مروان العياصرة على غرار أندريه مورو الذي أعلن بأن (العالم مدين للعصور الوسطى بأسوأ اختراعين.. الحب الرومانسي والبارود)، نحن الأردنيون مدينون للحكومات الوسيطة التي جاءت بعد الإستقلال الثاني أقصد (الاستقلال عن الأحكام العرفية ما بعد 1989) بأسوأ اختراع للحب الوطني إن جاز لنا التعبير، على اعتبار أن العلاقة التي حكمت الأردني بوطنه طيلة عقود ليست علاقة انتماء، بل علاقة ولاء، وشتان بين الاثنتين من حيث مرجعية الأولى للأرض ومرجعية الثانية للسلطة بكل مكوناتها، وما تبع ذلك من استحقاقات وتكاليف دفعها الأردني لهذه السلطة وليس للوطن، بل على العكس تماما، فقد أفاد الربيع العربي الأردنيين بأن عرفهم أن ما كانوا يدفعونه من فقر وجوع وضيق وتضييق على الحريات والكرامة لم تكن في سبيل الوطن، بل كانت للسلطة وفي سبيلها بعد أن أقنعونا أن السلطة هي هيبة الدولة، وأن كل ما تفعله هو في سبيل هيبة الدولة حتى لو كان هذا على حساب كرامتنا وعيشنا، وما زلت أذكر عبارة قالها لي ذات لقاء المثقف الأردني ورجل الدولة الدكتور خالد الكركي (نحن الأردنيون ما مر علينا زمان إلا ونحن فقراء، لكن ما مرَّ علينا زمان إلا والكرامة تسبق فقرنا .(لقد أفاد الأردن من الربيع العربي أول ما أفاد أنه عرف واكتشف أن الاستحقاقـــــات التي دفعــــها من عمر أجياله لم تكن إلا لصالح أفراد مكنوا لأنفسهم من مقدرات الدولة بيعا وشراء ومراباة سياسية واقتصادية، وقد أفادهم في مهماتهم الاستحواذية تلك رصيد الوطنية والحب الوطني لدى الأردنيين، وارتباط هذا الحب وهذه الوطنية بالنظام. فقد استغلت السلطة ونخبها هذه العلاقة بين الشعب والنظام لدرجة اكتشف معها الناس أنهم يعيشون صدمة تشبه الصدمة العاطفية جراء هذا الحب الوطني، أليس هذا الحب الوطني إذن أسوأ اختراع أردني حين يدفع المواطن الأردني كل شيء كواجبات مقابل أن لا يحصل على شيء من الحقوق إلا ما تحول منها إلى مكارم وعطايا عززت الطبقية وجعلت الفوارق الفردية والنخبوية بيئة خصبة لنمو الكراهية والجريمة والتعدي وتجاوز القيم والأعراف وأن تطفو على سطح البلاد حالة عدم الاستقرار. فنحن نعاني من حالة عدم استقرار سياسي وتشوه اقتصادي، ومن حالة اجتماعية مختلة وبلا توازن، ومع هذا لا زال خطابنا الرسمي خطاب الحب الوطني ذاته وليس خطابا اصلاحيا أبدا، التلفزيون الأردني، البوابة الرسمية الحكومية لوجدان الناس، يبث نصف عدد ساعات بثه اليومي حب وطني من خلال الترانيم وأغاني الدفاع المدني والأمن العام والجيش والروفر والندوات والمقابلات التي لا تختلف شيئا في مضمونها عن مضمون أغانينا الوطنية، أما النصف الآخر فهو حب رومانسي في المسلسلات المصرية والشامية، وأخيرا التركية المدبلجة كجائزة وطنية تشجيعية لقلوب الأردنيين.في مقالة سابقة كنت قد ألمحت إلى أن الحالة الوطنية الأردنية شكلتها السلطة على مزاجها، فقد حولت معنى الوطنية الذي كان يقبل القسمة على الحقوق والواجبات إلى معنى لا يقبل القسمة إلا على نفسة وعلى الواجبات والاستحقاقات والتكاليف التي يدفعها الأردني للسلطة والنظام. يعي الملك عبد الله الثاني الأخطار المحدقة بالمملكة في هذا الإقليم المشتعل، فحذر من تسونامي محتمل (الهلال الشيعي) الذي تزيد فرص وقوعه واحتمالات تكونه كلما أفلت الوضع السوري من عقاله، ويعي أيضا الأخطار المحدقة بالمملكة من داخلها، ومع هذا يحاول الأردنيون أن يقنعوا أنفسهم بأنهم لا يعلمون للآن سببا لصمته عن ممارسات المثلث السلطوي (الأمني والسياسي والرأسمالي) وعبثه باستحقاقات مرحلة أعلنها الملك بأنها مرحلة إصلاحية حقيقية، لكننا لم نر من هذه الحقيقية إلا قشورها دون لبها وجعجعتها دون طحنها، وقد تكشفت كل أوراق السلطة السياسية عن زيف وخداع سياسي ، وليس أدل على ذلك من اقرار قانون الصوت الواحد الذي يدفع بالأردن لزاوية مظلمة، فكل يوم تزداد المعارضة والمقاطعة الشعبية والحزبية الواسعة للانتخابات، وكل يم تصر السلطة أن تعلم الأردنيين دروسا في الوطنية والحب الوطني لعقد قران كاثوليكي بين السلطة المعتقة والشعب، قران تريده السلطة الأردنية بقرار حر وديمقراطي لا إكراه فيه، أو بصمت أيضا فالصمت علامة رضا وقبول.كل هذا الحب الوطني، وكل هذه الديمقراطية الأردنية تجعلنا نتساءل على غرار ما تساءل العاشق والمحب والفنان الذي قطع أذنيه من أجل حبيبته جورج برناردشو هل ديمقراطيتنا منهج يضمن لنا أننا لن نحكم بأفضل مما نستحق..؟. ربما.. فنحن الأردنيون إذ صدقنا أن واجبات الوطنية لا تمت بصلة إلى حقوق المواطنة، نستطيع أن نصدق أيضا أنه في مسألة الإصلاح القول ما قالت جهينة الحكومية، وفي موضوع الانتخابات وقانونها لا صوت يعلو فوق صوت السلطة، وفي مسألة الديمقراطية والحرية والكرامة علينا أن نرضى بالمتاح، أو أن نبرهن أننا نستحق أكثر.’ كاتب اردني