هل ضاع مفهوم الأمة الواحدة؟

حجم الخط
0

د. كمال الهلباوي تحقق هذا المفهوم عملياً- سياسياً وجغرافياً وتاريخياً- في عصر النبوة والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا من بعض المنغصات في عصر الصحابة، مثل حركة المرتدين في عهد الصديق رضى الله تعالى عنه وأرضاه، أو المعارضة السياسية المدعومة بالعنف والقتال، والتي إزدادت حدتها في عهد سيدنا عثمان وسيدنا على، وتسببت في قتل الرجلين رضى الله تعالى عنهما ، ثم بدأ سياسة التوريث في عهد معاوية بن أبي سفيان رضى الله تعالى عنه وأرضاه. ونحن نترضّى عنه ونقول ذلك، لأنه صحابي ومن كتاب الوحي رغم بداية عهد الديكتاتورية وأهم ملامحه التوريث. أما الفتنة فقد طهّر الله تعالى منها سيوفنا فلنطهر منها ألسنتنا، وهو مذهب الصحابة الذين لم يشتركوا في الفتن، أو من لا تلوك ألسنتهم من التابعين هذه الحقبة التاريخية إلا بذكر الإيجابيات فيها، وهو ما عليه جمهور علماء السنة.كانت الأمة الواحدة عزيزة ومنيعة وقوية، لا تخشى الأعداء بل يخشاها الأعداء، وكانت القوة رادعة حتى عن التفكير في العدوان على الأمة، ولم تكن تغرى في ذاتها بالعدوان على الآخرين، وكانت الجغرافيا تضيف إلى التاريخ، وكان التاريخ المشرف يضيف بل يخترع مصادر جديدة للقوة والنهضة والتقدم، حتى عندما كانت أوروبا تمر بعصور الظلام. الأمة الواحدة تمارس وظيفتها إيمانياً وقلبياً وعملياً وتثق في مفهوم الأمة والمفاهيم المرتبطة بها، ومنها’إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون’ ومنها’ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم’ ومنها ‘وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين’. أما اليوم فيحكمنا نحن- كل العرب والمسلمين- مفهوم سايكس بيكو، ومفهوم النظام العالمي الجديد، ومفهوم التشرذم والتنازع الذي قال الله تعالى في القرآن محذراً لنا ما أصبح من المعلوم شرعاً ومفهوم عقلاً ومنطقاً’ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم’.لماذا كانت هذه المقدمة؟ كانت هذه المقدمة كمدخل لفتنة كبيرة صاحبت مفهوم التشرذم والتنازع، إن لم نجد لها علاجاً ناجحاً، فستزيد التشرذم والتنازع والتفتت، وقد تضيع جهود نهضوية وتقدمية وتنموية وثورية سدى. ظهرت بوادر تلك النهضة والتقدم مؤخراً في جزء مهم من الأمة هو بلدان الربيع العربي حيث قامت ثورات ضد الاستبداد والظلم والفساد والتخلف والتبعية، وكذلك نهضت الجمهورية الاسلامية في إيران التي تقدمت بعد ثورتها في سنة 1979 في ميادين كثيرة تقدماً كبيراً، وذلك أيضاً بمحاولة إنتاج وإستكمال برنامجها النووي، الذي أصبح منذ مدة سبباً للقلق في أمريكا وإسرائيل بشكل خاص، وتحاول هاتان البلدان بلا حياء، بل وتسعيان جاهداً إلى إيقاف ذلك البرنامج أو تدميره فضلاً عن حصار إيران حصاراً كاملاً. وللأسف الشديد فإن جزءاً مهما من الأمة لا يمانع في هذا إن لم يكن يعين فيه وللأسف بإسم الدين احياناً.الذي دعاني لذلك المقال، أمران اثنان. أولهما ما قيل من أخبار عن عزم الدكتور مرسي المشاركة في قمة عدم الانحياز بإيران، والثاني بعض المقالات التي تمثل توجهين، أحدهما مع المشاركة وعودة العلاقات المصرية الايرانية التي ظلت منقطعة ومتوترة طوال سنوات المخلوع وهذا هو الشائع، والثاني يدعو مرسي للمقاطعة وعدم حضور مؤتمر قمة عدم الانحياز في طهران.