لنصاب الفريق الذي يعمل بإمرة عتريس، فهو معجب بسيده حتى الافتتان، ورغم معرفته بأن الزوجة كانت تخونه مع عتريس الا انه ظل ضحية للتقمص والتماهي، وحين تمردت عصابة عتريس على سيدها بعد ان تصاعد الرفض الشعبي، وأعلن الفلاحون العصيان بقي وحده يطالب الضحايا من الجياع ان يدفعوا الأتاوة الى السيد الاقطاعي وفي لحظة تبدو عابرة لكنها بالغة العمق والتعقيد يسخر الفلاحون من الرجل الذي بدأ يهذي ويقول انا عتريس وانتهى الامر بأن جُنّ واصبح تسلية لأطفال القرية.’ ‘ ‘ثمة عتريس ثالث اذن في القصة ـ الفيلم ليس الجد الاقطاعي ولا الحفيد الذي احتذاه واقتفى خطاه، بل هو احد العبيد الذين استخدموا سوطا ضدّ ابناء طبقتهم، وهذا هو بيت القصيد، فظاهرة عتريس تتجلى في حياتنا عبر كل مجالاتها، في السياسة والثقافة والحياة الاجتماعية اليومية، هناك عتاريس ينجذبون نحو ساداتهم ويتقمصون شخصياتهم سرّا، ثم تأتي لحظة ينكشف فيها المستور فيتحول الصدى الى كاريكاتور، وبالتالي الى مسخ يسخر منه الاطفال ويلاحقونه بالحجارة والهتافات الساخرة.عتريس السياسة قد يكون نائبا لرئيس او مقربا من زعيم لأنه مُفرط في الطاعة والولاء، لكنه في داخله شيء آخر، اذ سرعان ما تتنامى لديه أحلام بأن يكون المثيل والنّد لولي نعمته، فإن أتيح له ذلك عن طريق القدر ورحل سيده عن الحياة قد ينجو من مصير ذلك العتريس المسخ في القصة، لكن اذا لم يحدث ذلك، وانسدت عليه الآفاق، ينفجر، ليهذي بكل ما تراكم في ذاكرته ولاوعيه معا.وعتريس الثقافة له شأن آخر مغاير لأنه ليس مرئيا بوضوح على المسرح، فالثقافة كلها تعيش على الهامش، لهذا يسهل عليه التقمص فإن كان شاعرا يكتب ويقرأ شعره ويتصرف متقمصا الشاعر الذي استوطنه واعاقه عن النمو ذاتيا، ليصبح اشبه بشجره اللبلاب، بلا عمود فقري يسنده، اذ لا بد من جدار او شجرة زيتون او سنديان تتولى هذا الاسناد.وقد ينتهي عتريس الثقافة الى الهذيان ذاته، لكن الاطفال لا يلحقونه في الشوارع لأن البالغين لا ينتبهون اليه.وعتاريس ثقافتنا لا يحصون، لكنهم متباعدون مكانيا، ويعيشون في الظل بحيث تتضاعف حريتهم في التقمص والتماهي، وهم لا يكرهون شيئا في الوجود اكثر من الاصول التي يتقمصونها، فهي الشاهد الحي على اوهامهم، لكنهم الاكثر تظاهرا بالحزن والبكاء على رحيل الاصل الذي يتقمصونه ، رغم ان هذا التظاهر بالحزن يخفي فرحا لا حدود له بالنجاة، خشية ان يُضبطوا متلبسين بما اقترفوا! انهم من تجليات الخادمة في مسرحية جان جينيه، يفكرون في قتل من يتقمصونهم كي يحرروا انفسهم من هذا الارتهان، لكنهم يكتشفون بعد فوات الاوان ان القتل لا يحل المشكلة لأن الاصل كامن في باطن الشبيه لهذا عليه ان ينتحر كي يقتل من في داخله.’ ‘ ‘لو لم يفقد عتريس الظل ما تبقى له من توازن نفسي لحلم بما حلمت به خادمة جان جينيه، وفكر قبل سواه بقتل عتريس الحقيقي، لكن من تمكنوا من احراق عتريس بعد محاصرته في قصره واطلاق سراح فؤادة التي كان زواجها باطلا هم الذين لم يتقمصوه ولم يندمجوا فيه لهذا احتفظوا بارادتهم، وانتصروا في الواقع وليس في القصة والفيلم فقط، على الاقل في الآونة التي كتبت فيها القصة رغم ان مؤلفها ثروت اباظة لم يفكر في ذلك، بل بعكسه تماما، لهذا منع فيلم شيء من الخوف وقال الرقيب يومئذ ان عتريس المستبد يرمز الى عبد الناصر، وعندما شاهد عبد الناصر الفيلم قال معلقا إن من حق الشعب ان يحرق طاغية كهذا، وان كانت هناك رواية اخرى لصلاح عيسى يقول فيها ان عبد الناصر بعد مشاهدة الفيلم قال إن من سعوا الى تأويله على النحو الذي ينال منه هم الذين يستحقون العقاب لأنهم عبروا من خلال الرقابة عمّا يدور في أذهانهم!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية