عبد السلام فرانفي الأيام القليلة القادمة سيتوجه السيد الاخضر الابراهيمي الى سورية للقاء القادة السوريين من أجل البحث في انهاء الأزمة السورية بدعم من مجلس الأمن الدولي ليكون خلفا للسيد كوفي عنان المبعوث الاممي العربي المكسور الخاطر، فرغم ضخامة عقلية الأخضر الابراهيمي هذا الرجل السياسي المخضرم كما تصفه وسائل الاعلام العالمية، الا ان الملف السوري الذي يحمله معه معقد وشائك ومليء بالمتفجرات والأسرار بسبب مساواة الضحية بالجلاد، لقد سبق واحترق نظيره السابق السيد عنان ببنود هذا الملف الذي لم يطبق منه شيئا على الاطلاق من قبل النظام السوري وحكومته، فالنظام لم يوقف اطلاق النار ولم يسحب دباباته من شوارع المدن السورية التي أصبحت معظمها مدنا منكوبة وعلاوة على ذلك بدأ باستخدام كل الأسلحة الفتاكة من طائرات حربية ومدافع ورشاشات وأسلحة محرمة دوليا ليصبح معدل القتل اليومي بالمئات والجرحى بالآلاف والنازحين بمئات الآلاف وكل هذا لأن الطرف الآخر أي المناوئين والمعارضين لهذا النظام أبوا الا أن يحققوا مطالبهم بالحرية والكرامة الذين نادوا بها منذ انطلاقة ثورة الشعب السوري في مارس من العام الماضي، هذه الثورة التي بدأت لعدة شهور طويلة سلمية ونقية الى أن أجبرها هذا النظام ببطشه الوحشي الى اللجوء لحمل السلاح، من أجل الامعان والتأكيد للعالم بأن هناك عصابات أرهابية وسلفية وجهادية ومؤامرات كونية تستهدف هذا البلد الآمن سورية.على ذكر المؤامرة الكونية والعصابات الارهابية التي ينادي بها النظام كل ‘ما دق الكوز بالجرة’ فهذا صحيح مئة بالمئة وأنا أتفق مع النظام وزبانيته ومستشاريه في الامم المتحدة بأن هناك الكثير من هذا القبيل لكن الرئيس السوري الذي عزف على وتر هذا المؤامرة في كل خطاباته لم يجرؤ على الاعتراف بأنه هو شخصيا الأداة ومن صنع هذه المؤامرة بل هو كل المؤامرة ببدايتها ونهايتها، لأنه بعد قتل الطفل حمزة الخطيب واقتلاع حنجرة المغني القاشوش وتكسير أصابع الفنان علي فرزت خرج الأمر من يديه وأصبح حجر شطرنج يحركه كل من تسول له نفسه ايرانيا كان أم امريكيا أم روسيا، ام امميا.فكثيرا ماكان الروس ينفردون به أي الرئيس السوري في القصر الجمهوري الواقع في اعلى قمة جبل قاسيون البعيد عن أنظار العامة والخاصة والمطل على كل مدينة دمشق، وكذلك الايرانيون، فوزير الخارجية الروسي كان يتصرف مع رئيس سورية عند زيارته وكأنه رئيس شيشاني جديد أو زعيم غروزني يخضع للمحمية الروسية، أيضا كثيرا ما انفرد الايرانيون به في القصر وخارج القصر بدون حضور أي من أعضاء الحكومة السورية ـ الاجتماع الأخيرـ، مع مراعاة الظرف الذي تمر به سورية يجب الانتباه الى كل مؤتمر وتصريح ولقاء يتم بين النظام وشركائه وداعميه. فلولا الدعم الايراني اللوجستي بالمال والسلاح والرجال وحتى معنويا واعلاميا حتى العظام لما استمر نظام بشار الأسد بطلعاته الجوية والأرضية والبحرية ضد أبناء شعبه، اضافة الى الدعم الروسي الذي لايقل كثيرا عن الدعم الايراني، فالتصريحات الأخيرة لكبار مسؤولي القيادة الايرانية بما فيها الفقيه نفسه التي صدرت في الأيام الأخيرة تؤكد للجميع بأن معركة بشار الأسد هي معركتها وسوف تقود المعركة بنفسها اذا لزم الأمر. وهم يعتبرون بأن انتصار الثورة السورية هو نهاية للدولة العلوية التوأم لها، وبداية للدولة السورية الحقيقية التي سيتساوى بها الجميع من كل الطوائف والمذاهب السورية.بعد قتل أكثر من ثمانية وعشرين الفا وتهجير الملايين من السوريين في الداخل وفي الخارج تقريبا مليون ومجزرة داريا في ريف دمشق راح ضحيتها أكثر من ثلاثمائة شخص منذ أسبوع والقادم أبشع وأفظع، كل ذلك يحصل على مرأى ومسمع من العالم الحر، فماذا فعلت الأمم المتحدة؟ وماذا فعل مجلس الأمن؟وأين العرب وجامعتهم الموقرة؟ وماذا ينتظر الأوروبيون ومحاكمهم الجنائية ؟والى متى ينتظر الامريكان الاشارة من سيدهم القابع في تل أبيب؟وهل السيد الأخضر الابراهيمي ذو الثمانون عاما وأكثر والذي كان يوما ما يجسد الدولة الشمولية في الجزائر عندما كان وزير خارجيتها أكبر منهم كلهم ليوقف شلالات الدم في سورية؟ نذكر بأن حكومة الجزائر داعمة للنظام السوري هذه الحكومة التي قتلت في التسعينيات من القرن الماضي أكثر من ربع مليون جزائري، ولازالت في الحكم؟من الأخطاء القاتلة والمميتة التي ارتكبتها الدول الداعمة والمناوئة والمحايدة للنظام الحاكم في دمشق منذ بدء الانتفاضة السلمية منذ أكثر من سبعة عشر شهرا هي أن هذه الدول ساوت ووحدت بين طرفي النزاع منذ بدء الأزمة السورية، فكيف يمكن للمرء أن يقبل بمثل هكذا معادلة انتفاضة شعبية سلمية تطالب بالحرية مقابل دبابات ورشاشات من اجل قمعها انتفاضة شعبية حاولت الدفاع عن نفسها بالبنادق مقابل طائرات حربية فتاكة من طراز ميراج سوخوي وميغ 21، رشاشات ومدافع ثقيلة ومدرعات ومئات الآلاف من المشاة والقادة العسكريين.فالسيد الأخضر الابراهيمي نفسه اعترف بأن الوضع في سورية مخيف وبأن حربا أهلية حقيقية تجري هناك بطريقة جنونية، واذا كان هناك بالفعل حرب أهلية كما يدعي هو والكثيرون الذين ينوون الشر والتقسيم لهذا البلد الحضاري، فلماذا قبل بهذه المهمة ومن أجل من؟ وهل سيقبل النظام السوري بالبنود التي يحملها بعد أن حققت الثورة السورية مكاسب على الأرض تجاوزت الـ 80 بالمائة ووصلت أيادي الثوار الى مقرات وعقر دار النظام السوري في العاصمة السورية دمشق، هل سيطلب من الثوار التراجع والقاء السلاح مقابل سحب النظام السوري دباباته ومدافعه ووقف طائراته؟ وهل سيقع في نفس الخطأ المميت ألا وهو مساواة الضحية بالقاتل؟لقد حصلت في الماضي حروب أهلية كثيرة في شتى بقاع الأرض فهل من الانصاف في الحروب الأهلية استعمال الطائرات الحربية والاسلحة المحرمة دوليا؟على السيد الأخضر الابراهيمي أن يقرأ التاريخ منذ 1978 الى العام 2012 جيدا ومرارا ليدرك حجم الطعم الذي وضع له في الدسم وهو رجل شبع من سنين عمره، فالحكومات الغربية وربيبتها الدولة الصهيونية عملت ولازالت تعمل جاهدة من اجل تفتيت البنى التحتية لكل الدول العربية كل على حدة وكل حسب موقعه الجيوسياسي، وتستخدم أخبث الأساليب لزعزعة واستقرار منطقة الشرق الأوسط وتخطيطه من جديد، وفقا لمصالحها الخاصة، فهي تحافظ على الأنظمة الشمولية البوليسية في العالم وبنفس الوقت تحاول كبح جماح أي ديمقراطية حقيقية تأتي بها شعوب هذه الدول، وتستغل مواطئ الضعف في الانتفاضات والمعارضات التي تحدث في العالم العربي وكل ذلك وفقا لمصالحها لأنها هي وحدها القادرة على اللعب على التناقضات والمستفيد الأكبر مما يحصل، هي تزود وتدرب الثورة السورية والمعارضة السورية ببعض الاجهزة والأموال وأحيانا معنويا ببعض المؤتمرات هنا وهناك، الا انها تغض النظر عندما يزود النظام السوري بأسلحة فتاكة ومرتزقة من الدول التي تدعمه وتتدخل فيه روسيا الصين ايران فنزويلا الجزائر وغيرهما، ألا يستحق الشعب السوري الثائر دعمه بالصواريخ المضادة للطائرات الأسدية أسوة بغيره؟ فالحكومات الغربية هي التي أطلقت يد ايران في العراق بعد ان حولته الى دولة فاشلة، ولا ننسى أيضا بأنها هي التي أطلقت يد حافظ الأسد آنذاك في لبنان وحولته الى تابع للنظام السوري وفاشل كمان، فمنذ احداث لبنان في السبعينيات الى الآن وهذا البلد الجميل في ضياع سياسي وامني واقتصادي تام، كذلك اطلقت يد العراق في الكويت لاحتلالها واللائحة تطول، لكن أود التذكير بأن كلا من الصين وروسيا ودول امريكا اللاتينية هي الرديف الحقيقي لما تمليه هذه الحكومات من ردود أفعال محلية وعالمية، أما ايران فيجب ألا ننسى بأنها تتبادل الملف التجاري والاقتصادي مع الكيان الصهيوني منذ قيام ثورة الخميني يقدر بالمليارات، لذا يجب عدم التعويل على أي مؤتمر قادم من الهلال الشيعي او الهلال البوذي او حتى من المطرقة الروسية والمنجل الشيوعي ولا من العلم الازرق ذو الـ 27 نجمة، فاذا كانت النوايا الغربية وغير الغربية حقا نظيفة وطاهرة فلماذا يعلو الحديث تارة عن مناطق آمنة لحماية السوريين (تصريحات الرئيس الفرنسي الأخيرة) ويخبو تارة (كلينتون ورئيس وزراء بريطانيا) ولماذا لايجرؤ قادة العالم على التمسك بشرف بما يدعون ويعملون حقا على انشاء هذه المناطق التي قدمتها لهم الثورة السورية على طبق من ذهب بعد أن ضحت بالغالي والنفيس ودفعت شلالات من الدماء ربما وصل انسيابها الى مياه نياغرا، فالثورة السورية لم تكن وليدة الغرب أو صناعته كما يدعي أعداؤها ومنهم النظام السوري، بل هي ثورة وطنية عفوية ذاتية خلقت من رحم الأمهات الثكالى المحرومين من الحياة الكريمة، فمن أجل هذه الثورة الشريفة انخرط في صفوفها الأشقاء العرب من جميع الدول فانضم تحت لوائها الكثيرون من الشبان تماما كما حصل منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية التي استوعبت كل مناضلي العالم من عرب وغيرهم، ولهذا السبب تخلى عنها الجميع في محاولة لاجهاضها .فالكل سيحاسب تاريخيا وأخلاقيا ودينيا وسيتحمل وزر ما يتعرض له الشعب السوري من ابادة. شتان ما بين الثرى والثريا، فمايحصل في المؤتمرات وخلف الكواليس شيئ ومايحصل على الأرض السورية من تضحيات شيئ آخر لايمكن وصفه ويعجز أي لسان التعبير عنه. فكل يوم يمر حرام على البشرية وعلى كل انسان أن يعيشه اذا لم يؤازروا الشعب السوري في كفاحه ضد هذا النظام البغيض.’ كاتب عربي