التوجه الأول يمثله الكاتب الكبير فهمي هويدي، إذ يرى أن هذه الزيارة إذا تأكدت فهى نقطة تحول وأنها تمهد الطريق لاحداث نقله نوعية في علاقات مصر الدولية وسياساتها الخارجية.ويرى الكاتب الكبير هويدي أن الزيارة قد تهيئ فرصة لتحقيق مردود إيجابي إذا استطاع الرئيس مرسي أن يحول تلك الزيارة من مجرد زيارة مجاملة روتينية إلى زيارة تخدم المصالح العليا للأطراف كلها. وقد تستطيع الزيارة تذويب الجليد بين البلدين وردم فجوة الشكوك والهواجس. كما يقول الأستاذ هويدي إن قائمة المصالح الكبيرة التي قد تتحقق للبلدين لا ينكرها منصف، وهى تتجاوز حدود مصر، ويمكن أن تكون في صالح الأمة العربية عامة ومنطقة الخليج بوجه أخص. هذا المعنى يمثل رؤية الاتجاه الأول الذي يدعم الزيارة ويرى أنها ستحقق كثيراً من المصالح الإيجابية. وهناك مفهوم آخر يعتنقه بعض المتشددين في مصر وغيرها منذ زمن بعيد لا يختلف كثيراً عن مفهوم أهل الخليج في الغالب الأعم، وليس قصراً على بعض السلفيين وحدهم، وهذا المفهوم ناتج عن الخلافات السنية الشيعية، وإن أُلبس اليوم لباساً سياسياً نتيجة الأوضاع في سوريا وموقف إيران السيئ بالنسبة للثورة السورية والمبني على نظرة استراتيجية إيرانية اقتضت منهم هذا الموقف. ويمثل هذا المفهوم مقال قرأته للكاتب جمال سلطان في جريدة’المصريون’ في يوم الأربعاء22 أغسطس 2012، يدعو الرئيس مرسي فيه أن يستخدم العقل ويدعوه إلى رفض الدعوة وعدم المشاركة في مؤتمر عدم الانحياز، حيث أن إنعقاده سيكون قريباً في العاصمة الإيرانية طهران.يرى الكاتب الجليل جمال سلطان أن الحسابات السياسية المحض تجعل من ذهاب مرسي إلى إبران الآن كارثة سياسية قد يظل يدفع ثمنها طويلاً، ليس فقط للأسباب الأخلاقية والانسانية، وإنما أيضاً من باب بديهية ضرورة حرص الرئيس على تعزيز الاجماع الوطني حوله في تلك الأوقات وليس بإتخاذ مواقف تعزز من الانقسام حوله وتضعف القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها. ثم يقول الكاتب الجليل جمال سلطان: والشاهد أتمنى من الرئيس مرسي أن يعيد النظر في قراره بالذهاب إلى إيران’ ثم يقول’مصر لا تتسامح مع من يقدم المال والسلاح والنفط والرجال لقتل أطفال سوريا ونسائها وتدمير الحياة فيها. ثم يقول:يا دكتور مرسي، لا معنى أبداً لزيارتك لإيران ولا قيمة لها سياسياً واقتصادياً وأمنياً لمصر الآن، بل كلها خسارة لمصر ولك أنت شخصياً’. وللأسف الشديد فإن أمريكا ستضغط بكل قوة على مصر حتى لا يشارك الرئيس مرسي في قمة عدم الانحياز في طهران.مقالان مهمان جداً يعكسان وجهتي نظر، حول العلاقة بين السنة والشيعة، وبين دول العالم العربي والاسلامي، وبين مصر وإيران على وجه الخصوص.إن دولة إيران عضو مهم في منظمة المؤتمر الاسلامي منذ وقت مبكر، وهى دولة ذات أغلبية شيعية، ولو لم تكن دولة إسلامية لما إنضمت إلى عضوية مؤتمر القمة الإسلامية، وكان من الضروري منع الشيعة من أداء فريضة الحج في مكة المكرمة، ومنعهم من زيارة المسجد النبوي بالمدينة المنورة والبقيع كذلك، لو كانوا غير مسلمين كما يزعم البعض جهلاً بالدين وتأويلاً غير صحيح.أقول هذا حتى نغلق باب الحديث عن العقيدة أساساً. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في البخارى ومسلم الذي ينص على أن’من شهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وأن عيسى نبي الله، وأن الجنة حق وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان عليه من عمل’ هذا الحديث واضح لا يحتاج إلى تفسير كبير لمن يفهم اللغة العربية.ومما أراه بشأن الزيارة أنها مهمة جداً للعلاقات المصرية الإيرانية من جميع النواحي، ولا يستفيد من إستمرار قطع العلاقات مع إيران إلا أمريكا وإسرائيل، الذين يسعون إلى حصار إيران حتى تتخلى عن برنامجها النووي السلمي ولا ينافسهم أحد في العالم العربي والاسلامي. لقد تقدمت إيران في مجالات عدة، ونحن أحوج ما نكون في أن نتعلم منها تلك المجالات، وبالإضافة إلى ذلك فإن إيران ليس بها قواعد عسكرية أمريكية ولا قوات أجنبية بحيث تهدد جيرانها، وليس فيها سفارة اسرائيلية حيث أعطاها الامام الخميني رحمه الله تعالى إلى أهل فلسطين، وهى الدولة الوحيدة التي ينادي رئيسها بزوال إسرائيل، وياليتنا نفعل ذلك في العالم العربي كله فيعين ذلك في حل مشكلة فلسطين حلاً جذرياً وتتحرر فلسطين من البحر إلى النهر. أما موقف إيران من سوريا فينبغي ألا يقبله المسلمون جميعاً من السنة والشيعة، وهو مثل موقف أهل السنة من الثورة في البحرين، حيث تتعاون بعض دول الخليج لقتل الشيعة ووأد ثورتهم بإعتبارها ثورة شيعية وهذا غير صحيح. وهي ثورة عامة ضد الظلم حتى لو كانت شيعية فجميعنا ضد الظلم. ونحن لا نقبل الظلم من أي طرف. ولقد نبهت في مؤتمر الصحوة الاسلامية في طهران في سبتمبر الماضي من الموقف الإيراني من سوريا، ومن الفراغ المتوقع بعد الثورة والصراع الرهيب القائم، خشية أن تملأه أمريكا وإسرائيل.أنا من المؤيدين للثورة في سوريا بل وفي العالم العربي كله، في البحرين وفي غيره من الدول إن شاء الله تعالى للقضاء على الوراثة أي (الحكم الجبري أو العاض) كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا أفهم أسباب خوف الإيرانيين وحزب الله من نتيجة الثورة والصراع على السلطة في سوريا، وملأ الفراغ المتوقع مما يدعوهم لدعم الأسد ونظامه، ولكنني لا أوافق مطلقاً على دعمهم هذا للنظام البعثي الطائفي الفاسد الإجرامي. وأتمنى أن ينصر الله تعالى الثورة في سوريا، وأن تكون على الطريق الصحيح، بحيث لا تستنسخ النظام برموز منه قد هجرته مؤخراً، ولا تترك فراغاً حتى لا يملؤه أعداء الأمة. تخوفنا هذا نتج عن نماذج سابقة جاهدت أكثر من أهل سوريا وفي مقدمة هذه النماذج أفغانستان التي يحكمها بعد الجهاد المرير كرزاي على عكس آمال وتوقعات المجاهدين والأمة. كما أنني أتمنى أن يكون محور الأمة العظيمة الجديد هو مصر/إيران/تركيا، بداءة ثم تنضم إليهم الدول التي يمكن أن تواجه الاستعمار الجديد، وتدعو إلى الديموقراطية الحقيقية المدعمة بقيم الاسلام العظيم وأخلاقه، وأن تشكل تلك الدول نواة للأمة الواحدة ومفهومها الحقيقي عملاً بقوله تعالى ‘إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون’، وأقول ذلك بعد أن فشلت منظمة المؤتمر الاسلامي في ذلك الأمر منذ نشأتها حتى اليوم.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية