عن التراتبية والتاريخ.. وغوغل أيضاً

حجم الخط
0

حمزة قناوي في ذلك اليوم كنت أفتش عن معلومةٍ تتعلق بإحدى مدن سورية التي تواجه إبادةً سيذكر التاريخ مدى رحمة هولاكو ببقية الحواضر التي أفناها حين يذكرها، كنت أعرف بينما أبحث عن اسم المدينة أن معظم المدن السورية صارت سواءً في الدمار الذي ألحقه بها حاميها، غير أنني كنت أود أن أعرف بعض المعلومات عن (بابا عمرو) تحديداً التي صمدت تحت القصف حتى تداعت بالكامل ولم يعد فيها حجران ملتقيانِ معماراً أو مصادفةً.كانت النتيجة الأولى التي أظهرها السيد (غوغل) بينما أبحث عن (بابا عمرو) قبل أن أكمل كتابة الكلمة ( بابا فين هيفاء وهبي). تجمَّدت أصابعي طويلاً على الأزرار.. أعرف أن محرك البحث يُظهر أولاً النتائج الأكثر بحثاً على الشبكة العنكبوتية وفق محتوى اللغة المبحوث فيها. رحت أفكر في أي رابطٍ يوحِّد (بابا فين وبابا عمرو) فلم أجده حتى لدى أندريه بريتون أو أعتى السورياليين. يبدو أننا العرب نعيش خارج التاريخ. ولكن ما التاريخ؟ إن التاريخ هو قصة الأحداث الأهم والأكثر تأثيراً في البشر، وتراكمُ الأحداث التي تموضع الأمم في أماكنها من الحضارة، القوة والضعف، التقدم أو التخلف، والثراء أو العوز، والتاريخ نفسه ليس سوى فكرة تراتبية واهتمامات، تراتبية أفكار، وإنزالها منزل الأولوية أو تهميشها باعتبارها ليست ضرورة. من هنا وجدنا أن أكثر ما شاع عند العرب (القائد الضرورة)، بينما لم نجد (الفيلسوف الضرورة) أو (الكاتب الضرورة). ومن هنا أيضاً، وإكمالاً لفكرة التراتبية، وجدنا دولاً تنهار ويسقط حكَّامها، وفي اليوم التالي على السقوط يلتف شعب هذه الدولة على مباراة كرة قدم، يشجع ويتعصب حد الإيذاء واستعداء الآخر، أو يتابع فضيحةً لفنانةٍ شهيرة بالحماس نفسه، لا كأن دولةً دالت، ولا أخرى نهضت على أنقاض من زالت! في هذا المشهد يغيب التاريخ ويحضر كل ما عداه من اليومي والعابر والمستهلك. تركت (غوغل) ونفضت يديَّ من البحث عن بابا عمرو. في العمل أخبرني صديقي الدمشقي بوجهٍ يائس أن مذبحة الأمس جنت أرواح ما يزيد على 70 طفلاً. لم أجد ما أرد به عليه. واصلت عملي وقد تأكدت من عجز الكلمات عن مجاراة الواقع إن مواساةً أو فجيعةً وأنا أبتلع غصَّتي. بدت الشمس سوداء أمامي خارج نوافذ المكتب والوقت لا يمر. عدت أفتح الكمبيوتر، محاولاً البحث عن لحظةٍ مشابهةٍ لتلك التي نعيشها في المستنقع العربي الغارق في الحلكة، لحظةٌ مرت في التاريخ مشابهةً لسواده قد أستطلع في نهاية نفقها ضوءاً..(موقعة التحكيم)؟ (ملوك الطوائف في الأندلس)؟ (الحروب الصليبية)؟، (النكبة)، ( النكسة)؟ .. لم أجد شيئاً يوازي كابوسية ما نعيش. توقفت عن البحث، وعدت إلى العمل الميت الروح. في سورية وحدها يشاهد العالم المذابح وكأنه يشاهد الـــ (بلاي ستيشن). أتذكر إحدى مدارس علم النفس التي تؤكد أن للقتل شهوةً كالطعام والرغبة. أتساءل إن كانت توجد تخمةً له أيضاً- القتل- في نفوس القتلة كباقي الشهوات، ألا تكفي دماء خمسة وعشرين ألف إنسانٍ، كلهم مدنيون، ومعظمهم نساءً وأطفال، ليطفئوا رغباتهم؟ ربما دماء الأطفال الوردية لا ترضي نفوسهم التائقة للون القاني فحسب. في الجريدة خبرٌ عن مذبحة الحولة. صورة لطفل نُحر على كراسة الرسم. يبدو مبتسماً ودماه تلطخ الورقة البيضاء. ما الذي يهز ضمير العالم أبعد من ذلك؟ الكفر؟ أغادر العمل قبل انتهاء دوامي. أمضي متسائلاً عن مدى رحمة جهنم بما صار معتاداً في (لا ضمير) العالم وصباحاته. في الطريق للبيت أقود سيارتي شارداً، إعلانات على الطريق لمسلسلات رمضان: امرأة وسبع رجال! الخطيئة، من سيربح المليون.. من سيذبح المليون ؟ بعد الإفطار عاودني سؤال التراتبية بقوة، حين سألتني زوجتي إن كنا سنشاهد أخبار القصف على غزة أم تقلب القناة لنتابع إلى أين وصلت المجازر في سورية. أمام سؤالها، تبدَّى لي كم صارت اختيارات الحياة في هذه البقعة العربية محاطةً بالموت وتضاعيفه وباللاأمل، تتراجع هموم الحياة وأعباؤها لتضحى في مرتبة الترف قياساً إلى الموت ونُذُره وأخباره. أشير لها أن لا شيء يفرق! ( في ظهير المشهد ثمة دولٌ في المنطقة نفسها لا تشكل سورية بكل دماء أطفالها ونسائها الثكلى وبيوتها التي صارت بروفةً كوكبية للمقابر، لا تشكل ومضةً عابرة في ذاكرتها.. ثمة بنوك وخزائن ومدائن ومصارف وصيارف وطيران وبارات وبهجة على ضوء النيون الساهر للفجر في الشوارع التي لا تنام، بين ومض النيون وومض قاذفات الصواريخ على الأطفال النائمين. يفاجئني أرسطو.. سؤال في المنطق ذاته: أليس كلاهما يضيء؟ نعم.. إذاً كلاهما متساويان! نعم.. هكذا يقول المنطق الأرسطي، ولكن مستطرداً أن هذا ‘قياس فاسد’ تنتج عنه نتيجة خاطئة. إلا في المنطق العربي، الذي توحِّد نشرات أخباره بين أنباء احتفالات العيد واستعداداته، وبين عدد القتلى في سورية، بنبرة صوت المذيعة نفسها، بالحيادية الباردة الميتة نفسها وبوجهها المبتسم خشية أن يفسد المكياج. تتجمد يد زوجتي طويلاً على الريموت بانتظار إجابتي، تتجمد الدموع في عينيها أيضاً أياً كانت الوجهتين. أطفئ التلفزيون وأنهض إلى المكتبة باحثاً عن كتابٍ لابن خلدون. سيد التاريخ وواضع أسس التعايش البشري، أحاول أن أفهم منه ما يُمكن أن يُحوِّل المسلَّمات إلى نقيضها؛ الحاكم إلى الغازي، والبلاد إلى العدو، والأطفال إلى احتمالات للخطر وتهديد الغد. لم يكن التاريخ في علم ومفاهيم عالِم العمران البشري الرائد سرداً لظاهر الأيام والدول فحسب، إنما استقراءٌ وتعليلٌ لبواطن الكائنات والأحداث، وأن التاريخ بوصفه ملازماً للعمران البشري إنما يتخذ من أسباب وتعليل دوافع الكائنات معياراً صحيحاً لقراءة أحداث مجتمعٍ إنساني ما. وهذا ما أسَّس للحتمية التاريخية لاحقاً. الحتمية التاريخية نفسها هي التي كانت تُرجِّح انفجاراً في مجتمعٍ كُبت حتى عن التنفس طيلة هذه العقود، ليس التاريخ وحده من يقول ذلك، إنما الفيزياء، الطبيعة وقوانينها.. لا كبت إلا وينتج عنه انفجار. بالمقابل لم أجد فيما ترك ابن خلدون ما يشير إلى أن لا انفجار حريةٍ إلا وينتج عنه قمعٌ ومجازر. مرةً أخرى كان العرب خارج قوانين الطبيعة. فالمراحل الخمس التي ذكرها في (مقدمته) عن تكوُّن ونشوء الدول حتى انهيارها، بدءاً من طور الظفر بالبغية والاستيلاء على الملك، ثم الاستبداد على القوم والانفراد بهم، ثم التفرغ والدعة لجني ثمرات الملك وتوطيد وتدعيم أركان الحكم، ثم القنوع والمسالمة وهي أن يقتنع الحاكم بما فعل وأسَّسَ وأن الرعية سلَّمت بقدريته وعدَّتهُ ثابتاً أصيلاً في حياتها لا تخرج عنه ( وهي مرحلة ما قبل الانهيار)، والطور الخامس حيث الإسراف والتبذير واستفساد كبار الأولياء والركون إلى الترف والضعف فتبدأ الدولة في التآكل. في مقدمة ابن خلدون تستغرق هذه المراحل عقوداً كثيراً، وفي بعض حالات الدول، تستغرق قروناً. أما لدينا، في حالتنا خارج التاريخ، فلا تستغرق المرحلة الأولى، التولي والإمساك بمقاليد الحكم سوى ساعات، ولا تستغرق كل هذه المراحل التي تناوش العقود والقرون سوى ثلاثة عشر عاماً. أغادر ابن خلدون يائساً من فهم شيء. تفكرت قليلاً، فوجدت أن الخطأ ليس في معاييره التي وضعها، فهو وضع منهجاً علمياً لدراسة التاريخ على المجتمعات الإنسانية (الطبيعية) حُكَّاماً ومحكومين ومنظومة حكم، على ضوء ما ينظم هذه العلاقة. أما في حالتنا، فنحن كالعادة خارج المسلَّمات العلمية. لو أن أطفال سورية ينزفون نفطاً لا دماً وردياً هل كان مصيرهم سيكون ذاته؟ لو أن طفلاً واحداً سقط في الغرب الطافح بالوفرة في كل شيء، خاصةً في حقوق الإنسان، هل كان سيلحق الحاكم أن يفر بطائرته الخاصة إلى أي بلدٍ يلجأ له قبل أن يسقط الشهيد الثاني فحسب؟ لكن هذا العالم الثري الوافر نفسه الذي يملك دوائر صنع القرار واتخاذ المواقف ويُحرر بلداناً من ديكتاتورييها وفق أسهم الأوبك، باسم الحرية والسِلم العالمي، هو نفسه الذي يُسرِّي عن نفسه باستعراض بلاغة المانشيتات في صحفه عن (ضرورة التدخل) و ( ضرورة التوقف) و (ضرورة الضرورة)..مرةً أخرى إذاً يحكم المنطق التراتبية حتى في العالم المتطور، تراتبية المصالح لا المبادئ. في الحالتين ثمة منطق يُنظِّم. سواء منطقٌ حقيقي أو ظاهراتي فاسد النتائج لاعتماده على الصورية. في طريق العودة من العمل في اليوم التالي، كنت أرى الناس يهرولون قبل موعد الإفطار لاهثين ليلحقوا بالدقيقة الأخيرة قبل انطلاق المدفع، بعضهم يحمل لفافات الكنافة والبعض الآخر يحوقل ويبسمل بالمسابح. أمام المطاعم طوابير من الزحام والشجار العصبي على الوجبات الجاهزة والنظر في الساعات. كافيتيريات أخرى يهيئ أصحابها صفوفاً طويلة من (الشيشة) بينما يُثقّبون أوراقها المفضضة، في انتظار هجوم الصائمين بعد الإفطار. السيارات تطحن الطريق سرعةً وتهرول في جنون خلف الدقيقة الأخيرة في مشهد ينبئ بكارثة كبيرة ضخمة ستحدث على الطريق. أفتح إحدى الإذاعات في السيارة. راقصةٌ تتحدث عن قنوتها في رمضان وخشوعها، وأنها توقف نشاطاتها الفنية كاملة اتقاءً لله، قبل أن تعاود نشاطها مجدداً بعد العيد (تبدأ في تعديد الأماكن التي ستطل فيها على جمهورها من فنادق وملاهٍ في البلد والوطن العربي وبلاد ماركيز وجيفارا ). تسألها المذيعة عن موقفها السياسي ورأيها فيما يحدث في سورية. أطفئ الراديو مسرعاً. أتأمل كل شيء.. أبدأ في التماس العذر لغوغل، وقد فهمت سرَّ عدم تفرقته بين ( بابا عمرو وبابا فين) وبين مجلات (بيت الشعر) و (البيت فور). في اليوم التالي عاودت فتح غوغل لأستكمل ما بدأته من بحث عن علم العمران البشري، فأظهر لي في نتائج البحث بدلاً من (مقدمة ابن خلدون) ( مؤخرة الفنانة…..)يبدو أن غوغل استوعب تراتبية المنطق لدى الشعوب وأولوياتها. * كاتب مصري مقيم في الخارج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية