ورطة ازدواجية معايير السياسة الإيرانية

حجم الخط
0

أن تكون ثوريا فهذا أمر سهل ولكن أن تستمر ثوريا فهذا هو ما ستسقط فيه إن كانت لديك معايير مزدوجة تخضع لحسابات شخصية طائفية أو مناطقية أو معتمدة على المصلحة مما يجعل الآخرون ينفرون منك ويبتعدون عنك وتفقد ما كسبته طوال فترتك الثورية من احترام وتعاطف ومهما حاولت فيما بعد استعادة المكانة التي كنت تحوزها فإن ذلك يصبح ضربا من ضروب الخيال والمحال فأنت ستكون مجرد منافق إن عدت لما كنت إليه من أول ولما كنت عليه في سابق عهد وإن استمسكت بمواقفك الجديدة فهي مواقف انتحار سياسي وأخلاقي وواقعي.ولذلك فإن الأجدى على إيران صاحبة المشاريع الطموحة التي ليس لها حدود طبيعية أو بشرية أن تكون أكثر حذرا وحرصا في التعامل مع المتغيرات التي تحدث في مناطقها والمناطق التي تحيط بها والمناطق التي لها فيها مشاريع التي هي بالطبع طويلة المدى. وعليها أن تعد نفسها للتعامل مع المتغيرات وما ستأتي بها من أنظمة جديدة وفي حالة فشلها في الإعداد والقبول لما هو آت فمعنى ذلك أن هناك خللا عميقا في سياستها ستؤدي حتما إلى انهيار داخلي لها لأنها افتقدت المرونة الضرورية لمقاومة العواصف القوية التي لا تجدي الصلابة معها في شيء.على إيران أن تتعامل بنفاق مع نفسها وعليها أن ترغم نفسها على تقبل المتغيرات بل وأن تكون جزء من هذه المتغيرات مثلها مثل بقية القوى الأخرى وأصحاب المشاريع الطموحة للسيطرة على المنطقة الذين أدركوا أن لا جدوى من الوقوف ضد الرياح ومن السباحة عكس التيار وأصبحوا جزءا من المشاريع التي تنفذ في المنطقة وأصبحوا أصحاب كلمة مسموعة بعدما كانوا سببا في التغيرات الطارئة بدعمهم لأنظمة انهرت كانت أفضل من النظام الذي لا تزال إيران تدعمه وهو منهار لا محالة وعندما حدثت موجة الثورات والتغيرات انحنوا لها ورفعوا رؤوسهم بعدما تعدتهم موجتها وعادوا من جديد للعمل على مشاريعهم مستوعبين التغيرات الطارئة ومترقبين لما سيأتي منها.على إيران أن تدرك أن النفاق مع النفس أجدى من النفاق مع الآخرين فأنت تتعامل مع ضرورة تضمن لك البقاء أما النفاق مع الآخرين عن طريق الازدواج في المعايير والمقاييس للأسباب التي ذكرتها أنفا فإن هذا طريق نهايته مأساوية تطيح بجهد وعمل عشرات السينين في لحظة عجز عن استيعاب التغيرات ولحظة تصلب تفقد أجزائك الحركة في وقت تحتاج فيه لمرونة تعينك على المناورة والخروج بأقل الإضرار إن لم يكن هناك إمكانية لاقتسام الكعكة والبقاء كلاعب داخل الساحة ولو بإمكانات أقل مما كنت عليه في السابق على أمل أن تكون طويل النفس بحيث تكون الرابح الأكبر في النهاية وهذا لا يعني أنه لن يكون معك رابحين آخرين وبميداليات أقل قيمة من التي حصلت عليها أنت أو أكثر قيمة.مما سبق يجب على إيران أن تدرك أن مشروعها السابق لم يعد هناك إمكانية لتطبيقه وأنها عندما كانت ثورية ما كان لأنصارها ومؤيديها أن يقبلوا بغير ذلك وإن حاولت تبرير ذلك بما تقــــول وبما ستقول فللناس عقول يفكروا فيها ولهم قياساتهم التي لا تهمل الوقائع والشواهد وللمتابعين من الذكاء والثقافة والفكر والتحليل ما يستطيعون أن يميزوا به ما بين ما يقال وما هو موجود على أرض الواقع وعلى إيران أن تعلم أنها ومن خلال دعمها لنظام تدرك جيدا أن لا إمكانية له على البــــقاء أنها تخدم أعداء سورية لأن دعمها لنظام الأسد لن يضمن له البـــقاء بل ســـيطيل أمد الأزمة مما سيؤدي إلى خسائر كبيرة للشعب السوري وإمكانياته العسكرية والمادية بحيث تصبح سورية ما بعد الأسد دولة ضعيفــــة منهكة وهذه الوضعية هي الوضعية المثلى للدولة التي تنتظرها إسرائيل التي لطالما توعدتها إيران فهل إيران مستعدة لخدمة إسرائيل بمــــوقفها السلبي من الثورة السورية من أجل أن ترضي غرورها وكبريائها ومن أجل أن يقال أنها تقف مع حلفائها حتى النهاية أم أن عدائها لإسرائيل سيـــجعلها تراجـــع سياســـتها وموقفها من الثورة السورية وتتقبل الأمر وتعمل على أن تكون علاقة جيدة مع النظام القادم قد تستفيد منه أفضل مما كانت تستفيد من العلاقة القوية مع النظام السابق خصوصا لو ساهمت إيران في إعادة الإعمار وأظهرت حسن النوايا من خلال المساعدة على الوصول إلى حل يلبي طموحات الشعب السوري.جلال الوهبي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية